يُعد الاختصار من باب التكميل الكيفي لأصله؛ وذلك لأن الأصل قد يشتمل على عبارات تسبب تشتيت الذهن، أو يرد عليها اعتراضات.
وليس كل اختصار من باب الاستدراك؛ بل الاختصار الذي فيه تهذيب عبارة الأصل، وحذف الزوائد والمكررات التي توقع في اللَّبْس، وتصوب الخطأ.
ومن هنا تظهر أهمية عمل منقحي الأصول؛ حيث اختصروا المطولات بعبارات موجزة واضحة.
قال التبريزي: "حذفت زوائده (٢)، ورصعت (٣) فوائده، وما وجدت في
_________________
(١) المعتمد (١/ ٣).
(٢) أي محصول الرازي.
(٣) الترصيع: التركيب والتنظيم، يقال: تاج مرصع بالجوهر: أي محلى بالرصائع (وهي حلق يحلى بها). ويقال: رصع العقد بالجوهر: نظمه فيه، وضم بعضه على بعض. يُنظر: الصحاح (ص: ٤٠٩)؛ لسان العرب (٦/ ١٦٢) مادة (رصع). فكأن التبريزي أضاف إلى فوائد الرازي فوائد أخرى، فظهرت الفائدة أكثر. يُنظر: تحقيق تنقيح المحصول للخطيب التبريزي هامش (٢) من (١/ ١).
[ ٣٠٥ ]
مطاويه من قول لا أرتضيه قررت الحق فيه على ما يقتضيه، من غير تزييف لمقاله (١)؛ إلا إذا خفت وبالًا من إهماله" (٢).
وقال ابن رشيق المالكي: "ومن جملة المصنفات جليلة المقدار، العظيمة الجدوى في هذا العلم: الكتاب المستصفى، تصنيف الشيخ الفقيه الإمام زين الإسلام حجة الشريعة أبي حامد بن (٣) محمد الغزالي الطوسي إلا أنه ربما زاد بسطًا يقتضي للطالب ملالًا، ويوجب له إهمالًا، ينتج عنه إخلالًا واختلالًا؛ فإن همم المستفيدين في هذا الزمن فاترة، ورغبتهم في العناية بالعلوم قاصرة، والمقصود: التوصلُ إلى مقاصد العلوم بأبلغ لفظ، وأدل منظوم، فقصدت إلى تلخيص معانيه، وتحرير مقاصده ومبانيه، وحذف ما يوجب الملال، ويقتضي الكلال والإملال؛ رغبة في تقليل حجمه، وإعانة للطالب على حفظه بصغر جرمه، مع التنبيه على ما يتعين التنبيه عليه، والتنكيت (٤) بما لا بد من الإشارة إليه" (٥).
وقال السراج الأرموي مختصر المحصول: " ثم إن بعض من صدقت رغبته، وتكاملت فيما يحتويه محبته، التمس مني أن أسهل طريق حفظه (٦)؛ بإيجاز لفظه، ملتزمًا الإتيان بأنواع مسائله، وفنون دلائله، مع زيادات منا مكملة، وتنبيهات على مواقع منه مشكلة " (٧).
_________________
(١) أصل التزييف، من زيفت الدراهم: إذا ردت لظهور الغش فيها. وزَيَّفَ قوله أو رأيهُ: فَنَّدَهُ وأظهر باطله. يُنظر: لسان العرب (٧/ ٨٩)؛ المعجم الوسيط (ص: ٤٠٩) مادة: (زيف).
(٢) تنقيح المحصول للتبريزي (١/ ١ - ٢).
(٣) لعل الأولى حذف (بن)، فيصبح أبي حامد محمد الغزالي؛ فيذكر بكنيته واسمه، أولى من كنيته واسم والده.
(٤) النُّكتة: المسألة الدقيقة، أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه في بالأرض إذا أثر فيها؛ لتأثر الخواطر باستنباطها. يُنظر: أقرب الموارد (٢/ ١٣٤٢) مادة (نكت)؛ التعريفات (ص: ٣١٦).
(٥) لباب المحصول في علم الأصول (١/ ١٨٨).
(٦) أي محصول الرازي.
(٧) التحصيل (١/ ١٦٣).
[ ٣٠٦ ]
ويؤكد أن فعل السراج باختصاره إنما هو تكميل لنفع المحصول: ما ذكره بدر الدين التستري (١) في مقدمة كتابه حل عقد التحصيل (٢): " فوجدته مشتملًا على فوائد هذه الصناعة، وعيون قلائد هذه البضاعة، متضمنًا لأقسام الحسن والكمال، مستحقًا لصرف الهمة إليه في الأيام والليالي؛ لما فيه من حُسن النظم مع صغر الحجم، واختصاصه بإيرادات لطيفة، ونكات ظريفة من قبله مكملة، تدل على جودة قريحة موردها، وكثرة تحقيقه، وقوة مظنته، وشدة تدقيقه".
وقال الطوفي في مختصره على الروضة (٣): " وأسألك التسديد في تأليف كتاب في الأصول، حجمه يقصر وعلمه يطول، متضمن ما في الروضة القدامية، الصادرة عن الصناعة المقدسية، غير خالٍ من فوائد وزوائد، وشوادر (٤) فرائد، في المتن والدليل، والخلاف والتعليل، مع تقريب الإفهام على الأفهام، وإزالة اللَّبْس عنه مع الإبهام ".
فهم مع الاختصار يناقشون ويستدركون على ما جاء في الأصل.
_________________
(١) هو: محمد بن أسعد التستري- نسبة إلى تستر مدينة بالقرب من شيراز بإيران-، بدر الدين، الفقيه الشافعي، الأصولي المنطقي، شيخ جمال الدين الإسنوي، من مصنفاته: "حل عقد التحصيل"، و" شرح مختصر ابن الحاجب"، (ت: ٧٣٢ هـ). تُنظر ترجمته في: شذرات الذهب (٦/ ١٠٢)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ١٣٧)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٣١٤).
(٢) هذا الكتاب ليس شرحًا مستغرقًا لكتاب التحصيل؛ بل موضح لبعض ما ورد مبهمًا غامضًا في التحصيل. وتوجد له نسخة في دار الكتب المصرية برقم (١٤ م أصول الفقه)، اللوح الأول، وللكتاب نسخ أخرى ذكرها محقق التحصيل د. أبو زنيد في قسم الدراسة للتحصيل (١/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٣) (١/ ٩٢، ٩٦).
(٤) شوادر: جمع شاردة، أي: فائدة أو نكتة شاردة؛ يعني خارجة عن الروضة ليست فيها، أو عن فهم كثير من مؤلفي الكتب، والناس لم ينتبهوا لها، يقال: شرد البعير والناقة: إذا نفرا، والشريد: الطريد، وهو مستلزم للخروج، وهذا مستعار من ذلك. يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ٩٥).
[ ٣٠٧ ]