وليس معنى هذا أن جميع الشروح من قبيل الاستدراك؛ ولكن الشارح قد يستدرك على صاحب المتن في عبارته، أو أسلوبه، أو توجيهه، أو ترتيبه، أو تدوينه، أو يقيد مطلق عبارته، أو يطلق المقيد من عبارته، فكل هذه الفوائد من الشارح تعد من قبيل التكميل الكيفي.
ومن ذلك ما قاله القرافي في شرحه للمحصول: " فاستخرت الله تعالى في أن أضع له شرحًا أودعه بيان مشكله، وتقييد مهمله، وتحرير ما اختل من فهرسة مسائله، والأسئلة الواردة على متنه (٢) ولا أورد من الأسئلة إلا ما هو حق عندي لا جواب عنه، أو ما عنه جواب؛ غير أن كثيرًا من الفضلاء يعسر عليهم الجواب عنه، فأذكره لجوابه لا لذاته، ولِيُحترز منه، ويُتنبه به على أمثاله (٣) وأبدأ بالمحصول، فإذا تلخص كلامه وما عليه؛ ثنيت بمختصراته، فإن زاد بعضها لفظًا، أو غيَّر وضعًا، فأذكر ما يتعلق بذلك التغيير أو بتلك الزيادة من إيراد وتحرير وغير ذلك، ثم أثلث بتصانيف الناس المتقدم ذكرها، فأنقل ما فيها جميعها في كل مسألة تكون فيها زيادة فائدة إن وجدتها " (٤).
_________________
(١) المعتمد (١/ ٣).
(٢) نفائس الأصول (١/ ٩١).
(٣) المرجع السابق (١/ ٩٦).
(٤) المرجع السابق (١/ ٩٧).
[ ٣٠٩ ]
والمطلع لكتاب نفائس الأصول يجد القرافي مستدركًا أكثر من كونه شارحًا.
ومن ذلك أيضًا ما قاله الإسنوي في شرحه على المنهاج: " فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليه، موضح لمعانيه، مُفصحٍ عن مبانيه، مُحررٍ لأدلته، مقررٍ لأصوله، كاشف عن أستاره، باحث عن أسراره، منبهًا فيه عن أمور أخرى مهمة: أحدها: ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها، أو عنها جواب ضعيف. الثاني: التنبيه على ما وقع فيه من الغلط في النقل (١) ". إلى آخر كلامه الذي يتضح فيه أنه لم يكن مجرد شارح؛ بل كان مستدركًا مصححًا للغلط، كاشفًا عن اللَّبْس، مكملًا للنقص.