القسم الثاني: ألا يكون في المسألة قول لأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وإنما الخلاف بين بقية الصحابة، -وأؤكد المسألة مطروحة إذا لم يوجد فيها نصٌّ-: فإذا اختلف الصحابة من غير الخلفاء الراشدين بعضهم مع بعض، فيرجَّح أشبه القولين بالكتاب والسنة، نصَّ على هذا الإمام الشافعي (^١) وأحمد (^٢) - رحمهم الله تعالى رحمة واسعة ـ.
وعلى هذا أمثلة:
المثال الأول: تنازع العلماء في استقبال القبلة واستدبارها لمن أراد أن يقضي الحاجة، وللصحابة في هذه المسألة قولان:
القول الأول: حرمة الاستقبال والاستدبار، حتى في البنيان، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري في «الصحيحين» (^٣).
والقول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، وهو قول ابن عمر ﵁، رواه الدارقطني وغيره، أنه لما أراد أن يقضي حاجته جعل أمامه دابته، وقضى حاجته، لما قيل له قال: إنما ذلك في الفضاء (^٤).
_________________
(١) انظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٤٩)، و«البحر المحيط» للزركشي (٨/ ٥٧).
(٢) انظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٤٩)، و«البحر المحيط» للزركشي (٨/ ٥٧)، و«إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤). وانظر رأيه في: «المصنف» لابن أبي شيبة (١/ ١٥٠)، و«المحلى» لابن حزم (١/ ١٨٩)، و«المجموع» للنووي (٢/ ٨١). وهو أيضًا قول ابن مسعود، أبي هريرة كما في: «المحلى» لابن حزم (١/ ١٨٩).
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٩٢) رقم (١٦١)، وقال: هذا صحيح كلهم ثقات. وانظر رأيه في: «المحلى» لابن حزم (١/ ١٩٠)، «المجموع» للنووي (٢/ ٨١). وهو أيضًا مروي عن العباس بن عبد المطلب كما في: «المجموع» (٢/ ٨١)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٥٤) و«شرح أبي داود» (ص: ١٠٦) ثلاثتهم للنووي.
[ ٣٨ ]
فالمقصود أن ابن عمر فرق بينهما، بخلاف أبي أيوب الأنصاري.
أردنا أن نتفقه وأن ننظر أي القولين أشبه بالكتاب والسنة، فوجدنا أنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - في «الصحيحين» (^١) أنه بال مستدبرا للقبلة في البنيان، وهذا القول أشبه بقول المفرِّق بين البنيان والصحراء، فلذلك رجح قول ابن عمر.
فإن قيل: لم لا يقال بجواز الاستدبار دون الاستقبال؟
يقال: لأن هذا القول ليس عند الصحابة، وإنما الصحابة اختلفوا على قولين، ولا يجوز أن نخرج عن قوليهم، وهذه قاعدةٌ مهمةٌ؛ سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع (^٢)؛ لأننا مأمورون أن نتبع سبيل المؤمنين، فسبيل المؤمنين في هذه المسألة قولان، فلا نخرج عنهما.
المثال الثاني: تنازع العلماء في صلاة سنن الرواتب للمسافر: هل تصلى أو لا تصلى؟
في المسألة قولان:
القول الأول: قول ابن عمر: أنها لا تصلى (^٣).
والقول الثاني: أنها تصلى، وهو قول جمهور الصحابة، نقله الحسن البصري عن الصحابة، وهو قول جابر، وابن عباس، وجماعة من الصحابة (^٤).
وأشبه القولين بالكتاب والسنة يتضح بالنظر في الأدلة:
فقد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي قتادة، أن النبي - ﷺ - كان مسافرا،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٥)، و(١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).
(٢) انظر: المسودة ص ٣١٥ والعدة لأبي يعلى (٤/ ١٠٥٩).
(٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢٧٦٣). وانظر: مسلم (٦٨٩).
(٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٤٨).
[ ٣٩ ]
ففاتته صلاة الفجر، فقام وصلى راتبة الفجر، ثم صلى الفجر كما كان يصلي (^١).
إذن صلى الراتبة، وهذا يوافق قول جمهور الصحابة فهو أشبه بالكتاب والسنة.
ولو قال قائل: لا تصلى من الرواتب إلا راتبة الفجر، يقال: هذا قول محدثٌ من جهة أقوال الصحابة، ولم يثبت هذا فيما أعلم لا عن ابن عمر ولا عن غيره: أي الاستثناء، وإنما الذي ثبت عن ابن عمر أنه لا يُصلِّى مطلقا، أو يُفرِّق بين الليل والنهار: أي يجوز صلاة الراتبة في الليل دون النهار (^٢).
وعلى كلا الاحتمالين: فمقتضى مذهبه أن راتبة الفجر لا تصلى، وقد ثبت في السنة عن رسول الله - ﷺ - أنه صلى راتبة الفجر في السفر، فدل هذا على أن المسافر يصلي الراتبة، وهذا هو القول المشهور عند المذاهب الأربعة، بل على هذا المذاهب الأربعة (^٣).
المثال الثالث: علّق البخاري عن بُريدة بن الحُصيب ﵁، أنه أوصى أن يجعل على قبره جريدان (^٤)؛ لأنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - من حديث ابن عباس في «الصحيحين»، أنه وضع على القبر جريدا رطبا، ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (^٥)، ففعل ذلك بُريدة بن الحُصيب ﵁ وخالفه ابن عمر، ذكر البخاري أن ابن عمر لما رأى رجلا يظلل القبر، قال: لا تظله، وإنما يظله عمله (^٦)، فالميت
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨١).
(٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢٧٦٤) عن ابن عمر.
(٣) انظر: «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٢/ ١٣١)، و«الاستذكار» لابن عبد البر (٢/ ٢٥٤)، و«المجموع» للنووي (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٣٢٢).
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا في (٢/ ٩٥) قبل حديث (١٣٦١).
(٥) أخرجه البخاري (١٣٦١)، ومسلم (٢٩٢).
(٦) أخرجه البخاري تعليقًا في (٢/ ٩٥) قبل حديث (١٣٦١).
[ ٤٠ ]
لا ينفعه أن يظل قبره ولا أن يفعل شيء عليه، فابن عمر خالف بُريدة.
وأشبه القولين بالكتاب والسنة يُعرَف بأن النبي - ﷺ - علَّل وضع الجريد على القبرين بما يقتضي كشف الغيب؛ لأنه قال: «إنهما ليعذبان»، وهذا لا يكون لغيره، ولم يفعله لغيرهما - ﷺ -، فدل هذا على أن الصواب مذهب ابن عمر ﵄.
المثال الرابع: ثبت أن ابن عمر كان يحاكي النبي - ﷺ -، فيذهب مع الطريق الذي ذهب معه إلخ (^١)، وثبت عن عمر عند ابن أبي شيبة أنه رأى أناسا يتتبعون أماكن النبي - ﷺ - فأنكر عليهم: أي لما عادوا وقفلوا من الحج رأى أقواما يصلون في مكان، فسألهم، قالوا: صلى في هذا النبي - ﷺ -، فأنكر عليهم، قال: إنما أهلك من كان قبلكم بتتبعهم مساجد وبيع أنبيائهم، فمن أدركت الصلاة فليصل، وإلا فليترك (^٢)، فقول عمر مقدَّمٌ على قول ابن عمر؛ لأنه خليفة راشد، ولمُرجِّحات أخرى.
والأمثلة على هذا كثيرة، وإنما أردت بهذه الأمثلة ذكر المثال؛ لِيُعرَف غيره، وليسهل تنزيل ذلك على غيرها من المسائل الكثيرة.
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٧٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٤٩) وغيرهما.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٦٣٢)، وهو عند عبد الرزاق (٢٧٣٤)، وابن وضاح في «البدع» (١٠١) وغيرهما.
[ ٤١ ]