ابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ
هذا هو القسم الأول من أقسام مذهب الصحابي، ومن الأمثلة عليه ما يلي:
المثال الأول: الجلوس للتشهد في سجدتي السهو إذا كان السجود بعد السلام، فقد جاء بذلك أحاديث مرفوعة، لكن لا تصح، كما بين ذلك ابن تيمية (^١) وغيره، وإنما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ فيما أخرجه ابن أبي شيبة (^٢).
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة (^٣) وأحمد (^٤) - رحمهما الله تعالى - ولم يخالَف ابن مسعود، فيكون هذا القول حجة؛ لأن الصحابي قد ابتدأ حكما جديدًا، ولم يخالَف.
المثال الثاني: الزكاة في عروض التجارة،
لم يصح فيه حديث عن رسول الله - ﷺ -، وإنما العمدة فيه على الآثار، وعلى الثبوت عن الصحابة، كابن عمر (^٥) وغيره (^٦) ﵃ وأرضاهم ـ.
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ٤٨ - ٥١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٤٩٢)، و(٤٤٩٣).
(٣) انظر: «الاختيار لتعليل المختار» لابن مودود الحنفي (١/ ٧٢).
(٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٣١٥).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٥٦٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٤٧).
(٦) كعمر بن الخطاب - ﵁ -، أخرجه عبد الرزاق (٧٠٩٩)، وابن أبي شيبة (١٠٥٥٧)، و(١٠٥٥٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (١/ ٥٢٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٤٧) وغيرهم.
[ ٢٥ ]
وذهب إلى هذا جماهير أهل العلم؛ لأن الصحابي لم يخالَف في ذلك (^١).
المثال الثالث: رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، ما عدا تكبيرة الإحرام، تنازع فيها أهل العلم، وأصح الأقوال: أن اليدين ترفع في جميع تكبيرات الجنازة، والدليل على ذلك أنه ثبت عن ابن عمر ﵄ فيما رواه ابن أبي شيبة (^٢) وابن المنذر (^٣)، فيكون رفع اليدين مستحبًا؛ لأنه قول صحابي لم يخالَف.
المثال الرابع: وجوب الوضوء من تغسيل الميت: جاء فيها أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح (^٤) وإنما العمدة على ثبوته عن عبد الله بن عباس ﵄ عند عبد الرزاق (^٥).
وإليه ذهب الإمام أحمد (^٦)، وقال ابن قدامة: وليس بين الصحابة خلاف في ذلك (^٧)، فيكون حجةً.
_________________
(١) قال ابن قدامة في «المغني» (٤٤٩٣): «تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة، في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي».
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١٤٩٨).
(٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٣١٠٨).
(٤) قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٣٥٠): «الاغتسال من غسل الميت لا يجب، وليس فيه خبر يثبت، قال أحمد: «لا يثبت فيه حديث»».
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٦١٠١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢٩٣٩).
(٦) انظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٢١٥).
(٧) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٣)، حيث قال: «فروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء. وعن أبي هريرة، قال: أقل ما فيه الوضوء. ولا نعلم لهم مخالفا في الصحابة».
[ ٢٦ ]
المثال الخامس: عدم انتقاض الطهارة بخروج الدم غير الفاحش: ثبت هذا عند عبد الرزاق عن ابن عمر (^١)، وعن غيره من الصحابة (^٢)، وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة (^٣) وأحمد (^٤)، وقال ابن قدامة: ليس بين الصحابة خلاف في ذلك (^٥).
إذن العمدة على قول صحابي أو صحابيين أو ثلاثة في المسائل المتقدمة أو غيرها، ولم يخالفهم غيرهم من الصحابة؛ فكل قول ابتدأه الصحابي، ولم يخالَف، فإنه يكون حجةً.
* * *
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥٥٣)، وابن أبي شيبة (١٤٧٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (٦٥).
(٢) كأبي هريرة وغيره كما عند عبد الرزاق (٥٥٦)، وابن أبي شيبة (٦٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (٦٦).
(٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٠).
(٤) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٠).
(٥) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٠)، حيث قال: «وهو المشهور عن الصحابة، ﵃. قال ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشا فعليه الإعادة. وابن أبي أوفى بزق دما ثم قام فصلى. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، وصلى، ولم يتوضأ. قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه وأبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه، وابن عمر عصر بثرة وابن أبي أوفى عصر دملا وابن عباس قال: إذا كان فاحشا. وجابر أدخل أصابعه في أنفه، وابن المسيب أدخل أصابعه العشرة في أنفه، وأخرجها متلطخة بالدم. يعني: وهو في الصلاة. وقال أبو حنيفة: إذا سال الدم ففيه الوضوء، وإن وقف على رأس الجرح، لم يجب».
[ ٢٧ ]