أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة
إذا تبين هذا، فإن مذهب الصحابي من حيث الجملة نوعان:
النوع الأول: أن يكون قول الصحابي مشتهرا معروفًا، وذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه «إعلام الموقعين» (^١) أنه إذا قال الصحابي قولا فاشتهر، فإن طائفةً ذهبت إلى أنه إجماعٌ، وأخرى قالت: إنه حجةٌ وليس إجماعًا، وذهبت شرذمة من الفقهاء المتكلمين والمتأخرين إلى أنه ليس إجماعا ولا حجة.
ثم ردَّ هذا الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى رحمة واسعة ـ، وسيأتي ما ذكره من الأدلة على حجية قول الصحابي في النوع الثاني، وهو دليل على أن النوع الأول حجةٌ من باب أولى.
النوع الثاني: ألا يشتهر قول الصحابي، أو لا يعلم هل اشتهر أم لا، فقرر الإمام ابن القيم أنه حجةٌ، قال: هذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في القديم والجديد (^٢).
وقال بعد ذكر النقولات عن الشافعي: فهذا كلام الشافعي -﵀ ورضي عنه- بنصه، ونحن نشهد باللَّه أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه (^٣).
لأن بعض أصحاب الشافعي خالفوا، وقالوا: ليس هذا قولا للشافعي في الجديد (^٤).
_________________
(١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٤٨ - ٥٥٠).
(٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٠ - ٥٥٤).
(٣) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٤).
(٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٠ - ٥٥٢).
[ ١٤ ]
لكن العلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (^١) - وهو من الشافعية - قرَّر أنه قول الشافعي في القديم والجديد.
وذكر البيهقي (^٢) أن للشافعي كلاما يدل على قوله بحجية قول الصحابي في الجديد، فهو قوله في القديم والجديد، وذكر مثل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٣).
فإذن، هذا قول أئمة المذاهب الأربعة، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه (^٤)، ثم ذكر الإمام ابن القيم ﵀ ستة وأربعين دليلًا (^٥) على حجية قول الصحابي، وأطال النفس في ذلك ﵀ رحمة واسعة ـ.
وسأحاول في هذا الرسالة أن ألخص ما تيسَّر من الأمور المهمة التي أشار إليها ابن القيم ﵀؛ لأن أوسع وأحسن من بحث هذه المسألة هو الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «إعلام الموقعين».
* * *
_________________
(١) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص: ٣٦ - وما بعدها).
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، و«المدخل إلى السنن الكبرى» (ص:١٠٩ - ١١٠).
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ١٤).
(٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٠).
(٥) انظرها في: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٦٦) إلى (٦/ ٣٠).
[ ١٥ ]