وقد تجتمع هذه الأسباب جميعها أو بعضها، وقد تنفصل:
١ - انتشار القول بأن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع سيئة وبدع حسنة إما لأعراض سيئة، أو تأولا أو جهلا وتقليدا.
٢ - الجهل بـ:
أ - السنة المطهرة وعلم مصطلح الحديث، بحيث لا يميزون بين الصحيح والضعيف والسليم والسقيم، فتكثر الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل بدعة وحدة الوجود تتوكأ على الحديث الموضوع: "ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن"، وبدعة النور المحمدي تقف على الحديث المخترع الموضوع المصنوع: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، وبدعة خَلْقِ المخلوقات من أجل محمد ﷺ تعتمد على حديث الكذب: "لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك" وخفي على واضعه الجاهل أن محمدًا ﷺ لولا الخلق ما بعث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ب - الجهل بمقاصد الشريعة:
فإن الدين قد كمل، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا وقد وضح كل شيء ٍ بشهادة الله ﷾ بذلك، حيث قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فأما النوازل الحادثة والوقائع المتجددة، فإنها تنضوي تحت كليات الشرع وقواعده ولا بد أن يكون لها حكما بالقبول أو الرد، سواءً كان ذلك في مجال العبادات أو في المعاملات، ومن كليات هذا الدين وقواعده الأساسية التي تنظم كل الجزئيات الحادثة قوله ﷺ: ( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ).
٣ - سوء الفهم للقرآن والسنة: وعدم معرفة أقوال السلف:
_________________
(١) انظر: حقيقة البدعة للشيخ الغامدي (١/ ٣٣٨: ٣٥٠)، البدعة وأثرها السيئ في الأمة للشيخ سليم الهلالي (ص/١٢٣: ١٢٧)، البدعة أسبابها ومضارها للشيخ محمود شلتوت (ص/١٧: ٣٧)، علم أصول البدع للشيخ علي الحلبي (ص/٤٣: ٤٩)، مراحل ظهور البدع للشيخ أحمد الغامدي (ص/٣٩: ٤٩)، البدع الحولية للشيخ عبدالله التويجري (ص/٣٧: ٦٨) وكلامه من أجمع الكلام في هذه المسألة، وسوف أنقل عن بعض هذه المصادر ببعض الاختصار والتصرف، ولك أن تلاحظ أن بعض هذه الوجوه متداخل وتكمل بعضها بعضا.
[ ١٦٨ ]
أما سوء الفهم للقرآن فمنه ما رواه مسلم في "مقدمة صحيحه" عن سفيان الثوري، قال: سمعت رجلا سأل جابرا – وهو الجُعْفِي ضعيف رافضي - عن قوله ﷿: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠]، فقال جابر: «لم يجئ تأويل هذه»، قال سفيان: وكذب، فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول: إن عليا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء يريد عليا أنه ينادي اخرجوا مع فلان، يقول جابر: «فذا تأويل هذه الآية، وكذب، كانت في إخوة يوسف ﷺ»، ومثل ذلك فهم بعض الصوفية لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، وأن المراد به العلم اللدني الذي يؤتاه الولي، فيكون بمثابة الوحي المعصوم وبنوا على ذلك أن الولي أفضل من النبي أو في منزلة مساوية له. ومثال ذلك استدلال الخارجي على أن أهل الكبائر في النار يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨، ٩]، فقال: المراد في الآية أن من خفت موازينه فهو كافر، والمعلوم أن موازين أهل الكبائر قد خفت فيجب أن يكونوا كفرة.
ومثل ذلك استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]، فقال الخارجي: لا شك بأن صاحب الكبيرة مجازى، فيجب أن يكون من الكفرة، فهذا هو حال المبتدعة مع نصوص الكتاب الكريم، أخْذُ بعضها وترك بعضها مع الفهم السقيم للآيات التي يستدلون بها، مع أنه من المقرر عند أهل السنة والحمد لله (أن كل آية ٍ يستدل بها مبتدع فيها دليلٌ على فساد قوله).
أما السنة فإن المبتدعة على قلة اعتمادهم على الصحيح منها، وكثرة أخذهم بالواهي والضعيف، فإنهم كثيرا ما يفهمون الأحاديث الثابتة على غير وجهها، ويدفعون مقاصدها بالتحريفات والتأويلات الفاسدة.
أما عدم معرفتهم لكلام السلف فكما قال شيخ الإسلام في سياق كلامه عن تنازع المبتدعين في كلام الله ﷾: ( عامة هؤلاء المختلفين في الكتاب لم يعرفوا القول السديد قول السلف، بل ولا سمعوه ولا وجدوه في كتاب ٍ من الكتب التي يتداولونها؛ لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية، ولا معاني الكتاب والسنة إلا بتحريف بعض المحرفين لها، ولهذا إنما يذكر أحدهم أقوالا مبتدعة: إما قولين أو ثلاثة، وإما أربعة وإما خمسة، والقول الذي كان عليه السلف ودل عليه الكتاب والسنة لا يذكره؛ لأنه لا يعرفه ).
[ ١٦٩ ]
فترك المبتدعة لكلام السلف وجهلهم به، وإعراضهم عن فهم السلف لنصوص الكتاب والسنة، أحد الأسباب الكبيرة لوقوعهم في الابتداع.
٤ - عدم التسليم للنصوص الشرعية والانقياد لها:
والمتأمل في حال أهل البدع يجد أن هذا الوصف من أخص نعوتهم؛ ولذلك سماهم عمر بن الخطاب (أعداء السنن)، وصحت فيهم أوصاف أهل السنة لهم بأنهم: أهل الأهواء وأهل الكلام، وأهل القياس الفاسد، وأهل الابتداع، وأصحاب الرأي المذموم وغير ذلك من الأوصاف التي تدل أول ما تدل على ترك هؤلاء للنصوص الشرعية وعدم الاعتماد عليها، وعدم الاعتصام بها، ويظهر ذلك من خلال هذه الملامح:
أ. رد الأحاديث التي لا توافق بدعهم بالقدح في الرواة الثقات العدول، أو بنفي حجية خبر الآحاد، أو بتحريف الأدلة عن مواضعها وصرفها عن ظواهرها بتأويلات فاسدة، أو الاحتجاج بأن النصوص تفيد الظن وقواعدهم قطعية.
ب. إتباع المتشابه من الأدلة وذلك بحمل النصوص المحكمة على المتشابهة، أو جعل المحكم من الأدلة متشابها، كما فعلت الجهمية في الصفات، أو جعل ما ابتدعوه هو المحكم وما جاءت به الأنبياء هو المتشابه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
جـ. معارضة النصوص الشرعية بالأهواء فالصوفي بالكشف والذوق، والمتكلم بالرأي والمنطق والنظر والقياس الفاسد .. أو بما يسمونه قواعد قطعية ذوقية كانت أو عقلية.
د. الاستدلال ببعض النصوص دون النظر في غيرها فنافي الصفات مثلًا يستدل بنصوص نفي التماثل بين الله سبحانه وخلقه، ويترك نصوص الإثبات، والخارجي يستدل بنصوص الوعيد وحدها، والمرجئ بنصوص الوعد وحدها، والشيعي بالنصوص الواردة في فضل علي - ﵁ - وحدها وهكذا .
هـ. الاعتماد على الحكايات والرؤى والقياسات والأحاديث الواهية والضعيفة مما يؤدي إلى ترك النصوص الصحيحة، والالتفات عنها إلى هذه الأغلوطات.
وأمثلة هذا كثير ٌ عند الذين ضلوا في أبواب القصد والإرادة كالمتصوفة.
٥ - إحداث قواعد ونظريات عقلية أو ذوقية أو سياسية يسير عليها المبتدع وينقاد لها:
وهذا واضح في مسالك المتكلمة والمتفلسفة، إذ سموا ما وضعوه عقليات، وقطعيات وبراهين
[ ١٧٠ ]
وأطلقوا على أنفسهم أهل التحقيق والنظر والاستدلال والإيقان.
وظاهر ٌ أيضا في مسالك المتصوفة والمتنسكة إذ سموا ما ابتدعوه: حقيقة ويقينا وسموا أنفسهم أهل الحقيقة وغيرهم أهل الشريعة، وفي مسالك المتملكة والمتأمرة إذ سموا طريقتهم بالسياسة الحسنة البديعة، ولو كانت في مخالفة الشريعة، ولهذا فإنك تجد أصناف المبتدعة يبتعدون عن الشرع، ويعتمدون على قواعدهم وأصولهم الضالة تاركين كتاب الله وسنة رسوله خلفهم ظهريا، وإن اعتمدوا على شيء منها فإنما هو للاستئناس ولتعضيد ما أصلوه، مع أن كل دليل عقلي يحتج به المبتدع فيه دليلٌ على بطلان قوله.
٦ - التقليد واعتقاد العصمة في الأئمة المجتهدين، أو إعطاء الشيوخ قداسة تقارب منازل الأنبياء.
٧ - اتباع العوائد والمشايخ:
ويظهر هذا في بدع التشيع والتصوف بصورة جلية، مع أنه لا تكاد طائفة من طوائف المبتدعة تخلو من ذلك
فعند الشيعة الإمامية: اعتقاد العصمة في أئمتهم، وكذلك عند الإسماعيلية وسائر فرق الباطنية.
وعند الصوفية اعتقاد الولاية لفلان، وأنه أعظم من الأنبياء أو مساوٍ لهم إلا أنه لا يوحى إليه، ولا يحق للمريد أن يعترض أو يرفض أمر الشيخ، فإن ذلك نقص في الاتباع حتى قالوا: ليكن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وحتى عند أصحاب البدع الكلامية الذين يزعمون أن طريقتهم في الاعتقاد برهانية يقينية، يجعلون كلام أساتذتهم وقواعدهم الفلسفية من المسلمات التي لا يصح الاعتراض عليها، فضلًا عن نقضها، ولهذا فإنك تجد المعتزلي يقرر قاعدة بدعية ويستدل عليها بقوله - مثلا - وقد تقرر برهان هذه القاعدة في مسألة الحسن والقبح، وكذلك يفعل الأشعري، وعندما تعود إلى قاعدتهم تجدها من بدع مشايخهم أهل الكلام
وأما اتباع العوائد فيظهر مثالها في الأيام المخصصة بنوع ٍ من العبادات المبتدعة، فيحتج المبتدع بأن هذا الفعل اعتاده الناس منذ كذا وكذا، وجرى العمل به في الأقطار، وتلقاه الناس جيلا فجيلا، وأمثال ذلك من الحجج الواهية.
٨ - اتخاذ الناس رؤوسًا جهالًا يقومون بالفتوى والتعليم ويقولون في دين الله بغير علم حيث تكثر الاستحسانات التي قوامها ميل الأهواء والاَراء، قال ﷺ: "إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعًا من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم
[ ١٧١ ]
يُبْقِ عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"، وهذا من أشراط الساعة قال ﷺ: "إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر" قال ابن المبارك ﵀: "الأصاغر: أهل البدع".
٩ - عادات وخرافات لا يدل عليها شرع ولا يقرها عقل، مثل المآَتم وبدعة الزار قال الشاعر:
ثلاثة تشقى بهن الدار العرس والمآتم ثم الزار
١٠ - حكاية إجماعات لم تقع، وجعلها أصولا يعتمد عليها، وعدم قبول الحق إلا من طائفتهم:
أما حكاية الإجماعات فمثل حكاية الرازي أن المعتبرين أجمعوا على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه.
مع أن المنقول عن الأنبياء والصحابة والتابعين مناقض لهذه الدعوى.
ومثل ذلك ما نقله أبو المعالي الجويني من اتفاق المسلمين على أن الأجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادا، فكل جزء لا يتجزأ وليس له طرف واحد ومقصده بذلك نفي الصفات عن الله سبحانه؛ لأن الصفات - في زعمه - لا تكون إلا في جسم مبعض، مع أن قوله هذا لم يقله سوى طائفة من أهل الكلام، ولم يقله بقيتهم، ولم يقله أحد من السلف مطلقا.
ومثل ذلك قول النبهاني: إن جمهور الأمة على تنزيه الله سبحانه عن جميع الجهات وجميع الأمكنة والأزمنة والعلويات والنقليات ..
أما عدم قبول الحق إلا من طائفتهم، فهذا من ديدن أصحاب الابتداع ولأجل ذلك تراهم يعتمدون على أقوال أصحابهم ومشايخهم، أكثر من اعتمادهم على النصوص الشرعية، ويزعمون فوق ذلك أنهم أصحاب الحق وحدهم، وأن من عداهم فهم أصحاب الضلال، ويدعون أنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية دون من سواهم، وأنهم هم أهل السنة والجماعة، وأن غيرهم أهل البدعة.
وعدم قبول الحق إلا من الطائفة التي يهواها الإنسان ويحبها وينتمي إليها، سبب للابتداع وترك الإتباع، وسبب للضلال ورد الحق، وقد وصف الله اليهود بهذا الوصف، ولعنهم لأجل تلبسهم به، فقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
قال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الآية: (فوصف اليهود: أهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والدعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة لم يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها إلى أن قال - وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي ﷺ، فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم ).
فهذا هو حال أهل الابتداع، وهذه أظهر الأسباب التي حملتهم على الوقوع في البدع، ولا يخلو مبتدع من سبب من هذه الأسباب إن لم تكن كلها أو معظمها فيه، فهو يتبع دينا مبدلا أو منسوخا.