حقيقة وبعد أن وصلت إلى هذه النقطة في موضوع البدعة وأرجو من الله أن أكون قد وفقت في بيان حقيقة البدعة الشرعية والرد على شبهات محسنى البدع بقيت بعض الأمور العامة المتعلقة بهذه الخاتمة، وأرى أن تتبعها يطول وقد رأيت الشيخ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي - حفظه الله - في رسالته العلمية (الدكتوراه) والتي تحمل عنوان: "موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع" قد ذكر في خاتمتها قضايا كثيرة متعلقة بالمواضيع التي كنت أنوى طرح بعضها في خاتمة رسالتي، فقلت أذكر خلاصة رسالته عسى الله أن ينفع بها، وكما يقال: ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه.
قال - حفظه الله -: " وفي خاتمة هذا البحث أقيد أهم تلك النتائج المتحصلة من هذا البحث- على ما جرى عليه العمل في البحوث المعاصرة وتؤصله قواعد البحث الحديث-
وها هو ذا عرض موجز بذلك:
ا- التعريف بأهل السنة وأنهم (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وما اتفق عليه الصحابة، والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا، ولم يخالفوا في شيء من أصول الدين، ويدخل فيهم عوام المسلمين المقتدون بهم).
٢ - بيان أن أهل السنة ليس لهم لقب يعرفون به إلا الإسلام وما دل عليه وأن ما اشتهر عنهم من أسماء (كأهل السنة والجماعة- والفرقة الناجية والطائفة المنصورة- والسلفيين) مستمدة من الكتاب والسنة.
فبعضها ثابت لهم بالنص من الرسول - ﷺ - والبعض الأخر إنما حصل لهم بفضل تحقيقهم للإسلام تحقيقًا صحيحًا، وهي تخالف تمامًا أسماء أهل البدع التي هي في الغالب مشتقة من أصل بدعهم، أو ترجع إلى الانتساب إلى الأشخاص الذين هم رؤوسهم في تلك البدع.
_________________
(١) الفتاوى ٢٨/ ٢١٢.
[ ١٨٠ ]
٣ - لا يبدع أحد من أهل السنة ولا يحكم بخروجه من أهل السنة بمجرد خطئه، سواء أكان الاجتهاد في مسالة من مسائل العقيدة والتوحيد، أو في مسائل الحلال والحرام.
٤ - اتفاق أهل السنة على وجوب اتباع الكتاب والسنة، وطريق السلف الأول المشهود لهم بالخير والفضل، وتحريم البدع كلها وأنها كلها ضلال وهلاك، ليس فيها حسن بل هي مذمومة عند أهل العلم من أهل السنة وكذلك أصحابها مذمومون ممقوتون عندهم.
٥ - تعريف البدعة وأنها (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) (١).
٦ - أن للبدع تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة، فمن ذلك، تقسيمها إلى حقيقية وإضافية، وإلى عادية، وتعبدية، وفعلية وتركية، واعتقادية وعملية، وكلية وجزئية، وبسيطة ومركبة، ومكفرة وغير مكفرة.
٧ - تحديد الضوابط الرئيسة المميزة لأهل البدع، وذلك عن طريق تحقيق لفظ:
(أهل الأهواء والبدع) وبيان المراد منه عند الإطلاق، وبيان ما تثبت به الشهادة على الرجل أنه من أهل البدع، وذكر علامات أهل البدع والتي من أهمها: (الفرقة، واتباع الهوى، واتباع المتشابه ومعارضة السنة بالقرآن، وبغض أهل الأثر، وإطلاق الألقاب على أهل السنة بقصد انتقاصهم، وترك انتحال مذهب السلف، وتكفير مخالفيهم بغير دليل).
٨ - التعريف بأصول فرق أهل البدع التي تفرعت عنها بقية الفرق وهي: فرقة الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، والجهمية.
٩ - بيان موقف أهل السنة من تكفير أهل البدع وتفسيقهم، وأنه مبني على أصلين:
الأصل الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر- عند النظر في مسالة التكفير- وموجب للفسق- عند النظر في مسالة التفسيق-.
الأصل الثاني: انطباق الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم فيه شروط التكفير أو التفسيق وتنتفي موانعهما.
١٠ - أن تكفير السلف لبعض فرق أهل البدع كالجهمية، والقدرية المنكرين للعلم وغلاة الرافضة: هو من باب التكفير المطلق الذي لا يلزم منه تكفير كل أفراد تلك الفرق.
_________________
(١) وقد سبقت عدة وقفات مع هذا التعريف وبيان التعريف الراجح بما يغني عن إعادته مرة أخرى.
[ ١٨١ ]
١١ - بيان موقف أهل السنة من لعن أهل البدع: وأن اللعن عندهم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: اللعن المطلق وهو اللعن بالوصف الأعم كاللعن بوصف دلت النصوص على اللعن به، وهي ثلاثة أوصاف: (الكفر، والفسق، والابتداع) أو بوصف اخص كلعن اليهود، والنصارى، والمجوس، وبعض الفرق المنتسبة للإسلام من أهل البدع.
القسم الثاني: اللعن للمعين كقولك العن الله فلانًا .. وتُسَمِّيه).
أما اللعن المطلق: فجائز بمرتبتيه دلت على ذلك النصوص وكلام السلف وأما اللعن
المعين: فحكمه محل اختلاف بين السلف، قسم منعه، وقسم أجازه في حق الكافر دون
الفاسق، وقسم أجازه إن كان المعين مستحقًا للّعن سواء أكان كافرًا أو مسلمًا، بمعنى أن يأتي بفعل ملعون عليه في الشرع وتتحقق فيه شروط اللعن وتنتفي فيه الموانع والقول الثالث هو الراجح والله أعلم.
١٢ - بيان موقف أهل السنة من حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله، وجملة مذهبهم في هذه المسالة: أن عمل المبتدع من حيث قبوله أو ردّه خاضع للضوابط المراعاة في قبول الأعمال عند الله على وجه العموم، فمتى ما تحققت فيه شروط القبول فهو مقبول- إن شاء الله- ومتى ما فقد أحد شروط القبول فهو مردود: فالمبتدع الكافر عمله كله مردود لفقده شرط الإسلام الذي هو شرط قبول كل عمل صالح.
وأما المبتدع غير الكافر، فإما أن يكون عمله بدعة محضًا أو لا، فإن كان عمله بدعة محضا فهو مردود لفقده شرط المتابعة، وكذلك ما فقد من أعماله شرط الإخلاص فإنه مردود أيضًا، وأما إن كان لعمله أصل في الشرع فإما أن تدخل عليه البدعة أو لا، فإن لم تدخل عليه وكان خالصًا لله فهو مقبول.
وإن دخلت عليه فإما أن تفسده- وذلك باخلالها بشروط صحته- أو لا. فإن لم تخل بشروط صحته فهو وإن كان آثمًا على ابتداعه إلا أن عمله مقبول.
وإن أخلت بشروط صحته فهو مردود، والله أعلم.
١٣ - بيان موقف أهل السنة من حكم قبول توبة أهل البدع: وأن توبتهم مقبولة عند الله إن استوفت شروط التوبة، لكنهم لا يوفقون للتوبة ولا تحصل منهم إلا قليلًا لكونهم يرون أن بدعهم من الدين فلا يتوبون منها ما داموا كذلك، بخلاف العصاة، فإنهم يعلمون مخالفتهم للشريعة فتسهل توبتهم من المعاصي وهذا معنى ما روي عن بعض السلف (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها).
[ ١٨٢ ]
١٤ - بيان موقف أهل السنة من الصلاة خلف المبتدع وأن الحكم في هذه المسالة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع، ونوع الصلاة المقامة خلفهم، فإن كان المبتدع كافرًا لا تصح الصلاة خلفه لفساد صلاته في نفسه، لكن إن كان إمام جمعة، ولا يمكن أداؤها إلا خلفه فتؤدى خلفه ثم تعاد، وأما إن كان المبتدع غير كافر، وليس بداعية فتؤدى الصلاة خلفه، وإن أمكن أداؤها خلف العدل فهو أفضل، وإن كان المبتدع غير كافر وهو داعية لبدعته فتؤدى الصلاة خلفه أيضًا إن لم يمكن أداؤها إلا خلفه، وتكره الصلاة خلفه إن أمكن أداؤها خلف إمام عادل.
١٥ - بيان موقف أهل السنة من مناكحة أهل البدع: وأن حكم مناكحة المحكوم بكفرهم من أهل البدع محرم على الإطلاق لكفرهم وارتدادهم عن الدين، فلا يجوز التزوج منهم ولا تزويجهم بإجماع أهل السنة، وأما إن كان المبتدع غير كافر فلا يزوج السنية؛ لأنه غير كف لها لكن يصح تزويجه منها مع الكراهة بموافقة المرأة وأوليائها؛ لأن الكفاءة حق لهما ويجوز لهما إسقاطه، وأما زواج الرجل من أهل السنة بالمرأة المبتدعة التي لم تبلغ ببدعتها حد الكفر فصحيح؛ لأن الكفاءة إنما تشترط في جانب الرجل بأن يكون كفؤًا للمرأة لا العكس، لكن زواجه من المبتدعة هنا مكروه للمفاسد المترتبة على ذلك الزواج.
١٦ - بيان موقف أهل السنة من حكم أكل ذبائح أهل البدع: وأن الحكم في المسالة يختلف بحال المبتدع من حيث كفره ببدعته من عدمه، فإن كان كافرًا فلا تؤكل ذبيحته؛ لدلالة النصوص وأقوال أهل العلم على تحريم ذبائح الكفرة والمشركين من غير أهل الكتاب.
وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فذبيحته حلال للإجماع على حل ذبائح المسلمين، أما كونه مبتدعًا فلا تأثير له على حل ذبيحته ما دام مسلمًا.
١٧ - بيان موقف أهل السنة من عيادة أهل البدع: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا تشرع عيادته إلا إذا غلب على الظن تحقق مصلحة من ورائها كاستجابة المبتدع إلى الدعوة إلى السنة، وتوبته من البدعة، أو تحقق بها أمر مشروع كصلة رحم، أو إحسان إلى جار، وأما إن كان المبتدع لم يبلغ ببدعته حد الكفر وهو مسلم فعيادته جائزة، بل عيادته من جملة حقوقه على المسلمين، غير أنه إن كان داعية لبدعته، فتترك عيادته من باب الهجر والعقوبة له لا لأن عيادته غير جائزة.
[ ١٨٣ ]
١٨ - بيان موقف أهل السُنّة من شهود جنائز أهل البدع: وأن المبتدع إن كان كافرًا ببدعته فلا تجوز الصلاة عليه لعموم النهي عن الصلاة على الكفار والمنافقين والاستغفار لهم، وان كان المبتدع غير كافر فالصلاة عليه جائزة بل مشروعة، لكن إن كان المبتدع داعية فيشرع ترك الصلاة عليه وذلك مقيد بثلاثة شروط:
أ- أن يقصد بترك الصلاة عليه الزجر والتأديب لغيره عن مثل فعله لا أن الصلاة عليه غير جائزة.
ب- أن يغلب على الظن تحقق تلك المصلحة وهي الانزجار عن مثل فعل الميت وإلا لم يكن ترك الصلاة عليه مشروعًا.
جـ- أن يوجد من المسلمين من يصلّي على ذلك الميت، فإنه لا يجوز أن يجتمع المسلمون على ترك الصلاة على مسلم، وإن كان مبتدعًا بل لابد من الصلاة عليه ودفنه.
١٩ - بيان موقف أهل السنة من توريث أهل البدع وإرثهم: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا يرث أحدًا من المسلمين، ولا يرثه منهم أحد لقول النبي - ﷺ - "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وهذا إن كان المبتدع الكافر مظهرًا للكفر معلنًا له، أما إن كان مستترًا عليه، مظهرًا للإسلام كفعل بعض أهل البدع الذين يخفون معتقداتهم ويلتزمون في الظاهر بعقيدة المسلمين فهؤلاء يحكم لهم بحكم أهل الإسلام، فيرثون أقرباءهم، ويرثهم أقرباؤهم، كما جرى عليه عمل النبي - ﷺ - وأصحابه مع المنافقين، فإنهم كانوا يجرون عليهم أحكام الإسلام في الدنيا من الموارثة وغيرها ما لم يظهروا الكفر والنفاق.
٢٠ - بيان موقف أهل السنة من بغض أهل البدع وإظهار عداوتهم: وأن من أصول أهل السنة بغض أهل البدع ومعاداتهم في الله، لخروجهم عن السنة وابتداعهم في الدين، وأنه ينبغي أن يظهر ذلك البغض وتلك العداوة على الجوارح من التصريح ببغضهم، ومعاملتهم بالغلظة والشدة، وقطع معونتهم والسعي في إبطال مقاصدهم أحيانًا، وغير ذلك من الأساليب المظهرة للبغض والعداوة لهم.
٢١ - بيان موقف أهل السنة من غيبة أهل البدع: وأن غيبة المبتدع إن كانت للتحذير منه جائزة في الشرع، على ما دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم، غير أنها مقيدة بثلاثة شروط:
الأول: الإخلاص فيها.
[ ١٨٤ ]
الثاني: أن يكون المبتدع المحذر منه مجاهرًا بالبدعة معلنًا لها فأما من كان مستترًا فلا تجوز غيبته ولا التشهير به.
الثالث: أن يكون المبتدع المتكلم فيه حيًا غير ميت، فإن كان ميتًا فلا تجوز غيبته، إلا أن يكون له كتب تقرر البدع وأتباع ينشرونها بعده فإنه يحذر منه.
٢٢ - بيان موقف أهل السنة من السلام على أهل البدع: وأن الحكم في المسالة يختلف باختلاف حال المبتدع من حيث كفره من عدمه، فإن كان كافرًا فيحرم ابتداءه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلّم بان يقال له: (وعليكم) حكمه في ذلك حكم الكافر الأصلي، وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فيسن ابتداءه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلم، حكمه في ذلك حكم غيره من المسلمين، لكن يشرع ترك السلام على المبتدع الداعية وترك الرد عليه من باب الزجر والعقوبة، كما ترك النبي - ﷺ - السلام على بعض المخالفين والمحدثين من المسلمين لهذا الغرض.
٢٣ - بيان موقف أهل السنة من حكم مجالسة أهل البدع: وأن هجر أهل البدع وترك مجالستهم من أصول أهل السنة التي استفاض بها النقل عنهم في كتب السنة والاعتقاد واتفق عليها العلماء المقررون لمذهب أهل السنة من لدن عصر الصحابة إلى هذه العصور المتأخرة، ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل السنة، لكن ينبغي أن يعلم أن هجر المبتدع إنما شرع لمقاصد وأغراض شرعية فمتى ما حقق تلك الأغراض فهو مشروع، وإلا لم يكن مشروعًا بل قد يكون التأليف هو المشروع.
٢٤ - بيان موقف أهل السنة من احتقار أهل البدع وإذلالهم وترك تعظيمهم وتوقيرهم وأن احتقار أهل البدع وترك تعظيمهم من أصول أهل السنة التي دلت النصوص وإجماع سلف الأمة على تقريره، وأن من صور تعظيم أهل البدع الواجب تركها والتي حذر العلماء منها: إطلاق الألقاب الحسنة المشعرة بالتعظيم عليهم، وتكنيتهم، والبشاشة في وجوههم وتقديمهم في المجالس، والتلطف معهم، ودعوتهم للطعام، وتهنئتهم واستعمالهم في الوظائف، ومشاورتهم، فيجب الحذر من كل ذلك.
٢٥ - بيان موقف أهل السنة من مجادلة أهل البدع: وأن المجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين- على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية وكلام أهل العلم- مجادلة محمودة وهي: ما كانت لإثبات الحق أو دفع الباطل، أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل من المسائل، ومجادلة مذمومة وهي: ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كانت فيما نهى
[ ١٨٥ ]
الله ورسوله عن المجادلة فيه كالمجادلة في المتشابه، وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس، كإظهار الفطنة والذكاء والعلم، مراءاة للناس، وطلبًا لثنائهم أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة كالعناد والتعصب للرأي، فمتى ما كانت مجادلة أهل البدع من النوع الأول فهي محمودة مأمور بها، ومتى ما كانت من النوع الثاني فهي مذمومة منهي عنها.
٢٦ - بيان موقف أهل السنة من عقوبة أهل البدع بالقتل وبغيره من أنواع التعزير: وبيان مشروعية هذه العقوبات عند أهل السنة، وأن لقتل أهل البدع مقصدين صحيحين:
أحدهما: قتلهم ردة إن صدر منهم ما يوجب كفرهم وثبتت عليهم الحجة بذلك.
والأخر: قتلهم دفعًا لفسادهم وحماية للناس منهم حتى وإن لم يحكم بكفرهم، مراعاة لمصلحة المسلمين العامة. وأما ما دون القتل من العقوبات فهي غير محددة، وإنما ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر في اختيار ما يرونه مناسبا من أنيل العقوبات الملائمة لحال المبتدع، وظروف الزمان والمكان. ولذا تعددت عقوبات السلف لأهل البدع: فمنهم من ضرب وجلد، ومنهم من سجن، ومنهم من غُرّب، ومنهم من حرق كتبهم وهدم بيوتهم إلى غير ذلك من العقوبات المنقولة عن السلف في حق أهل البدع.
٢٧ - بيان موقف أهل السنة من شهادة أهل البدع وأن أهل البدع ينقسمون بالنظر إلى قبول شهادتهم أو ردّها إلى قسمين: قسم مجمع على رد شهادته وهو المبتدع الكافر ببدعته، أومن كان مستحلًا للكذب والشهادة بالزور لموافقيه.
وقسم مختلف في قبول شهادته وردها وهو المبتدع المسلم الذي لم يحكم عليه بكفر ولا يعرف عنه استحلال الكذب، فذهب بعض أهل العلم إلى قبول شهادته مطلقًا، وذهب بعضهم إلى ردها مطلقًا، وذهب أكثر أهل العلم إلى التفريق بين الداعية وغير الداعية فأجازوا شهادة غير الداعية، وردوا شهادة الداعية من باب الزجر والعقوبة. وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى (١).
٢٨ - بيان موقف أهل السنة من رواية المبتدع: وأن المبتدع تُرَدُّ روايته إن كان كافرًا ببدعته على قول الجمهور، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك- وأما من كان
_________________
(١) نعم لا تقبل روايتهم من باب الزجر والعقوبة، وأما لاعتبار أنهم ليسوا من أهل العدالة فهذا مبني على تعريف العدالة المشهور من أنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى والسلامة من خوارم المروءة، وقد سبق في شرح الموقظة بيان أن مدار العدالة على مظنة الصدق، فالأقوى إمكان قبول شهادة المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية، أو من كانت بدعته مكفرة.
[ ١٨٦ ]
مستحلًا للكذب في نصرة مذهبه، فلا خلاف بين أهل العلم في أن روايته مردودة، وأما المبتدع غير الكافر فقد اختلف العلماء في قبول روايته على أربعة أقوال، ذهب بعضهم إلى ردها مطلقًا، وذهب بعضهم إلى قبولها مطلقًا إلا أن يستحل الكذب وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية وترك رواية الداعية، وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية إلا إن روى ما يُقَوِّي بدعته.
والراجح من تلك الأقوال هو القول الثالث وهو قول الجمهور.
٢٩ - بيان موقف أهل السنة من تلقي العلم عن أهل البدع وحكم استخدامهم في التدريس: ونهى السلف عن تلقي العلم عن أهل البدع، وتنصيب أهل البدع مدرسين لأبناء أهل السنة خشية افتتان الدارسين بهم، ولأن ذلك فيه زجرا لهم وعقوبة عن الابتداع.
وهذا في حال السعة، أما عند الضرورة فيجوز استخدامهم في التدريس كان لا يمكن إقامة التعليم إلا بهم، أو ترتب على ترك استخدامهم مفسدة أعظم من مفسدة استخدامهم أو تحقق باستخدامهم مصلحة راجحة على مصلحة ترك استخدامهم.
٣٠ - بيان موقف أهل السنة من استخدام أهل البدع في الجهاد، وأن الحكم في هذه المسالة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع وظروف المسلمين.
فتجوز الاستعانة بهم عند الحاجة إن كانوا حسني الرأي في المسلمين وتكره عند عدم الحاجة، وتحرم الاستعانة بهم مطلقًا إن كانوا معروفين بغش المسلمين وعدم النصح لهم).
وكتبه حامدا ومصليا
أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي
وكان الفراغ منه يوم الجمعة ١٤ من شهر جمادى الأول لعام ١٤٣٣هـ
الموافق ٦ من شهر أبريل لعام ٢٠١٢م
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن يدخر لي أجره يوم ألقاه.
وأرجو من الله أن يكتب له القبول وأن ينفع به المسلمين، أنه ولي ذلك وهو القادر عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ١٨٧ ]