توطئة:
أولًا: هل الترك فعل؟
قال الأشقر: [يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي (٣).
ونُسِب إلى قوم منهم أبو هاشم الجبائي أن الكف انتفاء محضّ (٤)، فليس بفعل (٥).
والأول أولى، كما هم معلوم بالوجدان.
وأيضًا نجد في الكتاب والسنة إشارات إلى أن الكف فعل ] (٦).
قال الشاطبي: [فإذًا قوله في الحد: «طريقة مخترعة تضاهي الشرعية» يشمل البدعة التركية، كما يشمل غيرها؛ لأن الطريقة الشرعية أيضًا تنقسم إلى ترك وغيره. وسواءٌ علينا قلنا: إن الترك فعل أم قلنا: إنه نفي الفعل - الطريقتين
المذكورتين في أصول الفقه] (٧).
_________________
(١) كاعَ، وهو الجَبان. يقال: كَعَّ الرجُلُ عن الشيء يَكِعُّ كَعًَّا فهو كاعٌّ، إذا جَبُن وأحْجَم. (النهاية) وقال ابن المظَفَّر: رجل كَعٌّ كاعٌّ، وهو الذي لا يَمْضِي في عَزْمٍ ولا حَزْمٍ، وهو الناكِصُ على عَقِبَيْه. (لسان العرب)
(٢) نيل الأوطار: ٢/ ٦٩.
(٣) جمع الجوامع وشرحه للمحلى (١/ ٢١٤)، الموافقات (١/ ١٢)، (٤/ ٥٨)، شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٣، ١٤)، أصول السرخسي (١/ ٨٠)، المقصود أنه ليس كترك النائم، بل هو فعل مقصود، وهو من أفعال القلوب؛ لأنه انصراف القلب عن الفعل، وانظر أفعال الرسول للأشقر (٢/ ٤٥).
(٤) الأقرب أنه يقصد أن هذا الترك غير مقصود، وهذا ليس موضوعا للقدرة، ولا يدل على جواز، ولا تحريم، وانظر المرجع السابق نفس الموضع.
(٥) شرح جمع الجوامع للمحلى (١/ ٢١٥).
(٦) أفعال الرسول (١/ ٤٦ - ٤٧).
(٧) الاعتصام: ١/ ٤٥.
[ ٢٦ ]
وذكر الشيخ الدردير أن من موجبات الردة إلقاء مصحف بقذر، ومثل ذلك تركه به، أي عدم رفعه إن وجده؛ لأن الدوام كالابتداء.
قال الشنقيطي عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُورًا﴾: [اعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة «الفرقان» مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلّة تدلّ على أن الكفّ فعل لم أرَ أحدًا عثر عليها.
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُورًا﴾، فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه، انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب «نشر البنود، شرح مراقي السعود»، في الكلام على قوله: فكفّنا بالنهي مطلوب النبيّ. قال مقيّده - عفا اللَّه عنه وغفر له -: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكفّ فعل وتفسيره لها بما يدلّ على ذلك، لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلّت عليه، وهو كون الكفّ فعلًا دلّت عليه آيتان كريمتان من سورة «المائدة»، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية «الفرقان» هذه، فإنه قد بيّنته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة «المائدة». أمّا الأولى منهما، فهي قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاْحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخصّ من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح؛ كما ترى.
وأمّا الآية الثانية، فهي قوله تعالى: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذمّ في قوله: ﴿
[ ٢٧ ]
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، أي: وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وصراحة دلالة هذه الآية أيضًا على ما ذكر واضحة، كما ترى.
وقد دلَّت أحاديث نبويّة على ذلك؛ كقوله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فقد سمّى ﷺ في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلامًا، ومما يدلّ من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة:
لئن قعدنا والنبيّ يعمل لذاك منّا العمل المضلل
فسمّى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملًا مضللًا والصحيح أن الكفّ فعل، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة واللغة؛ كما تقدّم إيضاحه] (١).
ثانيًا: ذكر أقسام وأسباب الترك، والقاعدة التي يسير عليها الباب:
أقسام الترك:
قال الأشقر تحت عنوان: أقسام الترك، ما ملخصه: [الأول: الترك لداعي الجبلة البشرية. وهذا لا يدل في حقنا على تحريم ولا كراهة. ومثاله ترك النبي - ﷺ - أكل لحم الضب، وقال: (إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه).
الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به - ﷺ -، وهو تركه لما حرم عليه خاصة كتركه أكل الصدقة. وقد قال أبو شامة في الأفعال إنه يقتدي بالخصائص النبوية الواجبة، على سبيل الاستحباب.
فقياس قوله هنا أنه ينبغي أن يستفاد لحقنا كراهة ما خُصَّ النبي - ﷺ - بتحريمه، فيكون أكل الصدقة مثلًا مكروهًا لنا.
الثالث: الترك بيانًا أو امتثالًا لمجمل معلوم الحكم، عام لنا وله، فيستفاد حكم الترك من الدليل المبين والممتثل. ومثاله: تركه - ﷺ - الإحلال من العمرة مع صحابته، وقال: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)، ومن الترك الامتثالي تركه - ﷺ - الصلاة على المنافقين لما نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
_________________
(١) أضواء البيان (٦/ ٣١٧: ٣٢٠).
[ ٢٨ ]
الرابع: الترك المجرد، وهو الذي ليس من الأقسام السابقة، وهو نوعان:
الأول: ما علم حكمه في حقه بقوله - ﷺ -، أو باستنباط. والثاني: ما لم يعلم حكمه.
فأما ما علمنا حكمه في حقه بدليل، فينبغي أن يكون حكمنا فيه كحكمه. أخذًا من قاعدة المساواة في الأحكام.
وأما ما لم نعلم حكمه في حقه - ﷺ -، فما ظهر فيه أنه تركه تعبدًا وتقربًا نحمله على الكراهة في حقه، ثم يكون الحكم في حقنا كذلك أخذا من قاعدة المساواة، كتركه ردّ السلام على غير طهارة حتى تيمم (١).
وما لم يظهر فيه ذلك، نحمله على أنه من ترك المباح، كتركه السير في ناحية من الطريق، أو الجلوس في جهة من المسجد.
فعلى ما تقدم ذكره لا فرق بين الفعل والترك في التأسي فيهما، وقد صرح الشوكاني بذلك فقال: " تركه للشيء كفعله له في التأسي به فيه " (٢).
وقال ابن السمعاني: " إذا ترك - ﷺ - شيئًا وجب علينا متابعته فيه " (٣)، ومقصوده بالمتابعة المساواة في حكم الترك، كما تقرر عندنا أن ذلك مراده بهذه العبارة في بحث الأفعال. وليس مقصوده أنه يجب علينا أن نترك ما ترك في جميع الأحوال. فظاهر كلامهم التسوية بين الفعل والترك في مراتب التأسي] (٤).
أسباب الترك:
قال الأشقر: [إن ما تركه - ﷺ - مما كان مظنة أن يفعله كثيرًا ما كان يتركه لسبب قائم لولاه لفعله. وترجع تلك الأسباب إلى أنواع منها:
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) إرشاد الفحول ص/٤٢.
(٣) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٧٠).
(٤) أفعال الرسول للأشقر (٢/ ٥٣: ٥٥).
[ ٢٩ ]
النوع الأول: ترك الفعل المستحب خشية أن يفرض على الأمة ومنه أنه - ﷺ - ترك قيام رمضان جماعة، بعد أن قام به ليلتين أو ثلاثًا. ثم قال لهم: " إنه لم يخْفَ على َّ مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم " (١).
ولذلك لما زالت هذه الخشية بوفاته - ﷺ - وانقطاع الوحي (٢)،أعاد الصحابة – ﵃ – فعلها في المسجد في زمن عمر بن الخطاب– ﵁-.
النوع الثاني: ترك العمل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب. وترك المباح لئلا يظنوا أنه مستحب أو واجب.
وهذا نوع مشابه للنوع الأول وليس منه.
ومنه أنه - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة، استحبابًا، وقد ترك ذلك يوم فتح مكة، فصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد، فقال عمر:"يا رسول الله فعلت اليوم شيئًا لم تكن تفعله"، فقال:"عمدًا فعلته يا عمر " (٣)
ويسن الاقتداء به - ﷺ - في هذا النوع من الترك ممن يقتدى به إذا ظن توهم بعض الحاضرين شيئا من ذلك
النوع الثالث: الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ولو استحبابًا: ومنه ترك الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف ومن هذا النوع عند بعض الفقهاء، ترك النبي - ﷺ - أن يحرم للحج من بيته بالمدينة، حتى أحرم من الميقات. فلا يدل على أن الإحرام من الميقات أفضل، فهو أقل عملًا والراجح أنه إنما ترك الإحرام من المنزل خشية المشقة (٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب (الجمعة) (١٧)، باب (من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد) (٢٧)، (١/ ٣١٣) حديث رقم (٨٨٢)، ومسلم في كتاب (صلاة المسافرين) (٦)، باب (الترغيب في قيام الليل) (٢٥)، (١/ ٥٢٤) حديث رقم (٧٦١) من حديث عائشة – ﵂ -.
(٢) أي وحي التشريع، لا مطلق الوحي؛ لحديث عيسى – ﵇ -: (فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إليه ياعيسى إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم ) الحديث.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب (الطهارة) (٢)، باب (جواز الصلوات كلها بوضوء واحد) (٢٥)، (١/ ٢٣٢) حديث رقم (٢٧٧) من حديث بريدة – ﵁ -.
(٤) فائدة: بيان أن تقصد المشقة ممنوع في الشرع: قال أبو عبد العزيز سعود الزمانان: [الذي يظهر لي أن تقصد المشقة ممنوع لما يأتي: أولًا: لا يجوز للإنسان أن يتقصد المشقة عند أدائه لأي عبادة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: " قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق، كما يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة، التي لم يشرعها الله ورسوله، من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي – ﷺ – حيث قال: " هلك المتنطعون " وقال: " لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم " مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجب أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن يقوم قائمًا ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم، فقال النبي – ﷺ -: " مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه " ثم قال – ﵀ – في مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٢٢ - ٦٢٣ (: " فأما كونه مشقًا فليس سببًا لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقًّا ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة فكثيرًا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة، وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوبًا مقربًا إلى الله، لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا، وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم ". ثانيًا: النيات في العبادات معتبرة في الشرع، فلا يصلح منها إلا ما وافق الشرع، قال الإمام الشاطبي – ﵀ – في الموافقات ٢/ ٢٢٢: " إذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد إلى المشقة باطل، فهو إذًا من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض " وقال أيضا الموافقات ٢/ ٢٢٩: " ونهيه عن التشديد – أي النبي ﵊ – شهير في الشريعة، بحيث صار أصلًا قطعيًا، فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس، كان قصد المكلف إليه مضادًا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به، فإذا خالف قصده قصد الشارع بطل ولم يصح، هذا واضح وبالله التوفيق " ثالثًا: باستقراء الأدلة الشرعية فإن الشارع لم يقصد إلى التكاليف بالمشاق والإعنات، لقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقوله – ﷺ -: " بعثت بالحنيفية السمحة "، " وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا " رابعًا: لو قصد الشارع التكاليف بالمشقة لما حصل الترخيص، فالرخص الشرعية أمر مقطوع به، ومعلوم من الدين بالضرورة، وهي لرفع الحرج والمشقة الواقعة على المكلفين، كرخص القصر، والفطر والجمع بين الصلاتين. خامسًا: ثبت في شريعتنا ما يمنع من التكلف والتنطع في دين الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وقوله – ﷺ -: " اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملّ حتى تملوا " سادسًا: نقل الإمام الشاطبي في الموافقات ٢/ ٢١٢ الإجماع على عدم وجود التكليف بالمشاق غير المعتادة في الشريعة. سابعًا: لو قصدت المشقة في كل مرة وداوم عليها المكلف، لوجدت مشقة غير معتادة وحرج كبير، ممّا يفضي إلى ترك العبادة بالكلية والانقطاع عنها، وهذا النوع لم تأت به الشريعة الإسلامية، فشرع الله جل وعلا لنا الرفق والأخذ من الأعمال بما لا يحصِّل مللًا، ونبّه النبي – ﷺ – على ذلك فقال: " القصد القصد تبلغوا " لذلك نهى النبي – ﷺ – عن التنطع وقال: " هلك المتنطعون " أما استدلالهم بحديث: " بني سلمة دياركم تكتب آثاركم " فالجواب عليه من وجهين: الوجه الأول: قال الإمام الشاطبي في الموافقات ٢/ ٢٢٥: " إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، والظنيات لا تعارض القطعيات، فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات ". الوجه الثاني: الحديث لا دليل فيه على قصد نفس المشقة، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ما يفسره فإنه – ﷺ –: " كره أن تُعرّى المدينة قِبَل ذلك، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها ". قلت: فلا حجة لمن تعلق ببعض النصوص واستدل بها على تقصد المشقة في العبادات، وخير الهدي هدي محمد – ﷺ – فمن زاغ عن هذا المنهج يخشى عليه في دينه، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والفتنة كما قال العلماء هي الشرك، نسأل الله أن يحيينا على سنة نبيه وأن يميتنا عليها إنه ولي ذلك والقادر عليه].
[ ٣٠ ]
النوع الرابع: ترك المطلوب خشية من حصول مفسدة أعظم من بقائه، وهذا من السياسة الشرعية المقررة، ومثاله ما قاله - ﷺ - لعائشة: " يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة
فجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون " (١) ومثال آخر: تركه - ﷺ - قتل المنافقين مع عظم فسادهم، وقولهم كلمة الكفر، وإرجافهم، خشية أن يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه، إذ هم في الظاهر مؤمنون، فيكون صادًّا للناس عن الدخول في الإسلام.
النوع الخامس: الترك على سبيل العقوبة، كترك الصلاة على المَدِين
النوع السادس: الترك لمانع شرعي: ومثاله قصة نومه - ﷺ - ومن معه عن صلاة الفجر، فما استيقظوا إلا بعد طلوع الشمس (٢) ] (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب (العلم) (٢)، باب (من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) (٤٨)، (١/ ٥٩) حديث رقم (١٢٦)، ومسلم في كتاب (الحج) (١٥)، باب (نقض الكعبة وبنائها) (٦٩)، (٢/ ٩٦٨) حديث رقم (١٣٣٣).
(٢) ومع ذلك لم يبادر إلى الصلاة، بل اقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادري وصلوا، فيحتمل أن الترك كان لكون الشمس في أول طلوعها، وذلك مانع من الصلاة، ويحتمل أن يكون لأن الوادي كان به شيطان.
(٣) أفعال الرسول (٢/ ٥٨: ٦١).
[ ٣٢ ]
القاعدة التي يدور عليها الباب وكلام العلماء في تقريرها:
والقاعدة التي يدور عليها الباب أن ما تركه النبي - ﷺ - مع وجود المقتضي له، وانتفاء الموانع، ففعله تدينًا بدعة، وتركه سنة.
والنقل لهذا الترك يكون إما بالتنصيص عليه كأن يقول الصحابي: لم يكن يؤذن ولا يقيم في العيد، ولم يكن يصلي على الراحلة المكتوبة، ونحو ذلك، وإما أن يكون بعدم النقل مطلقًا فيستدل على ذلك بعدم الفعل.
(قال عفانة: [من المعلوم عند الأصوليين أن السنة النبوية هي: ما ثبت عن الرسول - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير.
وأفعال الرسول - ﷺ - جزء من السنة النبوية باعتبارها مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي وأفعال الرسول - ﷺ - على أقسام:
منها الأفعال الجبلية التي صدرت عن الرسول ﵊ بمقتضى خلقته وجبلته وطبيعته كلباسه وقعوده ونومه فهذه وأمثالها لا يجب على الأمة إتباعها.
ومن الأفعال ما كان خاصًا به - ﷺ - كزواجه أكثر من أربعٍ من النساء فهذه لا تشاركه فيها الأمة بالاتفاق.
ومن الأفعال التي صدرت عنه ما كان بيانًا لمجمل كبيانه للصلاة والصيام والزكاة فهذا بالاتفاق بين أهل العلم يكون البيان تابعًا للمُبَين في الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة.
والأفعال التي صدرت عن الرسول - ﷺ - وعلمت صفة الفعل فجمهور العلماء على الإقتداء به على تلك الصفة فإن كان الفعل واجبًا فالإقتداء به واجب وإن كان مندوبًا فالإقتداء به مندوب وإن كان مباحًا فالإقتداء به مباحٌ.
وأما الأفعال التي صدرت عن الرسول - ﷺ - وجهلت صفة حكمها أواجبة هي أو مندوبة أو مباحة فهي محل خلاف عند الأصوليين (١).
وهناك أفعال تركها الرسول - ﷺ - ولم يفعلها وهذه على نوعين:
_________________
(١) أصول السرخسي ٢/ ٨٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٠، حاشية التفتازاني على شرح العضد ٢/ ٢٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، شرح الكوكب المنير ٢/ ١٧٨.
[ ٣٣ ]
الأول: أفعال تركها الرسول - ﷺ - لعدم توفر الدواعي لفعلها كجمع المصحف وتضمين الصناع ونحوها قال الشاطبي: [أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله - ﷺ - فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله - ﷺ - ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل] (١).
والثاني: أفعال تركها الرسول - ﷺ - مع توفر الدواعي لفعلها ومع ذلك لم يفعلها فدل على أن المشروع فيها هو الترك لا الفعل كترك الأذان للعيدين وتركه صلاة ليلة النصف من شعبان وتركه التلفظ بالنية وتركه أن يقول للمأمومين قبل بدء الصلاة استحضروا النية وغير ذلك.
قال الشوكاني: [تركه - ﷺ - للشيء كفعله له في التأسي به فيه] (٢).
وقال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول - ﷺ - شيئًا وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه - ﷺ - لما ُقدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله وهكذا تركه - ﷺ - لصلاة الليل جماعة خشية أن تكتب على الأمة] (٣).
وقال الشاطبي ما ملخصه: [إن سكوت الشارع عن الحكم الخاص أو تركه أمرًا وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي موجود ولم يحدد فيه الشارع أمرًا زائدًا على ما كان من الدين فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعًا لأنه لما كان الموجب لشريعة الحكم موجود ثم لم يشرع كان صريحًا في أن
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٤٠٩.
(٢) إرشاد الفحول ص ٤٢.
(٣) قواطع الأدلة (١/ ٣١١).
[ ٣٤ ]
الزائد على ما ثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حدّ هنالك بلا زيادة ولا نقصان منه] (١).
قال الشيخ الألباني: [ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله بقوله ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله فهي مخالفة لسنته، لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فما تركه - ﷺ - من تلك العبادات فمن السنة تركها، ألا ترى مثلًا أن الأذان للعيدين ودفن الميت مع كونه ذكرًا وتعظيمًا لله ﷿ لم يجز التقرب به إلى الله ﷿، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول الله - ﷺ - وقد فهم هذا المعنى أصحابه - ﷺ - فكثر عنه التحذير من البدع تحذيرًا عامًا كما هو مذكور في موضعه حتى قال حذيفة بن اليمان - ﵁ -: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها) وقال ابن مسعود - ﵁ -: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق)] (٢).
وقال العلامة القسطلاني: [وتركه - ﷺ - سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله] (٣).
وقال ابن النجار الحنبلي: [التأسي برسول الله - ﷺ - فعلك كما فعل لأجل أنه فعل وأما التأسي في الترك فهو أن تترك ما ترك لأجل أنه ترك] (٤).
وقال العلامة ابن القيم: [فصل نقل الصحابة ما تركه - ﷺ - وأما نقلهم لتركه - ﷺ - فهو نوعان وكلاهما سنة. أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. وقوله في صلاة العيد: لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء. وقوله في جمعه بين الصلاتين: ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد
_________________
(١) الاعتصام ١/ ٣٦١.
(٢) حجة النبي - ﷺ - ص ١٠٠ - ١٠١.
(٣) الإبداع ص ٣٦.
(٤) شرح الكوكب المنير ٢/ ١٩٦.
[ ٣٥ ]
منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبدًا علم أنه لم
يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة أو تركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من الركوع الثانية، وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت. يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يومًا واحدًا وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف.
ومن هاهنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه - ﷺ - سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق.
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟
فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟
واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه. ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن
إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل؟] (١).
وقال الشاطبي: [والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى
_________________
(١) إعلام الموقعين ٢/ ٣٨٩ - ٣٩١.
[ ٣٦ ]
الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه] (١).
وقال الشاطبي أيضًا: [وتقرير السؤال أن يقال في البدع مثلًا إنها فعل ما سكت الشارع عن فعله أو ترك ما أذن في فعله، أو تقول: فعل ما سكت الشارع عن الأذن فيه أو ترك ما أذن في فعله أو أمر خارج عن ذلك. فالأول كسجود الشكر عند مالك حيث لم يكن ثم دليل على فعله والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات والاجتماع للدعاء بعد العصر يوم عرفه في غير عرفات والثاني كالصيام مع ترك الكلام ومجاهدة النفس بترك مأكولات معينة والثالث كإيجاب شهرين متتابعين في الظهار لواجد الرقبة. وهذا الثالث مخالف للنص الشرعي فلا يصح بحال فكونه بدعة قبيحة بيّن.
وأما الضربان الأولان وهما في الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو تركه فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع أو أنهما مما يخالف المشروع؟ وهما لم يتواردا مع المشروع على محل واحد بل هما في المعنى كالمصالح المرسلة والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد الشارع ولا لوضع الأعمال أما القصد فمسلم بالفرض وأما الفعل فلم يشرع الشارع فعلًا نوقض بهذا العمل المحدث ولا تركًا لشيء فعله هذا المحدث كترك الصلاة وشرب الخمر بل حقيقته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع والمسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة ولا يفهم للشارع قصدًا معينًا دون ضده وخلافه فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه إعمالًا للمصالح المرسلة وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالًا للمصالح أيضًا وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالًا للمصالح المرسلة أيضًا.
فالحاصل أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة في المعنى فما وجه ذم هذه ومدح هذه؟ ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص.
وتقرير الجواب ما ذكره مالك وأن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا - إذا وجد المعنى المقتضي للفعل أو الترك إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان. وهو غاية في هذا المعنى قال ابن رشد: الوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين - يعني سجود الشكر - لا فرضًا ولا نفلًا إذ لم يأمر بذلك النبي - ﷺ - ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه قال: واستدلاله على أن رسول الله - ﷺ - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل، صحيح إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ، قال: وهذا أصل من الأصول وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها ودل على أن وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودًا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل (٢).
ومن أوضح الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا القسم وهو ما تركه النبي - ﷺ - مع قيام المقتضى له الأذان للعيدين فينبغي تركه وإن كان فيه مصلحة ظاهرة وهي دعوة الناس للصلاة وإعلامهم بها فهو غير مشروع ما دام أن النبي - ﷺ - قد تركه رغم دخوله تحت بعض العمومات كما وضحه شيخ الإسلام بقوله: [الأذان في العيدين فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعه دليلًا على كراهته وإلا لقيل هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع بل يقال: ترك رسول الله - ﷺ - له مع وجود ما يعتقد مقتضيًا وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة.
فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٤١٠.
(٢) الموافقات ٢/ ٤١١ - ٤١٤.
[ ٣٧ ]
وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلًا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له: كل بدعة ضلالة ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيًا خاصًا عنها أو أن نعلم ما فيها من المفسدة.
فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضى له وزوال المانع لو كان خيرًا، فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله - ﷺ - ومع هذا لم يفعله رسول الله - ﷺ - فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس.
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدعة بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على عهد رسول الله - ﷺ - لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم فيقال له: سبب هذا تفريطك فإن النبي - ﷺ - كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله ﷿ إلا عن عملك لا عن عملهم. وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة) (١).
إن الجهل بهذا الأصل المهم أوقع كثيرًا من الناس في البدع فانظر إلى البدع التي يفعلها الناس اليوم ترى أن النبي - ﷺ - قد تركها مع أن الدواعي لفعلها كانت موجودة على عهد النبي - ﷺ - فانظر إلى تلفظ كثير من المصلين بالنية فتسمع الواحد منهم يقول بصوت مرتفع: نويت أن أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر مقتديًا الخ ولم يؤثر مثل ذلك عن الرسول - ﷺ - ولا علمه لأحد من أصحابه كما في حديث المسيء صلاته حيث قال له النبي - ﷺ - إذا قمت إلى الصلاة فكبر .. الخ رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح. ولم يقل قل نويت أن أصلي كذا وكذا فلو
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٩ - ٢٨١.
[ ٣٨ ]
كان ذلك مشروعًا لعلمه النبي - ﷺ - لذلك الرجل فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم عند الأصوليين.
وكذلك قراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت تركه رسول الله - ﷺ - مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة على الميت وعدم المانع منه فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة.
وكيف يعقل أن يترك الرسول - ﷺ - شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة؟ وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول - ﷺ - طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة؟
وكذلك الاحتفال بمولده - ﷺ - تركه ولم يفعله وكذا تركه الصحابة الأجلاء مع توفر الدواعي لفعله فإن يوم ميلاده كان يتكرر كل عام ومع ذلك لم يحتفل رسول الله - ﷺ - بمولده ولا أمر أحدًا من الصحابة بالاحتفال بذكرى مولده كما أمرهم بالصلاة والسلام عليه كما هو معروف فدل تركه ذلك على أن الاحتفال بمولده غير مشروع. إذ لو كان الاحتفال بالمولد مشروعًا لبينه رسول الله - ﷺ - ولفعله.
ولو كان الاحتفال بمولده - ﷺ - مشروعًا لسبقنا إليه الصحابة ﵃ فوالله لقد كانوا أشد حبًا لرسول الله - ﷺ - وأكثر أدبًا مع رسول الله - ﷺ - من المسلمين الذين يحتفلون بالمولد. ثم إن بدعة الاحتفال بالمولد حدثت بعد مئات السنين على الإسلام فأين كان المسلمون طوال هذه السنوات الطويلة؟ فقد قيل إن أول من احتفل بالمولد هو صاحب إربل الملك العظيم مظفر الدين كوكبرى الذي توفي سنة ٦٣٠ هجري.
والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (١).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ١٨٧، صحيح مسلم مع شرح النووي ٦/ ٦٨.
(٢) فضل علم السلف على الخلف ص ٣١ نقلًا عن البدعة وأثرها السيئ ص ١٨.
[ ٤٠ ]
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله - ﷺ - وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة - ﵁ - أي لا تتقربوا بها إلى الله ﷿ ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت
عبادة لجاء بها رسول الله - ﷺ - (١).] (٢)
وقال محمد أحمد العدوي: [اعلم أن سنة النبي - ﷺ - كما تكون بالفعل تكون بالترك وكما لا نتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل لا نتقرب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل، ولا فرق بينهما وقال صاحب كتاب: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ما نصه: قال صاحب (مجالس الأبرار) أي منلا أحمد رومي الحنفي ما ملخصه: لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة، أو لعدم مشروعية، والأولأن منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي - ﷺ - عدم التنبه والتكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة وقال الأستاذ الشيخ بخيت الحنفي مفتي الديار المصرية في كتابه (أحسن الكلام) ما نصه: وأما رفع صوت المشيعين للجنازة بنحو قرآن أو ذكر، أو قصيدة بردة، أو يمانية فهو مكروه، لاسيما على الوجه الذي يفعل في هذا الزمان، ولم يكن شئ منه موجودًا في زمن النبي - ﷺ -، ولا في زمن الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح، بل هو مما تركه النبي - ﷺ - مع قيام المقتضى لفعله فيكون تركه سنة، وفعله بدعة مذمومة شرعًا كما هو الحكم في كل ما تركه النبي - ﷺ - مع قيام المقتضى لفعله. أهـ ثم قال العدوي: قاعدة تقسيم السنة إلى سنة فعلية، وسنة تركية هي الأساس الأول للكلام على السنة والبدعة، والغلط الحاصل فيها سببه الغفلة عن هذه القاعدة، وقد أريناك من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي - ﷺ - مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة، وفعله بدعة مذمومة ] (٣).
(وأما قول الشاطبي: [وفي الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه. وهو أن البدعة من حيث قيل فيها: إنها طريقة في الدين مخترعة –إلى آخره - يدخل في عموم لفظها البدعة التَّرْكيَّة، كما يدخل فيه البدعة غير التركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل -مثلًا- قد يكون حلالًا بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه، أو يقصد تركه قصدًا.
فهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعًا أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالذي يحرم نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض فإن الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي، فالترك مباح
وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين (٤)، وكتارك المتشابه، حذرًا من الوقوع في الحرام واستبراءً للدين والعرض.
وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تدينًا أو لا، فإن لم يكن تدينًا فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل في العادات. وأما على الطريقة الأولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصيًا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله.
وأما إن كان الترك تدينًا فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع
_________________
(١) انظر فتاوى الألباني ص ١٨٨.
(٢) البدعة لحسام عفانة: ص ٦٢: ٧٣.
(٣) انظر أصول في البدع: ص/ ٤٩: ٥٩.
(٤) قال مصطفى بن محمد في تيسير العلام: هذا صحيح لأن على المسلم أن يستبرأ لدينه، ويسد الذرائع الموصلة إلى المحرم، أما حديث " لا يبلغ العبد أن يكون في المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس" فهو ضعيف رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجة (٤٢١٥)، والبيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير من حديث عطية السعدي، وضعفه الألباني في السنن، والجامع/٦٣٢٠.
[ ٤١ ]
التحليل وفي مثله نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) فنهى أولًا عن تحريم الحلال. ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداءٌ لا يحبه الله. وسيأتي للآية تقرير إن شاء الله.
لأن بعض الصحابة هَمَّ أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هَمَّ بالاختصاء، مبالغة في ترك شأن النساء، وفي أمثال ذلك قال النبي - ﷺ -: (من رغب عن سنتي فليس منى) (٢).
فإذًا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي - ﷺ -، والعامل بغير السنة تدينا، هو المبتدع بعينه.
فإن قيل: فتارك المطلوبات الشرعية ندبًا أو وجوبًا، هل يسمى مبتدعًا أم لا؟
فالجواب: أن التارك للمطلوبات على ضربين:
أحدهما: أن يتركها لغير التدين إما كسلًا أو تضييعًا أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية. فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان الترك جزئيًا، وإن كان كليًا فمعصية حسبما تبين في الأصول.
والثاني: أن يتركها تدينًا فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله، ومثاله أهل الإباحة القائلين بإسقاط التكاليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حدوه.
فإذًا قوله في الحد: "طريقة مخترعة تضاهى الشرعية" يشمل البدع التركية، كما يشمل غيرها، لأن الطريقة الشرعية أيضًا تنقسم إلى ترك وغيره.
وسواء علينا قلنا: إن الترك فعل، أم قلنا: إنه نفي الفعل، على الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه ] (٣).
_________________
(١) المائدة: ٨٧.
(٢) متفق عليه من حديث أنس مطولًا به.
(٣) الاعتصام (١/ ٤٢: ٤٥).
[ ٤٢ ]