قال الشنقيطي - ﵀ - في "المذكرة" (ص:٢٠١): (الوصف من حيث هو إما أن يكون في إناطة الحكم به مصلحة أو لا، فان لم تكن في إناطة الحكم به مصلحة فهو الوصف الطردي كالطول والقصر بالنسبة إلى جميع الأحكام وكالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، والطردي لا يعلل به حكم، وان كان في إناطة الحكم به مصلحة فهو المسمى بالوصف المناسب وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة كالإسكار فانه وصف مناسب لتحريم الخمر لتضمنه مصلحة حفظ العقل. وقد نص الشرع على اعتبار هذه المصلحة فحرم
الخمر لأجلها. وهذا هو المؤثر والملائم.
الثاني: أن يلغي الشرع تلك المصلحة ولا ينظر إليها كما لو ظاهر الملك من امرأته، فالمصلحة في تكفيره بالصوم لأنه هو الذي يردعه لخفة العتق ونحوه عليه لكن الشرع ألغى هذه المصلحة، وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف المكفر بكونه فقيرًا أو ملكًا وهذا الوصف يسمى الغريب عند جماعة أهل الأصول.
[ ١١٩ ]
الثالث: أن لا يشهد الشرع لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص، ولا لإلغائها بدليل خاص (١)، وهذا بعينه هو الاستصلاح، ويسمى المرسل، والمصلحة المرسلة، والمصالح
المرسلة، وسمي مصلحة لاشتماله على المصلحة وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتباره ولا على إلغائها.
واعلم أن المصالح من حيث هي ثلاث أقسام:
الأول: مصلحة درء المفاسد، وهي المعرفة بالضروريات وهي ستة لأن درء المفسدة إما عن الدين، أو النفس، أو العقل، أو النسب، أو المال، أو العرض، ومن فروع درء المفاسد نصب الأئمة ووجوب قتل المرتد، وعقوبة المضل صيانة للدين، وتحريم القتل ووجوب القصاص فيه صيانة للأنفس، وتحريم الخمر ووجوب الجلد فيها صيانة للعقول، وتحريم الزنا ووجوب الحد فيه صيانة للنسب، وتحريم السرقة ووجوب القطع فيها صيانة للمال، وتحريم القذف ووجوب الحد فيه صيانة للأغراض.
الثاني: التحسينات: وتسمى التتميمات وهي الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ومن فروعها خصال الفطرة كإعفاء اللحى وقص الشارب، ومنها تحري المستقذرات ووجوب الإنفاق على الأقارب الفقراء كالآباء والأبناء
_________________
(١) قال الشاطبي في "الاعتصام" (٢/ ٦٠٧): (إن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، ولا كونه قياسا بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول). وقال الشيخ علي محفوظ في "الإبداع" (ص/٨٣): (كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين، إذا لم يجدوا نصا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فزعزا إلى ما سموه رأيا واجتهادا، وهو الحكم في الحادثة بناء على القواعد الكلية والأدلة العامة في الدين كقوله صلوات الله وسلامه عليه: (لا ضرر ولا ضرار) وقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ولم يكونوا يهتمون بأصل معين يقيسون على محله الحادثة التي يفتون فيها، أو يقضون بها بين الناس، كما قضى عمر ﵁ على محمد بن مسلمة بأن يمر خليج جاره في أرضه؛ لأنه ينفع جاره ولا يضر محمدا، فهذا قضاه بأصل عام وهو إباحة النافع وحظر الضار، ولم يقله قياسا على أصل معين، وهذا ما يسمى في عرف الفقهاء بالمصالح المرسلة، وقاعدتها أن يناط الأمر لاعتبار مناسب لم يدل الشرع على اعتباره ولا إلغائه إلا أنه ملائم لتصرفات الشرع بأن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين ).
[ ١٢٠ ]
والحق أن أهل المذاهب كلهم يعملون بالمصلحة المرسلة وإن قرروا في أصولهم أنها غير حجة كما أوضحه القرافي في التنقيح ).
وعرف البوطي في رسالته "ضوابط المصلحة" (ص/٣٣٠) المصالح المرسلة بقوله: (كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء).