فأما الفن الثالث: فمضمونه تفصيل القول في وجه انعقاد الإجماع.
٦٤٤- والكلام في ذلك تفصله مسائل خلافية وفي أدراجها فصول مذهبية.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ونرسم المسائل أولا ونذكر ما فيها ونجرى في أثنائها ما يتعلق بحكاية المذاهب ثم إذا نجز الفن ختمناه بضابط يسهل التناول ويبين صور الخلاف والوفاق.
مسألة:
٦٤٥- إذا قال واحد في شهود علماء العصر فكان ذلك القول موافقا لبعض مذاهب العلماء في محل الاجتهاد ومسلك الظن فسكت العلماء عليه ولم يبدوا نكيرا على القائل فهو يكون تركهم النكير تقريرا نازلا منزلة إبداء الموافقة قولا.
اختلف الأصوليون في ذلك فظاهر مذهب الشافعي وهو الذي يميل إليه كلام القاضي أن ذلك لا يكون إجماعا.
والذي مال إليه أصحاب أبي حنيفة أنه إجماع وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق فنذكر ما تمسك به أصحاب أبي حنيفة ونتتبعه ثم نذكر المختار عندنا.
فإن قالوا: أهل الإجماع معصومون عن الزلل والعصمة واجبة لهم كما تجب للبني ثم إذا رأى [النبي] مكلفا يقول قولا متعلقا بأحكام الشرع فسكت عنه ولم ينهه كان ذلك تقريرا منه نازلا منزلة التصريح بالتصديق وإبداء الوفاق.
وهذا الذي ذكروه لا حاصل له فإنه أولا محاولة إثبات الإجماع بطريق القياس وهذا ما لا سبيل إليه فإن الأقيسة المظنونة لا مساغ لها في القطعيات وغاية هذا الكلام تشبيه صورة بصورة وقياس حالة من قوم على حالة من الشارع ﵇.
والذي يوضح فساد هذا المسلك: أنه لا يمتنع في مقتضى العقل ورود التعبد باعتقاد تقرير رسول الله ﷺ شرعا مع التعبد بالعلم بأن سكوت العلماء لا ينزل منزلة تصريحهم بالقول فإذا لم يكن هذا ممتنعا في حكم العقل ولم يقم دليل قاطع سمعي على تنزيل سكوت العلماء منزلة سكوت الشارع ﵇ فقد فسد هذا الاعتبار وال حاصلة إلى محاولة إثبات مقطوع به بمسلك هو في مجرى مظنون ثم لا عذر للشارع في السكوت على الباطل فإن الحق عتيد عنده وإن لم يكن فتلقى وجه الحق من مورد الوحي الذي هو بمر صاده هين عليه فأما أهل الإجماع إذا سكتوا في محل ظن حيث يرون للاجتهاد مساغا ومضطربا فسكوتهم محمول على تسويغ ذلك القول لذلك القائل فلاح الفرق مع الاستغناء عنه فإن القطعي لا ينتظم فيه جمع فيحوج إلى الفرق.
[ ١ / ٢٧٠ ]
٦٤٦- فالمختار إذا مذهب الشافعي فإن من ألفاظه الرشيقة في المسألة لا ينسب إلى ساكت قول ومراده بذلك أن سكوت الساكتين له محملان: أحدهما: موافقة القائل كما يدعيه الخصم والثاني تسويغ ذلك القول الواقع في محل الاجتهاد لذلك القائل وهذا ممكن بطرد العرف غير ملتحق بالنوادر.
والدليل عليه أنا لو فرضنا اجتماع العلماء في مجلس وقام سئل إلى رجل حنفي وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفي بما يوازى مذهب أبي حنيفة فسكت الحاضرون عليه لابتدرت الأوهام إلى حمل سكوتهم على التسويغ في محل الاجتهاد وتمهيد عذر المفتي المعرب عن مذهبه المسوغ وإذا تردد سكوتهم كما ذكرناه والإجماع هو القول الجازم المبتوت فيستحيل ادعاؤه على صفته وشروطه في محل تقابل الاحتمالات.
وهذا يتضح بصورة تناقض صورة الخلاف وهي أن واحدا لو ذكر على رءوس الأشهاد وجمع المفتين قولا خرق به الإجماع وخالف دين الأمة فالمفتون لا يسكتون عليه بل يثورون مبادرين إلى الإنكار عليه وتجهيله وتسفيه عقله وذلك لأن الذي جاد به ليس قولا ينقدح تسويغه لقائل فهذا معنى قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول.
٦٤٧- ونحن نصور هذه المسألة في صورتين ونذكر في كل واحدة منها ما يليق بها حتى يستبين الناظر وجوه مجاري الكلام في نظائرهما من مسائل الشرع.
فنقول: قد يدعى أصحاب أبي حنيفة في بعض المسائل انتشار قول الصحابي في علماء العصر مع سكوتهم وتركهم الإنكار ثم يبنون عليه أن سكوتهم تقرير نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم تقرير نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم بقضاء عثمان ﵁ بتوريث المبتوتة في قصة تماضر زوجة عبد الرحمن بن عوف ﵁ ويتجه في هذه الصورة وأمثالها أسئلة قبل الانتهاء إلى ابداء الخلاف في المسألة.
منها: أنا نقول: ما ادعيتموه من الانتشار في كافة علماء الأمصار فأنتم منازعون فيه وليس كل قضاء يقضي به إمام أو وال من الولاة يشاع ويذاع في كافة العلماء ومن اعتاص عليه حكم من قضايا مطرد العادة في العصور المنقرضة فليصور مثله في عصره فإن الأزمنة وأهلها على التداني في أحكام العادات ونحن نعلم في زمننا أن أقضية القضاة لا تنتشر في كافة العلماء وهذا السؤال إذا حققنا المباحثة فيه لم يجد الخصم.
[ ١ / ٢٧١ ]
عنه مهربا ولم يبق بيده مستمسك يحاول به إثبات غرضه فهذا نوع من السؤال متقدم على الخلاف في المسألة التي نحن فيها.
٦٤٨- والسؤال الثاني أن نقول إن ثبت الانتشار فلعل بعض العلماء أنكر فدعوى سكوتهم لا اعتضاد له بثبت وتحقيق وغاية الخصم فيه أن يقول لو جرى إنكار لاشتهر وعنه جوابان واقعان أحدهما أنه إنما يشتهر كل خطب ذي بال وإنكار واحد من العلماء على قاض من القضاة ليس من الأمور الجسيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها فهذا وجه والوجه الثاني أن نقول لعله اشتهر أولا ثم انصرفت الدواعي عن المواظبة على تذكاره ودرس ما كان متواترا وذلك كثير في العرف وهذه الطلبات لا محيص عنها ولا يتواصل الخصم معها إلى تصوير صورة المسألة من الانتشار وعدم الإنكار على قطع استمرار فإن تأتي له التصوير وهيهات فما قدمناه قاطع من تقابل الاحتمالات في محامل السكون ولا سبيل إلى القطع مع التردد فهذه إحدى الصورتين.
٦٤٩- والصورة الثانية لا يتجه فيها بعض هذه الأسئلة وهي كتعلق أصحاب أبي حنيفة في ترك انتظار بلوغ الأطفال في الاقتصاص بحديث قتل الحسن بن علي ﵄ عبد الرحمن بن ملجم وفي الورثة صبيان فلا سبيل في هذه القصة إلى ابداء مراء في الانتشار فإن الأمر عظيم والخطب جسيم ولكن ينقدح ادعاء نكير من بعض العلماء من غير انتشار الإنكار وسبيل التقرير ما مضى ثم وراء تسليم ذلك الدليل القاطع الذي قدمناه وين١م إلى تحقيقه حكم الأب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس للعلماء إذا جرى قضاء قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه مع نفوذ قضائه فهذا إذا وجه في الاستحثاث على السكوت فهذا منتهى القول في هذه المسألة.
٦٥٠- وبعد ذلك كله غائلة هي خاتمة المسألة وغاية سرها ونحن نبديها في معرض سؤال وجواب فإن قيل إن اتجه في حكم العادة سكوت العلماء على قول مجتهد فيه مظنون في مسألة فاستمرارهم على السكوت زمنا متطاولا يخالف العادة قطعا إذا كان يتكرر تذاكر الواقعة والخوض فيها ومن لم يجعل السكوت إجماعا فإنما يستقيم له مطلوبة في السكوت في الزمان القصير ولهذا السؤال اشترط بعض المحققين في الأصول في الإجماع السكوتي انقراض العصر.
[ ١ / ٢٧٢ ]
٦٥١- وأنا أقول لا يتصور دوام السكوت مع تذاكر الواقعة في حكم العادة قطعا وهذه صورة يحيل العقل وقوعها فإن هؤلاء سيخوضون فيها إما بوفاق أو خلاف لما [يبدون حكمه] وافقوا أو خالفوا فإذا لم يتصور استمرار السكوت حتى يبنى عليه ادعاء القطع ومن عجيب الأمر أن هذا القائل أحال إدامة السكوت من غير قطع ولم يعلم أنهم لو أضمروا القطع لأبدوه ولم يسكتوا إذا تطاول الزمان فرجعت صورة المسألة على الضرورة إلى السكوت في الزمان القصير وفيه الاحتمالات التي قدمناها ولا قطع من الاحتمال وهذا منتهى المسألة تصويرا وتقريرا.
مسألة:
٦٥٢- إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ على قولين واستمروا على الخلاف فالذي صار إليه معظم المحققين أن اختراع قول ثالث خرق [للإجماع] .
وذهب شرذمة من طوائف الأصوليين إلى أن ذلك لا يكون مخالفة الإجماع واستدلوا بأمر تخيلوه على نقيض الصواب فقالوا اختلافهم يناقض الاتفاق ويفيد الناظر أن المسألة في محل الظنون والخلاف متطرق إليها ولهذا لا يتضمن المنع من قول ثالث بل لو قيل: إنه متضمن جواز الخلاف لكان ذلك قريبا وعضدوا هذا بأن قالوا التنصيص على القولين من غير قطع فريق بتخطئة الآخر بمثابة تصريحهم بأن الأمر مظنون وكل ذي ظن على ظنه.
٦٥٣- وهذا الذي ذكروه ساقط فإن الذي انتهض معتمدا للإجماع بعد السبر والمباحثة ما تحصل وتنخل من قولنا إن المجتمعين قد يقطعون بما أجمعوا عليه وقد يسندونه إلى الظن فإن قطعوا فالأمر فيه متلقى من حكم العادة وهي قاضية لا محالة بإسناد المجمعين إلى قاطع فإن أسندوا المحكوم به إلى الظن فمعتمد الإجماع في هذه الصورة قطع العلماء في العصر الماضية بتبكيت من يخالف وليس ذلك أمرا معقولا فيستند القطع بالتبكيت إلى قاطع.
٦٥٤- فإذا تجدد العهد بالمسلك الحق في الصورتين قلنا بعد ذلك إن ذكر علماء العصر قولين وقطعوا بنفي ثالث سواهما ورددوا الظن في القولين فنفيهم الثالث قطع في حصر الحق في القولين فإن فرض من يخترع مذهبا ثالثا فهو مخالف لإجماع مقطوع به وإن لم يصرحوا بنفي ثالث على قطع فتركهم التعرض له وحصرهم التردد في القولين في حكم اتفاقهم على حكم مظنون مع التصريح باستناده.
[ ١ / ٢٧٣ ]
إلى الظن والتبكيت يتطرق إلى من قال قولا ثانيا والعلماء الماضون على خلافه كذلك يتطرق التبكيت إلى من يخترع مذهبا ثالثا لم يصر إليه صائر من المتقدمين وإن كانوا مختلفين.
وما ذكره الخصم تلبيس لا حاصل له فإن الصائرين إلى القولين سوغوا الخلاف منحصرا في القولين وهم قاطعون بنفي ما وراءهما أو ظانون وكلا الوجهين في نفي القول الثالث إجماع فقطعه ملحق بالقطع بالحكم الواحد وظن نفي القول الثالث ملحق بالإجماع على مذهب واحد مع الإسناد إلى الظن.
٦٥٥- فإن رددوا كلاما واستدلوا به شاديا مبتديا فالسبب فيه والوجه في كشفه ما ننبه عليه فنقول.
وقد ذكرنا أن القول الواحد المظنون إذا فرضنا الاتفاق عليه لم يكن الاتفاق عليه وهو مظنون إجماعا على القرب حتى يتمادى الزمن عليه على ما سبق تقريره في مسألة اشتراط انقراض المجمعين فإذا كان ذلك والقول واحد فهو أولى أن يعتبر والعلماء على قولين فإن ترديد القولين نهاية في تطريق الظنون ولو قيل تمادى الزمن المعتبر في هذه الصورة يبر على تماديه في اتحاد القول لكان حقا مبينا فهذا مغزى المسألة.
مسألة:
٦٥٦- إذا اختلف علماء العصر على قولين ثم رجع المتمسكون بأحد القولين إلى القول الآخر وصاروا مطبقين عليه فالذي ذهب إليه معظم الأصوليين أن هذا إجماع وذهب القاضي إلى أن هذا لا يكون إجماعا.
وإذا انقرض العلماء على سجية الاختلاف ثم أجمع علماء العصر الثاني على أحد القولين فالاختلاف في هذه الصورة أظهر.
قال قائلون: هذا ليس بإجماع ولو تعلق متعلق بالقول المضرب عنه لم يكن خارقا للإجماع وميل الشافعي ﵁ [في أثناء ما يجريه] إلى هذا وقال قائلون: هذا إجماع.
وأما القاضي فلا شك أنه لا جعل هذا أجماعا ومن مذهبه أن المختلفين في العصر الأول لو [رجعوا] إلى قول واحد لم يكن ذلك إجماعا فإذا كان هذا غور.
[ ١ / ٢٧٤ ]
مذهبه فكيف الظن به والإجماع من أهل العصر الثاني ثم إنه يستدل على تمهيد قاعدته بنكته واحدة فيقول: إذا اختلف علماء عصر على مذهبين فقد ظهر اختلافهم في التحليل والتحريم مثلا ثم تضم تقرير كل قوم أصحابهم على مذهبهم إجاعا من كافتهم على أن الخلاف سائغ فيحصل في ضمن الخلاف مع التقرير الإجماع على جواز الخلاف فإذا فرض الرجوع إلى قول واحد فهذا غير منكر عملا ووقعا ولكنه مسبوق بالإجماع على تسويغ الخلاف وهذا يجري في العصر الواحد فإذا جرى فيه فلأن يجري في العصرين أولى.
٦٥٧- وأما الذين جعلوا الاتفاق على قول من القولين السابقين إجماعا فإن بعضهم يتعلق ويستدل على بعض باجتماع المختلفين على أحد القولين قبل أن ينقرضوا ويقولون أيضا لو وقعت واقعة فاتفق علماء العصر على حكم واحد فيها كان اتفاقهم حجة وإطباقهم على قول واحد يجري هذا المجرى.
ولا يستقر لهؤلاء قدم إلا بتخييل هو نكتتهم وعنها صدر ما قدمناه وذلك أنهم قالوا المختلفون كأنهم بعد على تردد النظر وليس التردد مذهبا محققا وإنما يتلقى الإجماع من استقرار العلماء وليس تردد المترددين حجة على مخالفة قطع القاطعين.
٦٥٨- والرأي الحق عندنا ما نبديه الآن: فنقول: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للاختلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد ناظر واحد أولا مع استقراره آخرا وإن تمادى الخلاف في زمن متطاول [على قولين] بحيث يقضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين على طول المباحثة لظهر ذلك للباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق على أحد القولين وذلك أن ما صورناه من اختلافهم في الزمان مع مشاورة الذكر وترديد البحث يقتضي ما ذكره القاضي من حصول وفاق ضمني على أن الخلاف في هذه المحال سائغ وشفاء الغليل في ذلك أن رجوع قوم وهم جم غفير إلى قول أصحابهم حتى لا يبقى على ذلك المذهب الثاني أحد ممن كان ينتحله لا يقع في مستقر العادة فإن الخلاف إذا رسخ وتناهى وتمادى الباحثون ثم لم يتجدد بلوغ خبر أو آية أو أثر يجب الحكم بمثله فلا يقع في العرف دروس مذهب طال الذب عنه فإن فرض فارض ذلك فالإجماع فيه محمول على أنه بلغ الراجعين أمر سوى ما كانوا يخوضون فيه في مجال الظنون ثم غاية النظر إن انتهى الأمر إلى هذا أنهم إن قطعوا بذلك.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فوفاقهم إجماع حملا على هذا وعلى هذا انبنى أصل الإجماع وإن فرض فارض عدم القطع مع الرجوع عن المذهب القديم فهذا يعيد في التصوير وإن تصور ذلك على تكلف فما أرى ذلك بالغا مبلغ الإجماع فإنه لا ينقدح فيه دعوى تبكيت من يتعلق بالقول [المرجوع عنه] حسب انقداح ذلك في مواقع القطع وإذا ظهر في التردد زال ادعاء الإجماع فإن الإجماع واجب الاتباع وهو المقطوع به فهذا قولنا مع اتحاد العصر.
٦٥٩- فأما إذا انقرض علماء العصر مع طول الزمان فإن المعتمد عندنا طول الزمان على الخلاف ثم [إذا] اجتمع علماء العصر الثاني على أحد المذاهب فالوجه أن لا يجعل ذلك إجماعا لما قرره القاضي من استنباط الإجماع على [تسويغ] الخلاف وما ذكره الأولون من اعتبار هذه الصورة جمع بترديد ناظر أولا واستقراره آخرا فقول عرى عن التحصيل فإن استمرار العلماء الغواصين المعتنين بالبحث المتدارك على الخلاف قطع منهم بأن لا سبيل إلى القطع فإن اجتمع في العصر الثاني قوم على أحد المذاهب فهو اجتماع وفاقي على مذهب مسبوق بقطع الأولين بنفى القطع وتسويغ الخلاف وأين يقع هذا ممن يتردد أولا ثم يتمم نظره؟
والذي يحقق ذلك أن المذاهب التي انتحلها الأولون جرت بها أقضية وأحكام ونيط بها سفك دماء وتحليل فروج من غير إنكار فريق على فريق والمتردد في نظره لا ينوط بتردده حكما ومن العبارات الرشيقة للشافعي أنه قال: المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيقدر كأن المنقرضين أحياء ذابون عن مذاهبهم وتحقيق هذا ما ذكرناه.
مسألة:
٦٦٠- إذا اتفق أهل الإجماع على عمل ولم يصدر منهم فيه قول فقد قال قوم من الأصوليين فعل أصحاب الإجماع كفعل رسول الله ﷺ وقد سبق تفصيل المذاهب في أفعال رسول الله ﵇ ومتعلق هؤلاء أن العصمة ثابته لأهل الإجماع ثبوتها للشارع فكانت أفعالهم كفعل الشارع ﷺ.
٦٦١- قال القاضي: وهذا غير مرضي عند المحققين من أوجه منها أن اجتماع أهل الإجماع على فعل يبعد تصويره فإنهم لا يعصمون عن الخطأ والزلل ولكن وفاقهم على قول حجة على الترتيب المقدم وإن زعم زاعم أنه يجب.
[ ١ / ٢٧٦ ]
عصمتهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب لآحادهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب لآحادهم فلا فلم يمتنع صدر الزلل عن بعضهم وإذا كان كذلك فكيف يتأتي في العادة تصور عدد لا يسوغ منهم التواطؤ ثم يطبقون على فعل واحد فإن تكلف متكلف في تصويره فإنما يمكن فرضه إذا اجتمعا في مجلس واحد ثم إن تصور فلا احتفال به فإن متعلق الإجماع في الصورتين المتقدمتين ما قدمناه وليس يتحقق ذلك في الفعل فإنه لا يمتنع إذا فرض جمعهم أن يفعلوا فعلا ويعترف كل واحد منهم بأنه عاص به.
٦٦٢- والذي أراه أنه إن تيسر فرض اجتماعهم في الفعل فهو حجة وهو خارج على الأصل الذي هو مستند الإجماع فإن أصحاب رسول الله ﷺ لو جمعهم مجلس وقدم إليهم شيء فتعاطوه وأكلوه فمن حرمه عد خارقا للإجماع وتناهى أهل العصر في تبكيته فإذا يدل فعلهم على ارتفاع الحرج على حسب ما قدمناه في فعل رسول الله ﷺ وهذا إلى الفعل المطلق فإن تقيد بقرينة دالة على وجوب أو استحباب ثبت ما دلت القرينة عليه.
[ ١ / ٢٧٧ ]