الفن الثاني:
فأما الفن الثاني: فهو القول في الزمان وتفصيل المذهب في اشتراط انقراض العصر في انعقاد الإجماع.
مسألة:
٦٤٠- اختلفت مسالك القائلين بالإجماع في اشتراط انقراض المجمعين في انعقاد الإجماع.
فذهب أقوام إلى أنه لا يحكم بانعقاد الإجماع ما بقى من المجمعين أحد.
ثم هؤلاء يقولون: لو أجمع العلماء في عصر ثم لحقهم لاحقون وبلغوا رتبة المجتهدين فلا يعتبر انقراضهم إذ قد يلحقهم اخرون وهذا يفضي إلى عسر تصوير الانقراض فالمرعى إذا انقراض الذين أجمعوا أولا.
ومن مقتضى هذا المذهب أنه لو رجع واحد من المجمعين فهو سائغ وتعود المسألة نزاعية بعد ما كانت تظن إجماعه وإنما يمتنع الخلاف إذا استمروا على الوفاق حتى انقرضوا.
ثم قال هؤلاء: لو اتفق اجتماع العلماء ومصيرهم إلى مذهب في واقعة ثم.
[ ١ / ٢٦٧ ]
خر عليهم سقف على القرب أو عمهم وجه من وجوه الهلاك فقد انبرم إجماعهم في ذلك الحكم وإن كان ذلك في زمن قريب ولو بقوا زمنا طويلا مصممين على ما قالوه لم ينعقد الإجماع ما لم ينقرضوا.
وقال القاضي: إذا أجمعوا قامت الحجة من غير استئخار وانتظار انقراض ولو فرض خلاف بعد الوفاق كان المخالف خارجا عن حكم الإجماع خارقا ربقة الوفاق.
وقال الأستاذ أبو إسحاق وطائفة من الأصوليين: إن كان الإجماع قوليا لم يشترط فيه الانقراض وإن كان حصوله بسكوت جماهير العلماء على قول واحد منهم من غير إبداء نكير عليه فهذا النوع يشترط في انعقاده ووجوب الحكم به انقراض العصر خليا عن إظهار الإنكار.
٦٤١- والحق المرضى عندنا: أن الإجماع ينقسم إلى مقطوع به وإن كان في مظنة الظن وإلى حكم مطلق أسنده المجمعون إلى الظن بزعمهم فأما ما قطعوا به على خلاف موجب الاعتياد فتقوم الحجة به على الفور من غير انتظار واستئخار فإنا أوضحنا أن ذلك إذا اتفق فهو محمل على رجوعهم إلى أصل مقطوع به عندهم وتقدير خلاف ذلك مخالف موجب طرد العادة والعادة لا تنخرق لا في لحظة ولا في آماد متطاولة إن اتفقوا على حكم وأسندوه إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم مع إسنادهم ما أفتوا به إلى أساليب الظنون ما لم يتطاول الزمن فإن الإجماع على الحكم مع الاعتراف بالتردد في الأصل لا يعد إجماعا وإطباقا ولو فرض من [بعضهم] إظهار خلاف ما عن لهم على البدار لم يعد ذلك المخالف والحالة كما صورناه عاقا خارقا حجاب الهيبة فإنهم إذا قالوا: قالوا قرنوه بما يرخى طول الناظر المتفكر وسوغ له طرق التفكير نعم إن استمروا على حكمهم ولم ينقدح على طول الزمن لواحد منهم خلاف فهذا الآن يلتحق بقاعدة الإجماع وهذا عسر التصور فإن المظنون مع فرض طول الزمن فيه يبعد أن يسلم عن خلاف مخالف من الظانين فإذا تصور فالحكم ما ذكرناه فإن امتداد الأيام يبين إلحاقهم بالمصرين ويرفعهم عن رتبة المترددين ويتجه إذ ذاك توبيخ المخالفين ومخاطبتهم بأن ما ذكرتموه لو كان وجها معتبرا لما أغفله العلماء المفتون.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وشرط ما ذكرناه أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك الواقعة وترداد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها فلا أثر للزمان والحالة هذه.
ثم إذا لاح أن المعتبر ظهور الإصرار بتطاول الزمن فلو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور كما تقدم تصوير ذلك فلست أرى ذلك إجماعا من جهة أنهم أبدوا وجها من الظن ثم لم يتضح إصرارهم فهذا هو المغزى.
٦٤٢- ثم لو روجعنا في ضبك ذلك الزمان فقد أحوجنا إلى كشف الغطاء فإنا سنقول مجيبين: المعتبر زمن لا يفرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأى إلا عن حامل قاطع أو نازل منزلة القاطع على الإصرار وهذا إذا يمنع تصوير الإصرار مع البوح بالظن في جميع الزمان إلا أن يتكلف متكلف فيه وجها فنقول: وقد يفهم ظهور وجه من الظن فإن الأمر البالغ الجلي الظني تبتدره العلماء ابتدارهم اليقين ولكن لا يلوح جلاؤه إلا بالإصرار.
وللفطن أن يقول: من انتهى إلى هذا المنتهى فقد اعتزى إلى القطع فإن ما بلغ في الوضوح مبلغا يجمع شتات الرأي فهو مسلك متبوع قطعا فليفهم الناظر ما يلقى إليه.
٦٤٣- وإما إطلاق القاضي القول بقيام الحجة من غير تفصيل ففي أطراف كلامنا ما يدرؤه واشتراط الموت مع طول الزمن لا معنى له والاكتفاء به على قرب لا طائل وراءه.
وما ذكره الأستاذ أبو إسحاق من ربط الإجماع السكوتي بالانقراض فغير مرضى فإنا سنوضح أن سكوت العلماء على قول قائل محل الظن لا يكون إجماعا ثم ما ذكره يلزمه اعتبار الزمان إذا باحوا بصدور حكمهم عن موجب الظن كما قدمناه ثم لا معول على الانقراض فالذي اخترناه استثمار طرق الحق في المسالك كلها فهذا منتهى القول في الزمان وما يتعلق به.
[ ١ / ٢٦٩ ]