٤٩١- الذي يقتضيه الترتيب أن نصدر الخبر بذكر شرائطه ونصف الخبر المتواتر ثم نذكر قول الناس فيه وفي إفضائه إلى العلم.
فنقول: ذكر الأصوليون شرائط الخبر المتواتر:
منها أن يخبر المخبرون عما علموه [ضرورة فإذ ذاك يتضمن العلم ويقتضيه فأما إذا أخبروا عما علموه] نظرا فنفس خبرهم لا يقتضي علما وإن أخبر أهل الزمان قاطبة بحدث العالم لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة إلى [حين] قيام البرهان والذين أخبروا عن كثير من النظريات زائدون على عدد النقلة تواترا.
والسبب في ذلك: أن النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون أولا: إلى راكن إلى الدعة والهوينى من برحاء كد النظر وإلى ناظر ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابا لا [تنضبط] على أقدار القرائح في انتهاء ذكائها واتقادها وبلادتها واقتصادها ومن [أعظم] أسباب اختلافهم اعتراض القواطع والموانع قبل استكمالها النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في مجارى النظريات صدقا ولا كذبا.
٤٩٢- وقيد طوائف من الأصوليين هذا الركن الذي فيه نتكلم باشتراط إسناد الأخبار إلى المحسوس ولا معنى لهذا التقييد فإن المطلوب صدر الخبر عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا أثر للحس فيها على الاختصاص فإن الحس لا يميز [احمرار] الخجل والغضبان عن احمرار المخوف المرعوب وإنما العقل يدرك تمييز هذه الأحوال ولا معنى إذا للتقييد بالحس.
٤٩٣- والوجه اشتراط صدر الأخبار عن البديهة والاضطرار ثم لا نظر إلى تفاصيل مقتضيات العلوم الضرورية فهذا شرط.
[ ١ / ٢١٦ ]
٤٩٤-[ومما يشترط] في الخبر المتواتر الذي يفضي إلى العلم صدوره عن عدد وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا فاحشا فنقل أصحاب المقالات عن النظام أنه قال قد يتضمن إخبار الواحد العلم الضروري فلا يشترط على موجب هذا النقل عنده عدد ولا يتضح مذهبه الآن نبين حقيقته عند ذكرنا الحق المختار.
٤٩٥- وذهب من سواه من الخائضين في هذا الفن إلى اشتراط العدد ثم تباينت مذاهبهم فيه فلم يغادروا على اختلاف الاراء عددا في الشرع وهو مرتبط حكم أو جار وفاقا في حكاية حال إلا مال ذاهبون بالاعتقاد إليه فذهب قوم إلى اعتبار الأربعين مصيرا إلى عدد الجمعة عند بعض الفقهاء وذهابا إلى أن هذا العدد هو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ نزلت هذه الآية لما امن أربعون من الرجال وكملت العدة بإسلام عمر وذكر بعضهم عدد رجال بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وذكر آخرون عدد أهل بيعة الرضوان وهم كانوا ألفا وسبعمائة واعتبر آخرون السبعين لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ٢ وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا مبلغا لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد وهذا سرف ومجاوزة حد وذهول عند مدرك الحق.
٤٩٦- وقال القاضي أعلم أن عددهم يزيد على أقصى العدد المرعى في بيانات الشريعة وزعم أن إخبار الأربعة لا يتضمن العلم فإنه عدد بينة الزنا ونحن نعلم أن البينات في تفاصيل الحكومات لا تثمر العلوم وما زال القضاة مكتفين بغلبات الظنون في أقضيتهم ثم لم يقطع القاضي بأن إخبار الخمسة يوجب العلم ولم ينفه وإنما محل قطعه أن الأربعة لا يوجب إخبارهم العلم.
وذكر القاضي ﵀ في بعض مصنفاته أن الوجه في درك ذلك أن يمتحن اللبيب أخبار المخبرين عن الضروريات فلا يجد من نفسه العلم على عدة مخصوصة والمخبرون يتزايدون والممتحن في ذلك يحس وجدان نفسه وما يدركه من الثلج واليقين ويتخذ [العدد الذي] اتصل بأخبارهم علمه [معتبرا] .
٤٩٧- والذي أراه أن هذه المذاهب منقسمة فمنها ما هو مصروف عن مدرك.
_________________
(١) ١ آية "٦٤" سورة الأنفال. ٢ آية "١٥٥" سورة الأعراف.
[ ١ / ٢١٧ ]
الحق ومنها ما هو محوم وليس بوارد ونحن نتتبع جميعها بالنقض حتى إذا بطلت لاح من منتهى بطلانها الحق المبين ونستفتح عند ذلك وجه الحق مستعينين بالله.
٤٩٨- ونبدأ باتباع مذاهب أصحاب الأعداد ونتكلم على جميعهم بثلاثة أنواع من الكلام أحدها: أن نعارض بعض المذاهب ببعض فلا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض وإن عن ترجيح فليس ذلك من مدارك الحق المقطوع به فإن الترجيحات ثمراتها غلبات الظنون في مطرد العادة.
٤٩٩- والثاني: أنه لا يتعلق شيء من هذه الأعداد التي هي مستندات المذاهب بالأخبار وإنما هي قضايا واتفاقات جرت في حكايات أحوال وليس في العقل ما يقضى بمناسبة شيء منها [لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها] .
٥٠٠- والوجه الثالث: أن المطلوب من الخبر المتواتر وجدان الصدق على ثلج من الصدر في المخبر عنه وما من عدد تمسك به طائفة إلا ويمكن فرض تواطئهم على الكذب فكيف يفيد النظر إلى عدد ربط به مقصود غير مناسب للمطلوب من الخبر المتواتر مع إمكان تصور الخبر على حكم الخلف الذي يبغى سامع الخبر انتفاءه.
وبالجملة: الأعداد التي تمسك بها هؤلاء منقسمة إلى [ما تقدر] معتبرة في أقاصيص وحكاية أحوال على وفاق وكان لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو أكثر وإلى ما ورد في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها.
٥٠١- وأما ما ذكره القاضي فهو موافق فيما أخرجه عن الضبط ونفاه حيث قال ليس الأربعة عدد التواتر فأما تردده في الخمسة فلا وجه له فإنا لا نبعد في مجرى الاعتياد التواطؤ على الكذب من خمسة وستة وليس ذلك من الأمور البديعة المعدودة من نوادر وقائع الزمان والذي جعله معتبرا من أمر البينات ليس بالمرضى فيما نطلبه فإن مما ورد الشرع به الاستظهار بمزيد العدد في الوقائع الخطيرة وقد يستظهر القاضي بعد تمام عدة البينة بالتماس مزيد في الشهود ثم ما يفرض من مزيد لا يفضى إلى العلم المقطوع به فلئن كان الخامس خارجا عن عدد البينات فهو داخل في الاستظهار المأذون فيه ولم نذكر هذا الفصل لنتخذه معولنا ولكنا عارضنا القاضي بما ينقض عليه مذهبه.
[ ١ / ٢١٨ ]
٥٠٢- وأما من قال إن عدد التواتر لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد فقد أسرف فإن التواتر يقع بدون ذلك وإذا أخبر جمع كثير في بلدة عن واقعة شاهدوها واستجمع إخبارهم الشرائط المرعية التي نحن في تفصيلها فيحصل العلم الضروري بإخبارهم وهم بعض من أهل البلدة والخروج عن إمكان العدد لا يعتبر شرطا وليس عدد معظم أهل الدنيا خارجا عن إمكان البشر.
فإذا بطلت هذه المذاهب ولم يبق إلا مذهب النظام فسندرجه في مجاري الكلام المشتمل على اختيار الحق.
٥٠٣- فإن قيل فماذا ترضون في ذلك؟
قلنا: الخوض فيما نؤثره يستدعي تقديم أمر وهو أن العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها ولا سبيل إلى حجدها إذا وقعت وهذا كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل ونشط الثمل وغضب الغضبان ونحوها فإذا ثبتت هذه القرائن ترتب عليها علوم بديهية لا يأباها إلا جاحد ولو رام واجد العلوم ضبط القرائن وصفها بما تتميز به عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلا فكأنها تدق عن العبارات وتأبى على من يحاول ضبطها بها.
وقد قال الشافعي ﵀: من شاهد رضيعا قد التقم ثديا من مرضع ورأى فيه اثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن إلى جوف الصبي وحل له أن يشهد شهادة باتة بالرضاع ولو أنه لم يبت شهادته في ثبوت الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن وأطنب في وصفها واستعان بالوصافين المعرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القاضي فلا يثبت الرضاع بذلك لأن ما سمعه القاضي وصف لا يبلغ مبلغ العيان والذي يفضي بالمعاين إلى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الوصافين ولو قيل لأذكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا افصل بين حمرة الخجل وحمرة الغضب وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة في محاولة الفصل فإن القرائن لا تبلغها غايات العبارات.
٥٠٤- فإذا تمهد ذلك قلنا لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد معدود ولكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به فإذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات حاسرا رأسه،
[ ١ / ٢١٩ ]
شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب بوالده أو ولده وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بإخباره تضمنت العلم بصدقه مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبل وجنة والذي ذكره النظام ما أراه إلا في مثل هذه الصورة فإنه لا يخفى على غبي من حثالة الناس أن الواحد قد يخبر صادقا [وقد يخبر] كاذبا فلا تقع الثقة بأخباره.
ولكن لعله قال: لا يبعد أن يحصل الصدق بإخبار واحد فعزى إليه جزم القول في ذلك مطلقا وليس من الإنصاف نسبة رجل من المذكورين إلى الخروج عن المعقول من غير غرض.
٥٠٥- وإذ ذكرت إمكان حصول العلم بصدق مخبر واحد فإني [أفرض] تخلف العلم بالصدق عن إخبار عدد كثير وجم غفير إذا جمعتهم إيالة وضمنهم في اقتضاء الكذب حالة فإن الملك قد يواطئ قواد الجند في مكيدة ليواطئوا [بالمترتبين في جملتهم] وغرضه إخفاء أمره ليشن غارة فيقع التواطؤ على الكذب فيما أشرنا إليه ولا تعويل على العدد بمجرده أصلا.
ولكن إذا انتفى ما ذكرناه من [تقدير] جامع على التواطؤ وبلغ المخبرون مبلغا لا يقع في طرد العادة اتفاق تعمد الكذب فيهم ولا يجري ذلك من أمثالهم سهوا وغلطا أيضا فتصير حينئذ الكثرة مع انتفاء أسباب التواطؤ قرينة ملحقة بالقرائن التي ترتبت عليها العلوم فالعدد في عينه ليس مغنيا إذ يتصور معه تقدير حالة ضابطة وإيالة حاملة على الكذب رابطة للكذب.
٥٠٦- وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها ويقضى العجب من الاطلاع عليها [ويتنبه لسبب] اختلاف الاراء فيها ويجعل [جزاءنا] منه دعوة بخير.
٥٠٧- أما النظام فإنما نظر إلى إمكان الصدق مع القرينة وإن اتحد المخبر ولم [يطرد] ذلك في كل أحد.
٥٠٨- ونقل النقلة عن السمنية أنهم قالوا: لا ينتهى الخبر إلى منتهى يفضي إلى العلم بالصدق وهو محمول على أن العدد وإن كثر فلا يكتفي به حتى ينضم إليه ما يجري مجرى القرينة من انتفاء الحالات الجامعة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
٥٠٩- وذهب الكعبي١ إلى أن العلم بصدق المخبرين تواترا نظري وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظريا عقليا وفكرا سبريا على مقدمات ونتائج وليس ما ذكره إلا الحق.
٥١٠- وظن ظانون أن العدد معتبر فانقسموا قسمين: فاختبط قوم ولم يجدوا متعلقا عقليا فارجحنوا إلى أعداد سمعية وكان هؤلاء أبعد البرية عن درك الحق.
وتفطن آخرون لبطلان هذا المأخذ مع الإصرار على التشوف إلى العدد فغلا غالون فقالوا: هم الذين لا يحويهم بلد وهذا كلام ركيك واقتصد القاضي فضبط ما رآه دون عدد التواتر وبقى على تردد في عدد التواتر.
٥١١- ومن عجيب الأمر وهو خاتمة الكلام ما أبديه الآن قائلا الكثرة من جملة القرائن التي تترتب عليه العلوم المجتناة من العادات مع انضمام انتفاء الإيالات عنها وكل قرينة تتعلق بالعادة يستحيل أن تحد بحد أو تضبط بعد وما عندي أن ذلك يخفى على [المستطرفين] في هذا الفن فليت شعري كيف تشوفوا إلى ضبط ما يستحيل ضبطه ثم اختلفوا وتقطعوا؟.
٥١٢- وأنا أقول: المحكم في ذلك العلم وحصوله فإذا حصل استبان للعاقل ترتبه على القرائن فإن العلم في العادة لا يحصل هزلا وقد يختلف ذلك باختلاف الوقائع وعظم أخطارها وأحوال المخبرين وهذا هو المنتهى الذي ليس بعده مطلب لمتشوف.
ونحن نذكر بعد ذلك مجامع من كلام الناس في شرط التواتر وراء ما ذكرناه بعضها قريب مقتصد وبعضها باطل.
٥١٣- فمما ذكره الأصوليون في شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة وعنوا به أن العصور إذا تناسخت فلا يكفي توافر الشرائط وكمال العدد في طرف النقل من الرسول ﷺ مثلا بل ينبغي أن يدوم ذلك في كل عصر وقد ينقلب التواتر آحادا وقد يندرس ما تواتر دهرا على ما سيأتي ذلك مشروحا فالمتواتر من أخبار الرسول ﷺ في حقوقنا ما اطردت الشرائط فيه عصرا بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا لا خفاء به ولكنه ليس من شرائط التواتر وحاصل ذلك أن التواتر قد ينقلب.
_________________
(١) ١ سبق.
[ ١ / ٢٢١ ]
آحادا وليس الأمر كذلك ولكنه من تفاصيل القول فيما يتواتر وينقلب آحادا وليس من شرائط وقوع التواتر.
٥١٤- وذكر بعض أصحاب المقالات عن اليهود: أنها اشترطت في التواتر أن يكون في المخبرين أصحاب ذلة وصغار وزعموا أنه إذا كان أصحاب الأخبار أصحاب الاختيار ولم يختلط بهم أقوام هم تحت صغار الانتهار فقد يظن بذوي الاختيار الاستجراء على الكذب.
وهذا ساقط فإنا على اضطرار نعلم أن الجمع العظيم مع رعاية القرائن المذكورة إذا أخبروا عن واقعة عاينوها نعلم صدقهم وإن لم يكن من جملتهم أهل ذلة ومثل هذا لا يعارضه تشكيك المتخيلين وما تشبثوا به من اجتراء أهل الاختيار على الكذب معكوس عليهم بإمكان حملهم على الكذب انتهارا وإجبارا.
٥١٥- والجملة في ذلك أن التواتر من أحكام العادات ولا مجال لتفصيلات الظنون فيها فليتخذ الناظر العادة محكمة.
وقد أتى هذا المقدار على أسرار لا تحويها أسفار وهو على إيجازه لا يغادر وجها من البيان تمس إليه الحاجة وينزل كل كلام وراءه كالفضل المستغنى عنه.
[ ١ / ٢٢٢ ]