١١١٥- وأما التركيب في الوصف: فمنه المتفاحش وهو أن يقول الشافعي في قتل المسلم بالذمي: من لا يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجب بقتله بالسيف كالأب في ابنه.
[ ٢ / ١٥٦ ]
فهذا يصححه بعض الجدليين بناء على ما تقدم وهو على نهاية الفساد عندنا فإن المثقل على رأي الخصم ليس آلة القصاص فإن ثبت أنه ليس آلة القصاص كان القصاص باطلا [آيلا] إلى أن من لا يستوجب القصاص بقتل شخص خطأ لا يستوجب بقتله عمدا وإن ثبت أنه آلة القصاص منع الخصم الحكم فالعلة بين منع بطلان.
١١١٦- وقد يجري في الوصف تركيب قريب يضاهي عند المحققين التمسك بمناقضة الخصم وشرط ذلك أن يكون مشعرا بفقه.
ومثاله: قولنا في الثمرة التي لم تؤبر أنها تتبع الشجرة في مطلق التسمية ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت مطلق تسميتها كالأغصان.
ووجه الفقه أن الشفعة في وضعها لا تختص بالمنقولات فأشعر أخذ الشفيع الثمرة بكون الثمرة معدودة من إجزاء الشجرة ملتحقة بها.
فأما إذا قال الخصم: سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى ولذلك أثبت أخذ الثمار المؤبرة [للشفيع] فالوجه أن يقول الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما تريدها ظاهرة ومعناكم ظاهر على السبر فقد جرى هذا فقها وسببه مناقضتكم فليسند التعلق به وما يتعلق تعلقا ظاهرا فإنه يتضمن إلحاق الثمرة بأجزاء الشجرة وهو المقصود الأقصى.
والتركيب البعيد لا يناسب غرض المسألة والتعويل فيه على [زلل] الخصم.
١١١٧- مسألة أخرى ليست من محل النزاع بسبيل.
[كغلط] يتفق في سن البلوغ فلا تعلق له بتزويج المرأة أو امتناع ذلك عليها فإذا توصل ذو الجدل إلى صورة فيها غلط للخصم عنده في حد البلوغ فإنا نستجيز طالب المعنى [استثارة] غرض النكاح من غلطه [في] سن البلوغ.
١١١٨- وإذا اعتبرنا القصاص [في النفس بالقصاص في الطرف] في صورة نفرضها في قتل المسلم بالذمي وذلك إذا فرضنا في المسلم والذمية ثم اعتبرنا النفس بالطرف كان الاعتبار واقعا مناسبا لغرض [المسألة] إما من جهة [تشبيه] أو من جهة إشارة إلى معنى فقه فإذا ذهبوا يخبطون في الأطراف كان ذلك من مناقضاتهم وسوء نظرهم وعلى هذا يجري تدرب النظار في مناقضات الخصوم.
فهذا منتهى القول فيما يصح ويبطل من التركيب في الأصل والوصف.
[ ٢ / ١٥٧ ]
مسألة: في التعدية
١١١٩- ثم ضري أهل الزمان بفن من الكلام يسمونه التعدية وهو عرى عن التحصيل ولكن لا سبيل إلى تعرية هذا المجموع عن ذكره والتنبه على فساده فنفرض [من صوره] صورة في التركيب ونرتب عليها صورة التعدية.
فإذا قلنا: أنثى لا تزوج نفسها كبنت الخمس عشرة فيقول المعترض المعنى فيها أنها صغيرة وعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات واطراد ولاية الولي عليها.
فإذا قال القائل: دعواك الصغر ممنوعة وكذلك فروعها.
قال المعدي: كذلك الأنوثة ليست علة وقد ادعيتها علة وعديتها إلى فرعك فادعيت الصغر علة وعديتها إلى فروعي فاستوى القدمان وآل الأمر إلى التزامك إبطال علتي أو ترجيح علتك.
وقد ينقدح للمعدي جهتان في التعدية و[ذلك] إذا قال المعلل: بكر فيجبرها أبوها كبنت الخمس عشرة فينقدح للمعدي أن [يقول المعنى فيها أنها صغيرة وعدى ذلك إلى اضطراد الحجر عليها فهذا وجه في التعدية وقد] يقول: المعنى فيها أنها صغيرة واعديها إلى جواز تزويجها مجبرا وإن كانت ثيبا وهذا يطرد للمعدي في الصغيرة الثيب التي يتفق على صغرها.
١١٢٠- ثم تكلم أصحاب التركيب على التعدية من وجوه لست أرى ذكر معظمها.
فمنها: أنهم قالوا: معناي مسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما أنازع في إثباته علة وهذا يجري في [كل] علة مستثارة في محل الاجتهاد وما ادعيته علة لا أسلم وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده كنت منتقلا إلى مسألة أخرى ليست من مسألتنا بسبيل والانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوي فيه السائل والمسئول.
فهذا وجه التضييق الذي تخيله المركبون فلو عدى المسئول لم يقبل منه فإن دليل المسئول إنما يقبل في نفس المسألة أو فيما تنبني عليه فإنه إذا احتاج إلى إثبات مسألة لا تعلق لها بمحل النزاع فقد عد متنقلا.
١١٢١- وقد يسلك المركب في إبطال التعدية مسلكا آخر فيقول: لو ثبت معناك
[ ٢ / ١٥٨ ]
لقلت به ضمنا إلى معناي فإن الحكم لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا قد لا يجري في بعض المركبات فإنا إذا قلنا: بكر فتجبر كما ذكرناه فذكر المعدي الصغر لم يمكنا أن نجعل الصغر علة في الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر عندنا.
١١٢٢- وقال الأستاذ أبو إسحاق وهو من المركبين: سبيل المركب إذا عورض بالتعدية أن يقول: معناي عندكم دعوى غير مثبتة [بما] تثبت به معاني الأصول أم قد يثبت مدلولا فإن لم يقم عليه دليل [فلست] معللا بعد ولا مقيما متمسكا في محل النزاع فابتدارك إلى معارضتي بالتعدية غير متجه وإن اعترفت بكون معناي ثابتا فمعناك الذي ابتدأته ليس مناقضا لمعناي وإنما تقدح المعارضة إذا جرت مناقضة في المقتضى.
فهذا مضطرب المركبين والمعدين.
وقد بان أصلنا فيما نقبله ونرده في تركيب الأصل والفرع.
١١٢٣- ونحن الآن نجمع المقصود والمدرك الحق في تقسيم فنقول:
الأقيسة [الخلية] عن معنى التركيب في الأوصاف والأصول بينة وقد قدمنا تقاسيمها وذكرنا مراتبها.
فأما ما يليق بما نحن فيه فينقسم إلى قسمين:
أحدهما: يتلقى انتظامه من مذهب الخصم لا تعلق له بمحل النزاع ولا يشعر به ولا يقتضيه بطريق التشبيه وهذا كمصير أبي حنيفة إلى أن بنت الخمس عشرة صغيرة فهذا لا يناسب تزويج المرأة نفسها ولا امتناع ذلك منها وليس منها على معنى ولا تشبيه ومذهبه ذكر التركيب فهو إذا [تعقيد] على الشادين والمبتدئين ومدافعة لهم عن مسلك الرشد وتعميه عليهم.
وقد أجمع الناظرون في هذا الباب أن هذا القسم لا يجوز أن يكون مستند الفتوى ولا الحكم وليس هو مناطا لحكم الله تعالى لا معلوما ولا مظنونا فهذا هو المردود فإن الجدل الحسن المأمور به هو الذي [يقرب] من مثار الأحكام [فيرشد] إلى مناطها وهذا القسم هو المردود عندنا.
١١٢٤- وأما التركيب المشعر بفقه كما قدمنا تصويره فينقسم إلى قسمين:
منه ما الحكم فيه مع المعنى الفقيه متفق عليه فما كان كذلك فهو مقبول.
[ ٢ / ١٥٩ ]
مستند للفتوى والحكم ووجوب العمل وهذا كقياسنا القصاص في النفس على القصاص في الطرف في بعض صور الوفاق وإن وقع القصاص في الطرف مركبا عند الخصم كان التركيب منه معدودا من خبطه وتعلق القياس بالإجماع على الحكم والمعنى الفقيه أو وجه لائح في التشبيه فهذا قسم.
١١٢٥- والقسم الثاني من هذا: أن ينفرد الخصم بتسليم الحكم ثم يبتدئ منه تركيبا فهذا لا ينتهض مستند الفتوى والحكم ولكن يجوز التمسك به في المناظرة كما يجوز التمسك بمناقضة الخصم والسبب فيه أن المناقضات لها تعلق بفقه المسألة وفي المباحثة عنها التنبيه على مآخذ الكلام والتدرب في الجدل المفضى إلى مدرك الحق وهذا من فوائد المناظرات.
١١٢٦- فيترتب من مجموع ما ذكرنا مركب مردود حكما ونظرا ومركب معمول به حكما ومن ضرورته أن يكون مقبولا نظرا ومركب مقبول نظرا والغرض منه التدرب في المسلك المطلوب في المناظرات وليس معمولا به في فتوى ولا قضاء.
وقد نجز بهذا تمام القول في المركبات بل وفي تقاسم الأقيسة وما يصح وما يفسد من الاعتراضات وطرق الانفصال عنها ونحن الآن نفتتح الكلام في الاستدلال.
[ ٢ / ١٦٠ ]