٢٧٢- فنقول: القرائن تنقسم إلى قرائن حالية وإلى قرائن لفظيه فأما القرائن الحالية: فكقول القائل: رأيت الناس وأخذت فتوى العلماء ونحن نعلم أن حاله لا يحتمل رؤية الناس أجمعين ومراجعة جميع العلماء فهذه القرينة وما في معناها تتضمن تخصيص الصيغة وستتلوها مسائل حرية بالالتحاق بهذا القسم.
[ ١ / ١٣٣ ]
مسألة:
٢٧٣- إذا ورد خطاب الشارع صلوات الله عليه وسلامه على سبب مخصوص وسؤال واقع عن واقعة معينة فقد اختلف الأصوليون في أن الصيغة هل يتعدى سببها في اقتضاء العموم أم يتضمن ورودها على السبب اختصاصها به؟.
فالذي صح عندنا من مذهب الشافعي اختصاصها به.
وعلىهذا يدل قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ١ الآية قال ﵁ كان الكفار يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكانوا يتحرجون عن كثير من المباحات في الشرع فكانت سجيتهم تخالف وضع الشرع وتحاده فنزلت هذه الآية مسبوقة الورود بذكر سجيتهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والموقوذة وأكيلة السبع وكان الغرض منها استبانة كونهم على مضادة الحق ومحادة الصدق حتى كأنه قال تعالى: "لا حرام إلا ما حللتموه". والغرض الرد عليهم ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في مصيره إلى حصر المحرمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات والذي نقله من يوثق به من مذهب أبي حنيفة أن الصيغة مجراة على العموم وقد زاد على ادعاء العموم أمرا منكرا إن صح عنه سنختم المسألة به.
٢٧٤- ونحن نقول: إن كان جواب الشارع لا يفرض مستقلا بنفسه لولا تقدم السؤال مثل أن يسأله رجل عن شيء معين قائلا: أيحل هذا؟ فيقول: نعم أو لا فلا سبيل في ادعاء العموم فإن العموم فرع استقلال الكلام بنفسه بحيث يفرض الإبتداء به من غير تقدم سؤال فإذ ذاك يستمسك المستمسكون باللفظ كما سنذكره ويتعلق آخرون بالسبب.
فأما إذا كان الكلام لا يثبت له الاستقلال دون تقدم السؤال والسؤال خاص والجواب تتمة له وفي حكم الجزء منه [فليس بموضع خلاف] .
وأما إذا كان كلام الشارع مستقلا بحيث لو قدر نطقه به ابتداء لكان ذلك شرعا منه وافتتاح تأسيس فهذا موضع الكلام.
_________________
(١) ١ آية "١٤٥" سورة الأنعام.
[ ١ / ١٣٤ ]
٢٧٥- والذي نرى القطع به التعلق بمقتضى الصيغة في أصل اللسان فإنا إن نظرنا إلى معناها فهو عام وإن نظرنا إلى السبب فليس بدعا أن يسأل الرسول ﵇ عن شيء فيذكر في مقابلته تأسيس شرع يأخذ منه السائل خطه ويسترسل مقتضى اللفظ على غيره.
فالقول البالغ فيه أن قصد التخصيص بالسبب الخاص يعارضه قصد ابتداء تمهيد الشرع فإن لم يظهر قصد تأسيس الشرع لم يترجح قصد التخصيص بالسبب فإذا تعارضا لم يحكم أحدهما على الثاني وتعين التمسك باللفظ ومقتضاه العموم ولهذا اعتقد صحبه الأكرمون عدم اختصاص ألفاظه بالمكان والزمان والمخاطبين وسبقوا إلى أن الناس الذين لم يخاطبوا مع المخاطبين شرع في الشرع ولا حاجة إلى ذلك مع ما قررناه.
وما ذكره الشافعي من الكلام على الآية فهو في غاية الحسن ولكن ما ذكر لا يفيد الحكم على الآية بل يفيد تطرق التأويل إليها ولولا ما مهدنا لكانت الآية نصا وهي من آخر ما نزل على رسول الله صلى الله ليه وسلم ولم يدع أحد من حملة علوم القرآن النسخ فيها.
٢٧٦- وأنا أقول وراء ذلك: مقتضى هذا السياق الذي هو [مستمسك] إمام دار الهجرة مالك ﵁ يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات وغيرها من النجاسات فلا يستمر إجراء الآية على العموم مع اعتقاد هذا الذي ادعيناه [و] قطع السلف بالتحريم فيه فإن أنكر منكر هذا واندفع في تحليل هذه الأشياء علم قطعا انسلاله عن ضبط المسألة واستيطاؤه مركب العقوق فرب شيء نتحققه بعد انقراض العصور وإن لم نشهد أهلها وإن سلم مسلم تحريم ما ذكرناه ولم يقابل الحقوق بالعقوق وهاب حجاب الإنصاف فيبطل بذلك ادعاء النص في العموم.
ثم نحن وإن كنا لا نرى تطرق التخصيص إلى اللفظ مقتضيا مصير اللفظ مجملا كما سنذكره في مسائل الخصوص فإنا نعتقد أن ذلك إن جرى يخرج اللفظ عن مراتب النصوص في العموم ويلحقه بقبيل الظواهر وهذا كاف في مسلك الكلام على هذه الآية.
٢٧٧- وقد حان الآن أن نذكر ما نقل من سرف أبي حنيفة في عدم الالتفات إلى السبب فنقول أولا إذا حكمنا بتعميم اللفظ الوارد في السبب الخاص فلا شك أنا.
[ ١ / ١٣٥ ]
لا تشترط في تجويز تخصيصه [ما] يجوز به تخصيص [الألفاظ] المطلقة بل نقول تخصيص اللفظ [بسبب] يقوى جانب المؤول ويخفف عليه مؤنة طلب دليل بالغ في الوضوح على ما سيأتي بيان ذلك وأمثاله في باب التأويلات ولكنا نقول: لا يجوز إخراج سبب اللفظ بطريق التخصيص عن مقتضى اللفظ فهو إذا صريح في سببه ظاهر في غيره على ما ارتضيناه.
٢٧٨- ونقل ناقلون عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج سبب اللفظ بالتخصيص وإنما ادعى النقلة عليه ذلك من خبرين أحدهما حديث العجلاني في اللعان فإنه لاعن امرأته وهي حامل ونفى حملها فانتفى ومنع أبو حنيفة١ نفى الحمل باللعان وإن لم يرد في بيان اللعان عن المصطفى ﷺ غير قصة العجلاني والحديث الآخر حديث عبد بن زمعة٢ وكان سأل عن ولد أمته في ملك يمين فقال رسول الله ﷺ: "الولد للفراش" ٣ فغلا أبو حنيفة في اللفظ حتى ألحق الولد بالأب في النكاح وإن تيقنا استحالة العلوق من الزوج ولم يلحق ولد المملوكة بمولدها [وإن] أقر بالوطء والافتراش [فالذي] عندي أنه لا يجوز أن ينسب إلى [متعاقل] تجويز استخراج السبب تخصيصا وما نقل عنه محمول على أن الحديثين لم يبلغاه بكمالهما وكان ضعيف القيام بجمع الأحاديث صارفا جمام طلبه إلى الرأي مع القطع بأن الذين مضوا كانوا لا يتعلقون بالرأي ما لم يتعجزوا عن تتبع ألفاظ الشارع.
فهذا ما أردنا ذكره في القرائن الحالية.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ عبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر القرشي العامري أخو سودة أم المؤمنين. قال ابن عبد البر: كان من سادات الصحابة. له ترجمة في: الإصابة ٢/٤٣٣/٥٢٧٢. ٣ روى هذا اللفظ: البخاري ٣/٧٠ و١٠٦ و١٦١ و٤/٤٠، ومسلم في: الرضاع "٣٦، ٣٧"، وأبو داود "٢٢٧٣" والترمذي "١١٥٧"، والنسائي في: "٤٩، ٥٠" وابن ماجه "٢٠٠٦، ٢٠٠٧"، والدارمي ٢/١٥٢، وأحمد ٢/٢٥ و٢/٢٠٧ و٢٨٠ و٤٧٥.
[ ١ / ١٣٦ ]