القول في الصيغة المطلقة.
مسألة:
١٣٩- صيغة الأمر إذا وردت مطلقة ففي اقتضائها على رأي من لا يتوقف تكرير الإمتثال خلاف بين الأصوليين:
[ ١ / ٧١ ]
فذهب ذاهبون إلى أنها تقتضي التكرير على استيعاب الزمان مع الإمكان وهذا اختيارالأستاذ أبي إسحاق ﵀.
وذهب الأكثرون إلى أنها لا تقتضي عند الإطلاق إلا الامتثال مرة واحدة.
١٤٠- ونحن نذكر ما لكل فريق ثم نختم المسألة بالمختار عندنا.
أما الصائرون إلى اقتضاء التكرير فمعتقدهم الأقوى عندهم اعتبار الأمر بالنهي وفي ذلك مسلكان.
أحدهما: أن الأمر اقتضاء إثبات والنهي اقتضاء انكفاف وهما يجتمعان في أصل الاقتضاء والإطلاق فإذا تضمن أحدهما استيعاب الزمان كان الثاني في معناه.
والوجه الثاني في التمسك بالنهي: أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وإذا كان كذلك فالنهي يقتضي الانكفاف عن أضداد المأمور به عموما ومن ضرورة الانكفاف عنها إدامة الامتثال فإن المحل لا يخلو عن الأضداد كلها لا سيما الأكوان وهي معظم أفعال المكلفين وهذا الذي تمسك به هؤلاء باطل.
أما الاعتبار بالنهي مطلقا بمسلك القياس فمردود [فإن قضايا] الألفاظ لا تثبت بالأقيسة وقد سبق في ذلك قول بالغ.
وأما المسلك الثاني فلا أصل له فإن الأمر عندنا لا يتضمن نهيا عن أضداد المأمور به وسيأتي القول في ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى.
ولو فرض تسليم ذلك فلا مستروح فيه فإن النهي يقتضي الاستيعاب هو النهي المجرد المقصود فأما ما يقع ضمنا فهو في [اقتضاء الانكفاف عن] الأضداد على حسب اقتضاء الأمر في الامتثال فإذا كان الخصم يعتقد أن صيغة الأمر تقتضي الامتثال مرة واحدة فتضمنها النهي عن الأضداد على هذا النحو يقع وهذا ممثل بالصيغة المقيدة بالمرة الواحدة فإنها تتضمن على هذا الرأي المسلم جدلا نهيا عن الأضداد من غير استيعاب والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا فإنه يتبع المتضمن في مقتضاه لا محالة.
ومما تمسك به أصحاب التكرار أن قالوا الأمر يقتضي وجوب اعتقاد الامتثال والعزم عليه قبل الإقدام على الامتثال نفسه ثم العقد أو العزم يعمان ولا يختصان فليكن الإمتثال المقصود كذلك.
[ ١ / ٧٢ ]
وهذا ركيك١ لا أصل له فإن اعتقاد الوجوب ليس من مقتضيات الأمر وإنما هو من حكم العقد الصحيح المفضي بصاحبه إلى الإذعان لأوامر الله ولو فرض الأمر مقيدا بالامتثال مرة واحدة لكان القول في العقد على هذا النحو فلا حاصل لهذا الكلام.
وإن طمع من لا يحيط بالحقائق أنه يسلم له دوام اعتقاد وجوب الامتثال في الصيغة المطلقة على معنى أن الامتثال يدوم وجوبه والعقد بحسبه فهذه غباوة وذهول عن محل الخلاف ومن شرط هذا المجموع أن نقتصر فيه على الرمز إلى [أمثال] هذه المخالات وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مستقصى في المسألة التي تلي هذه إن شاء الله تعالى.
١٤١- وأما الصائرون إلى أن الصيغة [المطلقة] تقتضي امتثال المأمور به مرة واحدة فقد تمسكوا بمسلكتين.
أحدهما: يشتمل على الاستشهاد بالأمثلة.
والثاني: يتضمنه معنى [يرونه] معتمدهم.
فأما الأمثلة فقد قالوا: إذا قال قائل: تصدق زيد أو ليتصدق زيد٢ لم يتضمن ذلك إدامته بل يشعر بالفعل مرة واحدة فليكن صيغة الأمر كذلك ومما استشهدوا به البر في اليمين ثم أوردوا الحنث نظيرا للنهي فقالوا من حلف ليفعلن بر بالمرة الواحدة وهو نظير الأمر فإذا حلف لا يدخل الدار فمتضمنه الانكفاف عنه عموما وهذا يناظر النهي.
وهذا المسلك غير مرضى عند المحققين فإن مساقه القياس واعتبار اللفظ باللفظ وهو محسوم عند المحققين فإن أمكن تحقيق اللفظ نقلا واستنباطا فهو المفيد وإن كان بالتعويل على القياس فهو ساقط ولا سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال واختلاف مقتضياتها.
والمسلك الثاني للقوم أنهم قالوا من امتثل الأمر مرة يسمى ممتثلا ولو كان ما جاء به بعض مقتضى اللفظ لما ساغ تسميته ممتثلا وهذا ساقط فإنه يجري مثله في.
_________________
(١) ١ ركيك: ضعيف. ٢ ومن هذين المثالين تعلم أن طلب الفعل يتحقق بصيغة الأمر المعروفة أو بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر.
[ ١ / ٧٣ ]
الأمر المقيد بالتكرار وهو في القيام بالامتثال موصوف في قدر ما جاء به بحكم الموافقة وعليه الاستتمام.
١٤٢- فإن قيل: فما المختار وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين وليس بين النفي والإثبات مرتبة قلنا الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة.
لا بد منها وأنا على الوقف في الزيادة عليها فلست أنفيه ولست أثبته والقول في ذلك يتوقف على القرينة والدليل القاطع فيه أن صيغة الأمر وجملة صيغ الأفعال عن المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة الواحدة والأمر استدعاء المصدر فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة والتوقف فيما سواها فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح لو وصف به وسيأتي ذلك مشروحا بعد هذا وذلك يستدعي إبانة بقرينة.
فإذا [وضح] هذا مستقلا طاب بعده ضرب صيغ الأفعال مثالا فإذا قال القائل تصدق زيد لم يتضمن اختصاصا بصدقة واحدة بل الأمر فيه على حسب ما نبهنا عليه في الأمر.
فإن قيل: مقتضى ما ذكرتموه أن النهي لا يتضمن استيعاب الزمان بالانكفاف [بل] يقتضي الانكفاف مرة واحدة ويتوقف فيما عداها قلنا لو كان النهي متلقى من المصدر لكان كذلك وإنما هو متلقى من النفي والنفي المضاف إلى واحد منكر من جنس يقتضي التعميم فإذا قال القائل لم أر رجلا اقتضى هذا نفى الرؤية عن جنس الرجال وإذا قال رأيت رجلا اقتضى واحدا من الجنس فالنفي الذي في النهي قرينة تقتضي الاستغراق ولا يتصور على هذا أن يكون النهي إلا مقترنا وليس الأمر كذلك فلزم فيه الاستغراق فوجب تنزيل الأمر على حكم المصدر المحض.
وإن راجع باحث فيما ذكرناه من اقتضاء النفي العموم فليس ذلك من غرض هذه المسألة ولا شك فيه.
والقدر الكافي في التنبيه على اقتضاء النفي العموم أن الإثبات يختص بثابت والنفي لا اختصاص له فكان الجنس كالشخص في حقه.
مسألة:
١٤٣- الصيغة المطلقة التي فيها الكلام إن قيل إنها تقتضي استغراق الأوقات بالامتثال فمن ضرورة ذلك الفور والبدار واستيعاب الصيغة في موردها اقتضاء مبادرة الامتثال.
[ ١ / ٧٤ ]
فإذا جرى التفريع على المذهب الآخر في أن الصيغة لا تقتضي استغراق الزمان فعلى هذا اختلف الأصوليون فذهب طائفة إلى أن مطلق الصيغة يقتضي الفور والبدار إلى الامتثال وهذا [معزى] إلى أبي حنيفة١ ﵀ ومتبعيه.
وذهب ذاهبون إلى أن الصيغة المطلقة لا تقتضي الفور وإنما مقتضاها الامتثال مقدما أو مؤخرا وهذا ينسب إلى الشافعي٢ ﵀ وأصحابه وهو الأليق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول.
وأما الواقفية فقد تحزبوا حزبين فذهب غلاتهم في المصير إلى الوقف إلى أن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة فلو أوقع المخاطب ما خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلا ويجوز أن يكون غرض الآمر فيه أن يؤخر وهذا سرف عظيم في حكم الوقف.
وذهب [المقتصدون] من الواقفية إلى أن من بادر في أول الوقت كان ممتثلا قطعا فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة الخطاب وهذا هو المختار عندنا.
وذهب القاضي أبو بكر٣ ﵀ إلى ما شهر عن الشافعي من حمل الصيغة.
على إيقاع الامتثال من غير نظر وقت مقدم أو مؤخر وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه.
١٤٤- ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي فأما من قال إنها على الفور فهذا اللفظ لا بأس به ومن قال إنها على التراخي فلفظه مدخول فإن مقتضاه أن الصيغة المطلقة فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي رحمهما الله بأن يقال الصيغة تقتضي الامتثال ولا يتعين لها وقت.
١٤٥- وإذا بانت المذاهب فنذكر بعدها معتمد كل فريق ونتعقبه بالنقض ونجرد بعد المباحثة توجيه ما اخترناه فلتقع البداية بأصحاب الفور.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ تقدمت ترجمته. ٣ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٧٥ ]
فمما اعتمدوه أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا لم يخل القول بعد ذلك من أن يقال يعصى المخاطب بالتأخير عن وقت الفهم والإمكان وهذا معنى الفور أو يقال لا يعصي بتأخير الامتثال ثم لا ينضبط جواز التأخير بوقت ولا يتعين له زمان فلو مات المخاطب بعد امتداد الزمن وما كان امتثل لم يخل الأمر فيه إما أن ينسب إلى العصيان أو لا ينسب إليه.
فإن قيل إنه مات غير عاص فهذا إسقاط الإيجاب بالكلية قطعا وإن قيل مات عاصيا كان ذلك مناقضا لجواز التأخير فإنه فعل ما له أن يفعل فإن قيل جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كان ذلك ربط التكليف بلبس وعماية.
١٤٦- وهذا الذي ذكروه ينقضه وجهان: أحدهما: المعارضة بمناقضات لا درء.
لها فإن الأمة أجمعت على وجوب قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار ثم العمر وقتها على الفسحة وكذلك الكفارات والذي ذكره هؤلاء يقتضي مساقة امتناع وجوب شيء على الفسحة وليس ما اعتمدوه متلقى من قضية الصيغة لدى الإطلاق وإنما هو مبني على استحالة ذلك في مقتضي الوجوب.
والذي يوضح هذا المسلك من غير استشهاد بمسألة أن العقل لا يحيل اقتضاء شيء على الإيجاب مع تقدير عمر المخاطب ظرفا له ولا يخالف في تجويز ذلك مخالف فيبينه وفي الاعتراف بهذا سقوط أصل الكلام فقولنا فيما استنكروه على صيغة التقسيم في اللفظ المطلق كقولهم في الصيغة المقيدة بجواز التأخير فهذا وجه في الجواب كاف.
والوجه الثاني: في تعيين قسم من الأقسام التي ذكروها والمقطوع به أن المخاطب إذا مات بعد الإمكان ولم يمتثل لقى الله ﷾: عاصيا وللفقهاء في هذا اختباط [طويل] لسنا لذكره الآن ولكن ما رأيناه مقطوعا به [أجزناه] ولا مبالاة بقول من يقول من الفقهاء إنه مات غير عاص.
١٤٧- وما ذكروه على ذلك من ارتباط الأمر بجهالة في العاقبة تهويل لا تحصيل له فإن هذا النوع من الجهالة محتمل وإنما الممتنع جهالة تمنع فهم الخطاب أو إمكان الامتثال أما ما يمنع فهم الخطاب فبين وأما ما ينافى الإمكان فهو مثل أن يقال لشخص أعتق عبدا من عبيد الدنيا وهو معين عند الامر ولم يعينه للمخاطب.
[ ١ / ٧٦ ]
فإن وافق عتقه تقديره كان ممتثلا وإن لم يوافقه عرضه للعقاب فهذا ينقدح وجه امتناعه على ما سيأتي شرحنا عليه في كتاب النواهي إن شاء الله تعالى.
فأما تكليف المرء شيئا مع تقدير عمره مهلة وفسحة وهو أنه إن امتثله فاز بالأجر وإن أخلى العمر منه تعرض للمعصية فلا استحالة في هذا.
١٤٨- ومما تمسك به هؤلاء وهو قريب المأخذ مما سبق أن قالوا إذا اقتضت الصيغة إيجابا فالواجب ما لا يجوز تركه واتصاف المأمور به بالوجوب ناجز فليمتنع تركه إذ لو جاز تركه في الزمان الأول من أزمنة الإمكان لما كان متصفا بالوجوب فيه وهذا قد استهان به من لم يحط بالحقائق وهو صعب عسر وربما يحرر ذلك فيقال الواجب ما يتعين الإقدام عليه فإذا لم يتعين الإقدام عليه في الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وهذا مع إعواصه لا يتأتى للقوم التعلق به لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير كما سبق ذكره في الطريقة الأولى ولكن الإشكال قائم في النفس في الصورة المتفق عليها.
١٤٩- وقد تردد جواب القاضي ﵀ في هذا المقام لاستشعاره إشكال الكلام فمما ذكره أن التأخير عن الزمان الأول إنما يسوغ ببدل قائم مقام الفعل المقتضى ولولاه لسقط حكم الوجوب على ما اقتضاه مساق الطريقة ثم زعم أن البدل هو العزم على الامتثال في الاستقبال وقال من أخر الامتثال غير مخطر بباله العزم عصى ربه تعالى ثم يتعرض له كذلك في كل وقت يتعين ويتردد بين الامتثال وبين العزم إلى آخر وقت الإمكان ثم ذلك الوقت يتعين [للفعل] .
١٥٠- وهذا خروج عظيم عن مسلك التحقيق وفيه أولا التزام أمر اقتحاما عليه من غير أن يشعر اللفظ به وقد صار هذا الحبر إلى الوقف في أصل الصيغة من حيث إنه لم يسنح له من اللفظ وجه قاطع ثم التزم في مساق الكلام بإثبات العزم الذي ليس في اللفظ إشعار به وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع [وهي] أنه إذا وجب في كل وقت الفعل أو العزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا فإن من مذهبه وأصل كل محقق أن الواجب من خصال كفارات اليمين واحد لا بعينه فإذا ردد في كل وقت تخييره بين الفعل والعزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا جزما وردد الوجوب بينه وبين غيره فالواجب بينه فالواجب إذا أحدهما ثم إنما كان يستقيم ما ذكره لو ساعده نقلة الشريعة وقد أجمع المسلمون قاطبة على أنه لا يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت لا يتفق الامتثال فيه ولو لم يخطر للمخاطب عزم أصلا.
[ ١ / ٧٧ ]
وجرى منه الامتثال في أثناء العمر والواجب على التخيير فليس من العلماء من يعصيه لتركه العزم فيما سبق.
١٥١- وكذلك من صار إلى اتصاف الصلاة بالوجوب في أول وقتها مع اتساع الزمان فلا نقول يجب على المكلف أن ينتبه لأول الوقت فلا يخليه عن فعل أو عزم ولكن لو أضرب عنه ثم أقام الصلاة في وسط الوقت لم ينسب إلى المعصية ولم يبؤ بالإثم.
١٥٢- والذي أراه في طريقة القاضي ﵀ أنه إنما يوجب العزم في الوقت الأول ولا يوجب تجديده ثم يحكم بأن ذلك العزم ينسحب حكمه على جميع الأوقات المستقبلة وهذا كانبساط النية على العبادة الطويلة [مع عزوب] النية ولا ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا على أنا لا نرى ذلك رأيا.
١٥٣- فإن قيل فما وجه الجواب عن السؤال وكيف السبيل إلى حل الإشكال قلنا قد اشتهر من مذهب الشافعي ﵁ المصير إلى أن الصلاة تتصف بالوجوب في أول الوقت وظهر خلاف أبي حنيفة له ﵁ ثم صح من.
نصه واتفاق ذوي التحقيق من أصحابه أن من أخر الصلاة عن أول وقتها ومات في أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإن كان كذلك فلا معنى عندي لوصف الصلاة بالوجوب في أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت في أول الوقت لوقعت على مرتبة الواجبات وأجزأت وهي على القطع كالزكاة تعجل قبل حلول الحول ولا يدرأ هذا التحقيق قول الفقهاء إن عبادات الأبدان لا تقدم على أوقات وجوبها فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف ما استبعدوه قطعا.
وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة في ذلك إذا استنكروا الوجوب على حكم جواز التأخير كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى وإن تفطنوا لنفي المأثم في الصلاة وسلم لهم ذلك فلا وجه لمناكرتهم ومناظرتهم مع تسليم ذلك فإن أصر مصر على المخالفة لم ينتظم ذلك إلا مع تأثيم من يموت في أثناء الوقت فقد ذهب إلى ذلك شرذمة من الأصحاب فهذا قولي في الأمر المؤقت.
فأما الأمر المسترسل على العمر فالذي أراه فيه أن من أخره فلا يقطع القول فيه بنفى الإثم عنه ولا يطلق إلا مشروطا فعلى هذا إذا الحج واجب على المستطيع في أول سنة الاستطاعة وعليه لو أخر الخطر في التعريض للمأثم والخوف في نفسه.
[ ١ / ٧٨ ]
ألم ناجز وهذا معنى قول القائل من مات ولم يحج انبسطت المعصية على جميع سنى الإمكان فليفهم الناظر ما ذكرناه.
والذي يكشف الغطاء فيه أن الواجب المحقق المضيق لا يتميز عما ليس واجبا بوقوع العقاب بالتارك لا محالة فإن فضل الله مأمول وأمور العاقبة غيب فيئول حاصل الأمر إلى الرهب والخوف وليس بعد هذا البيان بيان وهو نجاز الطريقة.
١٥٤- ومما تمسك به أصحاب الفور النهي [على] النسق المقدم في مسألة التكرار فقالوا النهي يتنجز مقتضاه فليكن الأمر في معناه وقد سبق الكلام على النهي.
والذي نجدده الآن أن الخوض في هذه المسألة مشروط بالتوافق على أن الصيغة لا تقتضي استغراق الأوقات وإذا كان كذلك فالنهي بالاتفاق يقتضي الاستغراق فكيف يتجه تنزيل الأمر على النهي.
ومما تعلق به المتكلفون أن قالوا يجب الاعتقاد على الفور فليكن الامتثال كذلك وقد أوضحنا أن الاعتقاد أمر كلي لا اختصاص له بصيغة خاصة وإنما هو حكم جملي يتعلق بتطويق الشريعة وتصديق منهيها صلوات الله عليه وسلامه وهو يجري في الأمر المقيد بجواز التأخير كما سبق.
وشرطنا قبض الكلام بعد الوضوح وإعداد جمام التقرير للمشكلات فهذا منتهي مسلك أصحاب الفور.
١٥٥- فأما من لم ير الفور وجوز التأخير فمن مسالكهم ما ذكره القاضي أبو بكر رحمة الله عليه معتمدا لنفسه في اختيار هذا المذهب وذلك أنه قال الأوقات يعبر بها عن حركات الفلك واعتقاب طلوع الشمس وغروبها وهذه المعاني لا تعلق للتكاليف بها فإنها خارجة عن متعلق إرادات المكلفين واعتقاد ارتباط تعلق الامتثال المتلقي من الصيغة المطلقة بها بمثابة اعتقاد تعلق الامتثال بتارات وحالات تطرأ كالتغيم والإصحاء وغيرهما فالوجه فهم الامتثال وقطعه عن الأوقات فإن كان يجوز تقدير تعليق التكليف بها تصريحا وتقييدا فيجوز فرض ذلك في التارات التي ذكرناها من التغيم والصحو وربما عضد كلامه الذي استاقه في نفي تعيين الزمان بالمكان فإن المكان لا يتعين وإن كان الفعل يقع في مكان لا محالة فليكن الزمان كذلك.
[ ١ / ٧٩ ]
وقد تكلف بعض أصحاب الفور وزعم أنه يتعين للامتثال المكان الذي يصادف المخاطب فيه الإمكان في أول الزمان وهذا وإن كان كذلك فهو ساقط من جهة أن هذا إنما يثبت لاعتقاد تعين أول الزمان وفي مفارقة المكان تأخير عن أول الزمان فكان ذلك من حكم الزمان لا من حكم المكان.
وهذا الذي ذكره ﵀ بالغ في التخيل وقد [يكيع] عنه من ليس بذي حظ وافر في التحقيق.
١٥٦- وسبيل مفاتحته بالكلام أن نقول الابتدار إلى الامتثال أو تجويز التأخير مما لا ينكر عده من مقاصد الآمرين ولذلك تنافس المتنافسون ومن عد النظر في هذا الفن من قبيل النظر في تقدير ارتباط الامتثال بالتغيم والإصحاء فقد جانب الإنصاف واستوطأ مركب الإعتساف وهذا لا خفاء به قبل الخوض في المحاجة وحل ما موه به.
ثم الذي يخطر له ما ذكرناه من البدار ونقيضه قد لا يخطر له الوقت والزمان وحقيقتهما فاستبان أن ما ذكره ليس بالمرضى في مساق التحقيق ويطرد في عرف المتخاطبين البحث عما ذكرناه ويبعد البحث عما استشهد به من الحالات والتارات فكان تقدير مبادرة الامتثال في حكم غرض من الآمر يفرض فهمه والإحاطة به من غير نظر في الوقت.
١٥٧- ثم القول [الحق] فيه أن الأمر اقتضاء ناجز والمقتضى مطلوب على [الوجوب] وحق الوفاء بالطلب التنجيز مع الإمكان فمن أراد مداراة هذا بالإيهام [بذكر] الأوقات وخروجها من الإرادات فقد أبعد.
١٥٨- ومما تمسك به الفقهاء الصائرون إلى أن الامتثال هو المطلوب في أي وقت فرض أن قالوا إن الأمر يمثل بالبر في اليمين وإذا قال القائل لأدخلن الدار لم يتعين لإقسامه الوقت الأول ولكن مهما فرض الدخول كان برا وقد أوضحنا أن هذا المسلك مدخول فإنه قياس لفظ على لفظ مع العلم بتغاير معاني الصيغ وتفاوت قضاياها عند تغاير محالها ثم قول القائل لأدخلن الدار في حكم وعد مؤكد بالقسم والأمر طلب ناجز فليقتض الوفاء الناجز وهذا وإن كنت لا أرضاه فلم أورده معتمدا عليه وإنما ذكرته لإظهار إمكان تخيل الفرقان بين الصيغتين.
[ ١ / ٨٠ ]
١٥٩- فأما من قال من أصحاب الوقف إن من بادر إلى إيقاع الفعل المطلوب لم يقطع بكونه ممتثلا فهذا مجاحدة وخروج عن حكم اللسان بديهة وضرورة فإن من أطلق الصيغة [ولم تثبت] قرينة تقتضي التأخير فالمخاطب إذا ابتدر عد مسارعا إلى الطاعة [وكان ممتثلا قطعا] ومن أنكر هذا فهو.
ملتحق بمن يعاند في مظان الضرورات فالذي يجب القطع به أن المبتدر ممتثل والمؤخر عن أول زمان الإمكان لا يقطع في حقه بموافقة ولا مخالفة فإن اللفظ صالح للامتثال والزمان الأول وقت له ضرورة وما وراءه لا تعرض له.
١٦٠- فإن قيل: قد أجريتم في أثناء الكلام لفظة واقعة إذ قلتم إن الطلب ناجز قلنا لا يستقل هذا الكلام بإثبات غرض فإن الطلب ليس مجحودا وإنما محل التردد أنه طلب مقتضاه إيقاع المطلوب ناجزا أو هو طلب مرسل مقتضاه إيقاع المطلوب في أي وقت كان ومن ظن أنه يسلم له أن الأمر طلب إيقاع ناجز فقد طمع في تسليم المسألة من غير دليل.
١٦١- وإذا نجزت المباحثة عن هذه المآخذ فالذي أقطع به أن [المطالب] مهما أتى بالفعل فإنه بحكم الصيغة المطلقة موقع المطلوب وإنما التوقف في أمر آخر وهو أنه إن بادر لم يعص وإن أخر فهو مع التأخير ممتثل لأصل المطلوب وهل يتعرض للإثم بالتأخير فقيه التوقف.
وأما وضع التوقف في أن المؤخر هل يكون كمن يوقع ما طلب منه وراء الوقت الذي يتأقت به الأمر حتى لا يكون ممتثلا أصلا فهذا بعيد فإن الصيغة المطلقة مسترسلة ولا اختصاص لها بزمان وعن هذا أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق [إن لم] يجز تأخيره [فقد امتثل] فإذا فرض تأخيره ثم إقامته فليس ما أقيم مقضيا قضاء وإنما هو مؤدي حتى كأن الذي يوجب الفور يقدر للأمر غرضين أحدهما إيقاع المطلوب والثاني البدار به ولن يبلغ الزمان الأول في الإمكان مع اعتقاد الفور والبدار فيه مبلغ الوقت المؤقت في صيغة اللفظ وهذا واضح بين لا إشكال فيه.
وكأن هذه الطريقة التي استقر عليها الاختيار تجمع محاسن المذاهب كلها من النظر إلى استرسال اللفظ وتوقع اللوم والقطع بالامتثال للمبادر ورد التوقف إلى اللوم في التأخير مع القطع بوقوع الفعل مهما وقع امتثالا فإن اللفظ لا اختصاص له بوقت معين.
[ ١ / ٨١ ]
مسألة [لفظية]:
١٦٢- ذهب القاضي أبو بكر ﵀ في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به والندب أمر على الحقيقة وهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر ما يقتضي الإيجاب.
قال القاضي المندوب إليه طاعة ولم يكن طاعة لكونه مرادا لله تعالى فإنا لا نمنع أن لا يريد الله تعالى طاعة زيد ويأمره بها ويريد عصيانه وينهاه عنه فلا يتلقى كون الشيء طاعة من الإرادة على مذهب أهل الحق فلم يبق إلا كونه مأمورا به.
وهذا الذي ذكره القاضي ﵀ رام به مسلك القطع وليس الأمر على ماظنه فإنه يتجه أن يقال: المندوب إليه طاعة من حيث كان مقتضى ممن له الإقتضاء فمن أين يلزم أن كل اقتضاء أمر؟ وهذه المسألة ليس فيها فائدة وجدوى من طريق المعنى فإن الإقتضاء مسلم وتسميته أمرا يؤخذ من اللسان لا من مسالك العقول ولا يمكن جزم الدعوى على أهل اللغة في ذلك فقد يقول القائل ندبتك وما أمرتك وهو يعني ما جزمت عليك الأمر وقد يقول أمرتك استحبابا فالقول في ذلك قريب ومنتهاه آيل إلى اللفظ.
مسألة:.
١٦٣- ذهب بعض أئمتنا ﵏ إلى أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وهؤلاء قدروا عين الأمر نهيا وزعموا أن اتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قربا من شيء بعدا من غيره.
والذي مال إليه القاضي ﵀ في آخر مصنفاته أن الأمر في عينه لا يكون نهيا ولكنه يتضمنه ويقتضيه وإن لم يكن عينه.
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه والأمر بالشيء نهى عن جميع أضداد المأمور به.
وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وقول [القائل]: افعل أصوات منظومة معلومة وليست هي علم نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل فلا يمكنهم أن يقولوا الأمر هو النهي فقالوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن أضداده تضمنا كما ذهب إليه القاضي ولكن الأمر عند القاضي هو القائم بالنفس.
[ ١ / ٨٢ ]
ونحن نقول أما من قال [إن] الأمر هو النهي بعينه فقوله عرى عن التحصيل فإن القول القائم بالنفس الذي يعبر عنه بافعل مغاير للقول الذي يعبر عنه بلا تفعل وممن جحد هذا سقطت مكالمته وعد مباهتا وهذا القدر كاف في إسقاط هذا المذهب.
وأما ما ذكره القاضي ﵀ آخرا من أن الأمر بالشيء ليس عين النهي ولكنه يقتضيه ويتضمنه فليس يعني بهذا الإقتضاء الذي أطلقه المعتزلة فإن ذلك الإقتضاء الذي ذكروه راجع إلى فهم معنى من لفظ مشعر به وهذا لا يتحقق في كلام النفس فإن ما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره وإنما هو معنى في نفسه وذاته على حقيقته وخاصيته فالمعني بالاقتضاء على رأى القاضي أن قيام الأمر بالنفس يقتضي أن يقوم بالنفس معه قول هو نهى عن أضداد المأمور به كما يقتضي قيام العلم بالذات قيام الحياة بها ولا معنى لما قال غير هذا وهذا باطل قطعا فإن الذي يأمر بالشيء قد لا يخطر له التعرض لأضداد المأمور به إما لذهول وإما لإضراب فلم يستقم الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي.
١٦٤- وإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا وهو أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن أضداده ونحن نخصص إثبات هذا المختار بذكر حقيقة المسألة.
فنقول الامر بالشيء متردد بين أن يكون ذاكرا لأضداده وبين أن يكون ذاهلا عنها فإن كان ذاهلا فالذي قدمناه بالغ فيه ولا خفاء بأن الذاهل عن الشيء غير عالم به ويستحيل أن يقوم بالنفس قول متعلق بالشيء مع الذهول عنه فأما إذا كان ذاكرا للأضداد عالما بأن الاتصاف بالشيء منها يمنع إيقاع المأمور به فقد يتخيل المتخيل في هذه الحالة أنه يقوم بالنفس نهى عن أضداد المأمور به [المقتضى] فإذا كان كذلك فليس الزجر عن الأضداد مقصود الآمر وإنما يخطر له النهي لو خطر ليكون الانكفاف عن الأضداد ذريعة إلى إيقاع الامتثال وليس تقدير خطور أمرها بالبال متضمنا قيام زجر عنها مقصود والذي يجرد قصده إلى النهي عن شيء يعلم قيام [زجر] عنه مقصود بذاته والذي يحقق الغرض فيه فرض أمر مستحيل يشعر بتكميل الغرض وهو أن الآمر لو قدر تجويز مجامعة الأضداد لكان لا [يأبى] وقوعها مع المأمور به ولو نهى عنها قصدا لأباها فإذا خطور الانكفاف عن الأضداد ببال الآمر آيل إلى امتناع المأمور به خلقة معها لا إلى قصد نفي الأضداد وهذا نهاية الوضوح.
[ ١ / ٨٣ ]
١٦٥- فأما من قال النهى عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه فقد اقتحم أمرا عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة على ما سنذكر ذلك في باب النهي فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء مقدر مباحا إلا وهو ضد محظور فيقع من هذه الجهة واجبا فإن ترك المحظور واجب وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
١٦٦- ومن قال الأمر بالشيء نهى عن الأضداد أو متضمن للنهي عن الأضداد وليس النهي عن الشيء أمرا بأحد الأضداد من حيث تفطن لغائلة الكعبي فقد تناقض كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور [به] دون الانكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهى عنه دون الاتصاف بأحد الأضداد ولا يمتنع وجوب شيء من أشياء فهذا نجاز المسألة.
مسألة.
١٦٧- إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الإقتضاء أجزأ وكفى والمسألة مترجمة بأن موافقة الأمر تتضمن الإجزاء [أم لا]؟.
وذهب بعض المستطرفين في علم الأصول من الفقهاء إلى أن الإجزاء لا يثبت إلا بقرينة وإن وقع الفعل على حسب الاقتضاء وسقوط هذا المذهب واضح لا حاجة إلى تكلف فيه ولكن تحرير الكلام على أوقع وجه وأقربه أن نقول لمن يشبب بالخلاف في المسألة أتسلم أن الأمر لا يقتضي حالة الإطلاق تكرير الفعل المقتضي فإن لم يسلم ذلك رددنا الكلام إلى المساق المقدم في الرد على أصحاب التكرار وإن سلم ذلك وقد وقع الامتثال فلا معنى للإجزاء إلا قيام المخاطب بموجب الأمر من غير أن يبقى طلبة من قضية الأمر فلئن فرض فارض اقتضاء أمر آخر فلا بد من تقدير أمر جديد ولا منع من تقدير ذلك ولا يتصور مع هذا الفن من الكلام مرادة وتشبيب باعتراض.
١٦٨- فإن قيل الحاج إذا أفسد حجة فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه كما أمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاح حج صحيح فلم يقع إذا مضيه مجزئا عنه وإن كان مأمورا به وهذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع.
[ ١ / ٨٤ ]
فنقول إن كان ما خاض فيه أولا حجا صحيحا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم دائم والإفساد مناف للحج لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد مختص بالحج فثبت الجريان في الفاسد بأمر وبقى على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي وهذا لا غموض فيه.
وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعذر الإحصار وحظ الأصول في هذه المسائل تقدير أمر جديد في كل مالا يتلقى من الأمر الأول وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به ولست أرى هذه المسألة خلافية ولا المعترض فيها بإشكال الفقه معدودا خلافه.
مسألة:
١٦٩- الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور به إليه في وقوعه فإذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة فالأمر بالصلاة الصحيحة يتضمن أمرا بالطهارة لا محالة وكذلك القول في جميع الشرائط وظهور ذلك يغني عن تكلف دليل فيه فإن المطلوب من المخاطب إيقاع الفعل الصحيح والإمكان لا بد منه في قاعدة التكليف ولا تمكن من إيقاع المشروط دون الشرط.
فإن قيل لا يتأتى في مطرد العرف استيعاب الوجه بالغسل دون أخذ أطراف من الرأس وليس غسل الرأس مأمورا به قلنا إذا كان لا يتأتى استغراق محل الفرض إلا بما ذكره المعترض فلا بد منه ولكن ليس ما ذكره من قبيل الشرائط التي اعتنى الشرع بإثباتها والتنصيص عليها فإنها قد تثبت مقصودة للشارع في مساق أمره وما ذكره السائل آيل إلى حكم التأتى المعتاد.
وكذلك القول في استصحاب الإمساك عن المفطرات في جزء من الليل آخرا وفي جزء من منقطعه أولا إذ ليس من الممكن حصر الإمساك في النهار من غير أخذ طرفين من الليلتين فقد قال المحققون ما كان كذلك فليس مقصود العبادة ولا نطلق القول بأنه شرطها الواقع مقصودا شرطا ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص النية بالإمساك الواقع في النهار فلو كان الإمساك المستظهر به من العبادة لوجب بسط النية عليه.
[ ١ / ٨٥ ]
١٧٠- فالقول في ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:.
أحدها: يتعلق بالمتلقى من صيغة الأمر وهو المقصود.
والثاني: يتلقى مما يثبت فيما سبق شرطا وهذا مستفاد من الأمر بالإيقاع وإن لم يكن ما قدر شرطا جزءا من المأمور به وليس يخرج الشرط عن كونه مقصود الشارع ﵇ وهو ثابت في مقتضى الأمر بالمشروط وصيلة ووسيلة [شرعية] .
والقسم الثالث: ما يتعلق بالإمكان وليس مقصودا للشارع ولا مشروطا ولا شرطا ولكنه في حكم الجبلة يضاهى الشرط وإن لم يكن شرطا شرعا وهذا له التفات إلى الانكفاف عن أضداد المأمور به في محاولة امتثال الأمر [كما تقدم ذكره فليس الانكفاف مقصود الآمر ولكن لا بد منه في إيقاع المأمور به] .
فإن قيل: أيجب على سكان البوادي أن يسعوا في ابتناء مدينة ليقيموا الجمعة فيها قلنا هذا الآن من فن الخرق فإن المتبدين غير مأمورين بالجمعة ولو أمروا بها مع كون الجمعة مشروطة بالبنيان لوجب عليهم أن يسعوا في تحصيله.
هذه جملة من الكلام في الصيغة المطلقة ونحن نذكر الآن الصيغة المقيدة ووجوه التقييد فإذا نجز ما يتعق بهذا القسم مذهبا وخلافا وقد تقدم القول في [الصيغة] المطلقة فنذكر بعد نجاز القسمين مسائل في أحكام الأوامر لا تختص بالإطلاق والتقييد.
[ ١ / ٨٦ ]