٧٩٦- ومما ذكره الجدليون وتردد فيه القاضي الطرد والعكس فذهب كل من يعزي إليه الجدل إلى أنه أقوى ما يثبت به العلل وذكر القاضي١ أبو الطيب الطيري أن هذا المسلك من أعلى المسالك المظنونة وكاد يدعى إفضاءه إلى القطع وإنما سميت هذا الشيخ لغشيانه مجلس القاضي مدة واعتلاقه أطرافا من كلامه ومن عداه حثالة وغثاء.
٧٩٧- واستدل هؤلاء بأن الغرض الأقصى من النظر والمباحثة عن العلل غلبة الظن وهذا المقصود يظهر جدا فيما يطرد من غير انتقاض وينعكس وكأن الحكم يساوقه إذا وجد وينتفي إذا انتفى وإذا غلب على الظن تعليق الحكم المتفق عليه في الأصل المعتبر بمعنى فلم يبطل كونه علة بمسلك من المسالك فقد حصل الغرض من غلبة الظن وعدم الانتقاض وينزل ذلك منزلة الإخالة السليمة لدى العرض على الأصول وللقاضي صغو ظاهر إلى ذلك.
ثم ظهور الدليل يرتبط بالطرد والعكس وهو في العكس أبين من جهة أن الطارد في محل النزاع مدع اطراده وهو منازع فيه لا محالة والدليل يستند ظهوره إلى الاتفاق على الانعكاس.
٧٩٨- وهذا من غوامض الفصل فإن الانعكاس ليس شرطا في العلل السمعة عند جماهير الأصوليين والطرد شرط ثم الذي هو شرط الصحة وركنها ليس دليلا على الصحة والذي لا يشترط وهو الانعكاس ينتهض دليلا.
٧٩٩- وذهب بعض الخائضين في هذا الشأن إلى أن الأمر بهما جميعا يتم فإن محل التمسك مساوقة الأمر الذي يقال إنه علة وذلك تقرر بثبوته إذا ثبت وانتفائه إذا انتفى.
٨٠٠- وقال القاضي في معظم أجوبته لا يجوز التعلق بالطرد والعكس في.
_________________
(١) ١ القاضي أبو الطيب الطبري هو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الفقيه شيخ الشافعية سمع الحديث بجرحان من أبي أحمد الغطريفي وبنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي وعليه درس الفقه أيضا وكان ثقة دينا ورعا عالما بأصول الفقه وفروعه حسن الخلق مات سنة ٤٥٠ عن مائة سنة وسنتين له ترجمة في البداية والنهاية ١٢/٧٩، ٨٠.
[ ٢ / ٤٤ ]
محاولة إثبات العلة فإن الطرد لا يعم في صور الخلاف على وفاق إذ لو كان يعم لما ثبت الخلاف في المحل الذي يدعى الطارد الطرد فيه والعكس ليس شرطا في العلة التي تجري دليلا وعلامة فقد صار الطرد واقعا في محل النزاع وبعد اعتبار العكس من جهة أنه غير معتبر كما سنذكره على أثر هذا الفصل ومن التزم نصب شيء علما لم يلتزم نصب نفيه علما في نفي مقصوده كما سيأتي الشرح عليه في مسلك العكس إن شاء الله تعالى فالطرد إذا متنازع فيه والعكس ليس من مقتضيات نصب الإعلام والعلامات.
وقال أيضا: معتمدنا في قاعدة القياس تأصيلا وفيما يرد ويقبل تفصيلا ما يصح عندنا من أمر الصحابة ﵃ فما تحققنا ردهم إياه رددناه وما تحققنا به عملهم قبلناه وما لم يثبت [لدينا فيه ثبت تعديناه فإنا على قطع نعلم أن جميع وجوه النظر ليست] مقبولة ولا مردودة والعقول لا تحتكم فيها مصححة ولا مفسدة فإنها إنما تحكم على الأنفس وصفاتها وما هي عليه من حقائقها والعلل السمعية لا تدل لذواتها فإذا ثبت هذا فقد رأينا الصحابة ﵃ ينوطون الأحكام بالمصالح على تفصيل لها.
فأما الطرد والعكس فلم يؤثر عنهم التعلق به وليس هو من معنى طلب المصالح [في شيء] حتى يقال استرسالهم في طريق الحكم بالمصالح من غير تخصيص شيء منها يقتضي التعلق بالطرد والعكس.
٨٠١- وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر عندي فإن الغاية القصوى في مجال الظنون غلبتها متعلقة بقصد الشارع والمصالح التي تعلق بها صحب الرسول ﷺ لم يصادفوا في أعيانهم تنصيصا من رسول الله ﷺ وتخصيصا لها بالذكر ولو صادفوا ذلك لما كانوا متمسكين بالنظر والرأي فإن معاذا جر الأمة لم يذكر الرأي في القصة المشهورة إلا بعد فقدان كل ما يتعلق به من الكتاب والسنة ولا نراهم كانوا يرون التعلق بكل مصلحة فالوجه في تحسين الظن بهم أنهم كانوا يعلقون الأحكام بما يظنونه موافقا لقول الرسول ﵇ في منهاج شرعه وكانوا يبغون ذلك في مسالكهم ولا يكاد يخفى على ذي بصيرة أن الطرد والعكس يغلب على الظن انتصاب الجاري فيهما علما في وضع الشرع فمن أنكر ذلك في طرق الظنون فقد عاند ومن ادعى أن الصحابة ﵃ كانوا يأبون التعلق بطريق يغلب على الظن مراد الشارع وكانوا يخصصون نظرهم بمغلب دون مغلب فقد ادعى بدعا.
[ ٢ / ٤٥ ]
٨٠٢- فإن قال قائل: لم ينقل ذلك في عينه فالسبب فيه أنهم كانوا ما أجروا ذكر أصل [واستنباطا] منه وإن كان ذلك هو الطريقة المثلى عند القايسين وما لا يستند إلى أصل فهو استدلال مختلف فيه ولكنهم ما اعتنوا إلا بذكر المعاني فاكتفوا بإطلاقها عن ذكر أصولها وما تكلفوا جمعا وإن كان الجمع معتبرا باتفاق النظار والمسائل لا تشهد بصورها ما لم تربط الفروع بها والذي تحصل منهم التوصل إلى ابتغاء غلبة الظن في بغية الشارع على أقصى الجهد.
٨٠٣- وأنا أقول: لو ثبت عندهم أو عرض عليهم انتفاء حكم عند انتفاء علم وثبوته عند ثبوته لابتدروه ابتدارهم الأخبار لا طرق النظر فإن ما ثبت من ذلك يعزى إلى الشارع في النفي والإثبات وكانوا يحومون على إشارته وتنبيهاته كما يتعلقون يظاهر ألفاظه وصريح عباراته فليقطع المحصل قوله بما انتهى إليه الكلام من الاستمساك بالطرد والعكس.
٨٠٤- وما ذكره القاضي من كون الطرد [متنازعا] فيه وكون العكس مستغنى عنه فمن التشدق والتفيهق الذي يستزل به من لا يعد من الراسخين وسبيل الكلام عليه أن نقول مجموعهما هل يغلب على الظن انتصاب ما اطرد وانعكس علما أم لا فإن زعم أنه لا يغلب انتسب إلى العناد وإن سلم إفادته غلبة الظن وقد تقرر أن القايسين غايتهم أن يظنوا ظهور علم على حكم وهم يعترفون بأن الجهات التي تفضي إلى غلبة الظن ليست منحصرة ومن تأمل مجارى كلامهم لم يسترب في أمرين.
أحدهما: أن الأولين ﵃ ما كانوا يشيرون إلى أمور محصورة مضبوطة يتبعونها اتباع من يقتفي اثار نصوص وتوقيفات ولو كانوا على ضوابط وحدود يتخذونها مرجعهم لما كانوا ينظرون فيه رأيا وإنما كان رجوعا إلى ضبط الشارع وتوقيفه فهذا أحد الأمرين.
والأمر الثاني: أنهم كانوا لا يرون حمل الخلق على الاستصلاح بكل رأى وإنما كانوا يحومون على قواعد الشريعة ويستثيرون منها ما يظنونه.
فيخرج من هذين الأمرين أن مبتغاهم كان أن يغلب على ظنهم مراد الشارع في علم يرتبط الحكم به.
٨٠٥- فإن قيل: إذا جعلتم الطرد والعكس مسلكا في إثبات علة الأصل فهل تشترطون العكس وما رأيكم فيه؟ قلنا: نعقد في ذلك مسألة وبها حصول الغرض على التمام فيما سبق وفيما سئلنا عنه.
[ ٢ / ٤٦ ]
مسألة: [في حكم اشتراط العكس في علة القياس] .
٨٠٦- ذهب بعض المنتمين إلى الأصول إلى أن الانعكاس لا بد منه في العلل وإن كانت مظنونة وذهب الجماهير إلى أن الانعكاس ليس شرطا في العلل السمعية المظنونة ونحن نورد ما لكل فريق ثم نوضح الحق والمقام الذي تشعبت منه الاراء فأما من شرط العكس فقد يأتي بأمر لفظي لا حاصل له ويقول العلل وإن كانت مظنونة فينبعي أن تكون على مضاهاة العلل [العقلية] القطعية حتى لا يفترقا إلا في كون أحداهما مظنونة والآخرى مقطوعا بها ثم العلل العقلية يجب انعكاسها فلتكن السمعية كذلك وهذا ساقط لا أصل له ولولا الوفاء بإيفاء ما ذكر في هذا المجموع وإلا كنا لا نذكر أمثال ذلك.
فنقول لهؤلاء: العلل العقلية لا حقيقة لها ومن طلب الإحاطة بذلك فهو محال على دقيق الكلام في العلة والمعلول ثم يقال لهم ما يسمى علة سمعية فهي أمارة في مسلك الظن وحقها أن تقابل بالأدلة العقلية ثم الأدلة العقلية إذا اقتضت في ثبوتها مدلولاتها لم يقتض انتفاؤها انتفاء مدلولاتها كالفعل إذا دل على الفاعل لم يدل عدمه على عدم الفاعل والإحكام إذا دل على علم المحكم له يدل التثبج على الجهل وكذلك الأمارات في سبيل الظنون إذا دلت على ثبوت أمر لم يدل انتقاؤها على انتفائه وهذا مما يستدل به من لم يشترط العكس.
٨٠٧- وقد تعلق الجمهور بأن العكس لو كان شرطا لوجب ألا يقتل إلا قاتل من حيث كان القتل علة قتل القاتل ولا يقتل المرتد فإذا كان الحكم الثابت لعلة يطرد مع ارتفاعها لثبوت علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك على أن الانعكاس ليس شرطا.
فإن قيل: امتنع الانعكاس لعلة فليقل الطارد وقد نقض عليه طرده إنما تركت حكم الطرد فيما التزمت لعلة فلما كان الطرد شرطا لم يكن بد من الاطراد فلو كان العكس شرطها لتعين ذلك أيضا وكذلك كل حكم يفرض تعلقه بعلل.
ولمن يشترط العكس أن يقول القتل الواجب بالقتل يعدم بعدم القتل وإنما الواجب عند عدم القتل قتل آخر ولكن المحل يضيق عن القتلات ويفوت بإيقاع واحد منها [به] .
والدليل على ذلك أنها مختلفة الأحكام على وجه لا يخفى مدرك اختلافه.
[ ٢ / ٤٧ ]
على الفقيه ويستحيل أن تختلف الأحكام في الشيء الواحد فإن ما يطرده هذا القائل في التحريم بالحيض والإحرام والعدة والردة ويزعم أنها أحكام فإذا زالت علة منها زال حكمها بزوالها وإنما الثابت حكم آخر وإن اتسم بسمة التحريم فدخول المختلفات تحت صفة واحدة عامة لا يوجب اتحادها.
وإذا ألزم هؤلاء الأدلة العقلية قالوا مجيبين: الفعل يدل على الفاعل وعدمه يشعر بانتفاء الفاعلية فإن الفاعلية هي وقوع الفعل على الحقيقة.
وأما الإحكام فلا حقيقة له والمثبج في حال تثبيجه محكم على معنى وقوعه على حسب مراد الموقع وبسط القول في هذا لا يحتمله هذا الفن وإذا خضنا في بيان المختار في ذلك عدنا إلى الأدلة العقلية عودة أخرى إن شاء الله تعالى.
٨٠٨- ومما يتعلق به من لا يشترط العكس أن يقول: انتفاء التحريم ورفع الحرج من الأحكام فإذا تعلق التحريم بعلم لم يجب أن ينتصب عدمه علما [لحكم] آخر ومن التزم نصب شيء علما لم يلزمه أن ينصب علما في نقيضه.
وهذا وإن كان مخيلا فلا تحصيل له فإن الانعكاس معناه انتفاء الحكم وانتفاء الحكم ليس حكما وقد ذكرنا فيما قدمنا أن الحل في التحقيق إن كان بمعنى رفع الحرج فليس بحكم وإن كان المعنى به أنه مخبر عنه في معنى حكم الحل فهو في هذا الحكم ملحق بالشرع على معنى أنه لم يتصل بالعقلاء قبل ورود الشرع خبر من له الأمر وإلا فالحرج منتف قبل ورود الشرع وقياس التحريم [أن يثبت التحريم ثم أصل] انعكاسه انتفاء التحريم لا ثبوت حكم آخر مناقض للتحريم فقد وهت هذه الطريقة.
٨٠٩- ومما تمسك بن بعض من نفى اشتراط الانعكاس ما قدمناه في أدراج [الكلام] من الأدلة العقلية فإنها إذا دلت بوجودها على مدلول لم يدل عدمها على عدمه ولا يخطر لم يعد نفسه حبرا في الأصول تفص عن هذا فإن الدليل العقلي مشعر بالمدلول قطعا والأمارة الظنية مشعرة بالمظنون ظنا ولو لم يشعر الدليل القاطع بمدلوله لم يكن دليلا عليه ولا شك أن إشهار القاطع بمتعلقه فوق إشعار الأمارة بالمظنون فإذا قوى الإشعار في الطرد كان اقتضاؤه الانعكاس أظهر ومع ذلك لم ينعكس الدليل فالمظنون بذلك أولى وهذا على وضوحه ساقط فلن يحيط بالانفصال عنه من لم يتلقف من حقائق النظر.
٨١٠- والقدر الذي يحتمله هذا الكتاب: أن تعليق الدليل العقلي بمدلوله لا.
[ ٢ / ٤٨ ]
حقيقة له والعلوم كلها ضرورية والنظر تردد في أنحاء العلوم الضرورية والعلم المسمى ضروريا هو الذي يهجم العقل عليه من غير فكر والنظر الأول الذي يلي [البديهي] الهجمي هو الذي يحوج إلى أدنى فكر وتجريد تفكر العقل نحو المطلوب ثم [ينبني] على الدرجة الأولى ثانية وعلى الثانية ثالثة فالسوابق تلتحق بالضروريات الهجميات.
٨١١- ولا بد من ضرب مثال يستعين به الناظر في هذه المسألة وفي نظائرها إذا انجر الكلام إلى الأدلة القطعية فنقول إذا تغير الجوهر فتغيره مدرك معلوم من غير مسيس الحاجة إلى فكر ثم يربط هذا الناظر فكره بأن هذا التغير جائز هو أم واجب فنعلم على القرب جوازه ولا ينتصب عليه شيء يتعلق بالجواز ولكن الطالب بفكره يدرك وهو ممثل بما يتأتى بناظر البصر بعض التأتي فإنه قد يحدق نحو بصره قليلا ثم إذا أدركه التحق بالمدركات التي تقرب منه ثم إذا علم جوازه فكر في أنه يقع بنفسه أم يستند إلى مقتض فيترتب عليه غير بعيد ويعلم على اضطرار أن الجائز لا يقع من غير مقتض ويلتحق هذا بالمراتب الضرورية ثم يفكر في تعيين المقتضى إلى حيث ينتهي نظره.
٨١٢- ومثال ذلك في الهندسيات: أن الأوليات المذكورة في المصادرات أمور تسليمية كقول القائل الكل أكثر من الجزء وكل شيئين يساوي كل واحد منهما [ثالثا] فهما متساويان ثم يبني الأشكال على أمثال هذه المقدمات وإذا أدركه كان العلم بها على نحو العلم بالمقدمات ولا معنى للدليل إلا بناء مطلوب على مقدم ضروري.
وقد يحتاج الناظر إلى قليل فكر وذلك يختلف باختلاف القرائح فقد يجرى الجواد جريانا لا [نحس] في أثنائه وقفاته إن كانت وقد يطول تردد البليد.
ومما يطرق الخلل إلى النظر الحيد عن السنن المفضي إلى مقصده وبيانه بالمثال أن الذي يبغي مقتضيا إذا حاد عن طلب الجواز وأخذ يفكر في الطول والعرض وللون فهذا حائد لا ينتهي إلى مقصده وقد يؤتى الناظر من نسيان المقدمات وإلا فالمشكل انقطاع مدركه كمدرك المقدمات في المقالة الأولى من كتاب الاستقصات.
٨١٣- فخرج من هذا التنبيه العظيم أن دليل العقل ليس شيئا متعلقا بمتعلق حتى يفرض فيه إشعار في الطرد ونقيض له في العكس.
والأمارات الشرعية مصالح تقتضى أحكامها وهي على التحقيق متعلقة بها فقد بان افتراق البابين والمطلوب بعد من حقيقة المسألة بين أيدينا.
[ ٢ / ٤٩ ]
وقد قالوا: إذا كانت العلامات الشرعية لا تقتضي أحكامها لأعيانها وإنا وجه اقتضائها لها نصب الشارع إياها وإن صح في ذلك نقل فهي علل منقولة [وإن لم يثبت نقل وظنها المستنبط كان نصب الشارع إياها] مظنونا فهي إذا كيف فرضت منصوبة تحقيقا أو ظنا.
ومن قال لمن يخاطبه: إذا أومأت إليك فاعلم أني أريد منك أن تقوم فعدم الإيماء لا يدل على عدم إرادة القيام فقد يريد منه القيام بعلامة أخرى وقد ينصب على الشيء الواحد أعلاما وهذا على التحقيق حكم العلل الشرعية وهذا هو التدليس الأخير وإذا نحن أوضحنا مسلك الحق فيه استفتحنا بعده تمام الكشف عن غاية البيان واختتمنا المسألة على وضوح لا مراء بعده.
- ٨١٤ فنقول: هذا القبيل الذي ذكره السائل من فن مالا يخيل ولا يناسب المستدعي فإن الإشارة لا تختص باقتضاء القيام لا عن علم ولا عن غلبة ظن وهي بالإضافة إلى القيام كهى بالإضافة إلى القعود فليفهم الناظر ذلك أولا وليتفطن له.
- ٨١٥ثم نقول بعد: هذه الصفات إذا نصبت أعلاما فإنها في غالب الأمر تذكر في مساق شرط أو على قضية تعليل فإن ذكرت على مساق لشرط فقد قررت في مسألة المفهوم أن انتفاء الشرط يتضمن انتفاء المشروط ومن خالف في القول بالمفهوم لم يخالف في الشرط واقتضائه نفى المشروط عند انتفاء الشرط.
فإذا لا نسلم أن ما يجري من هذه الصفات في مساق الشرط لا يقتضي [انتفاء عند فرض الانتفاء] وإن لم يجر صيغة الشرط في عينها وجرى في معناها فالأمر يجري هذا المجرى فهو بمثابة أن تقول إذا أومأت إليك فقم "فإذا" وإن لم تكن من أدوات الشرط فمعناه الشرط مع اقتضاء التأقيت على ما سبق الرمز إليه في معاني الحروف وإن جرت على صيغة التعليل فالتعليل أبلغ في اقتضاء النفى عند فرض انتفاء العلة وهذا مما سبق القول فيه أيضا في المفهوم فما ادعاه السائل من أن نصب الأعلام لا يقتضى انتفاء الأحكام عند انتفائها ساقط لا أصل له وهو إذا تأمله المتأمل مردود إلى القول بالمفهوم في الشرط والعلة فهذا صدر الكلام في ذلك.
- ٨١٦ولكنا مع ذلك لا نبعد أن تعلق المتعلق مشروط بأفراد شرائط بحيث يستقل ذلك المشروط بكل واحد منها مثل أن يقول: أن أتيتني [أو كاتبتني] أو ذكرتني بخير على ظهر الغيب أكرمتك فالإكرام متعلق بكل شرط من هذه الشرائط.
[ ٢ / ٥٠ ]
من غير أن يشترط اجتماعها وإذا كان التعلق على هذا الوجه لم يبعد أن ينتفي الإتيان ويثبت الإكرام لمكان المكاتبة أو لشرط آخر يفرض.
٨١٧- فإذا لاح هذا انعطفنا على الغرض وبحنا بالمقصود وقلنا: سيأتي في تفصيل الاعتراضات الصحيحة أن النقض مفسد للعلة في بعض الصور قطعا وفي بعضها بضرب من الاجتهاد وطرق القطع منحسمة ولكن النقض على حال ممثل بالخلف في الوفاء بالمشروط عند ثبوت الشرط.
فإذا قال قائل: إن جئتني أكرمتك فإذا جاءه ولم يكرمه كان ذلك في حكم الخلف ولو جرى إكرامه من غير مجيء كان هذا مخالفا لحكم الشرط من طريق التضمن ولم يكن معدودا خلفا صريحا فيفارق الطرد العكس مثل ما يفارق الخلف الوفاء بالمشروط عند وجود الشرط في إثبات مجيء المشروط دون الشرط.
وإذا قال القائل: إن جئتني أكرمتك وإن لم تجئني أكرمتك فالذي جاء به وإن كان على صيغة الشرط فهو خارج عن باب الشرط باتفاق أهل اللسان والتقدير أكرمك إن جئتني أو لم تجئني.
٨١٨- ونحن الآن نقول: من حكم كل ما يثبت علة أن ينعكس وأن يكون لوجوده على عدمه مزية ولو لم يكن كذلك لما كان لكون الشيء علة معنى ثم إذا كان الشيء مخيلا [وثبت كونه علة شرعا] فجهة اقتضاءه النفى عند انتفائه من جهة تأثير الإخالة وإن لم يكن مخيلا وثبت كونه علة شرطا فجهة اقتضائه النفى عن انتفائه كونه شرطا كما تقرر في قاعدة المفهوم ومع هذا كله لا يمتنع أن تنتفي العلة ويثبت الحكم بعلة أخرى وكذلك القول في الشرط من حيث أنه يجوز ربط مشروط بآحاد شرائط فإن لم يصح تعليل الحكم الواحد بعلل فيتعين العكس في كل علة ولكنه لو امتنع العكس لخبر أو إجماع فهذا الآن يستدعي مقدمة في النقض.
مقدمة في النقض.
٨١٩- فلو اطردت العلة على صور المعاني وتلقتها صورة تخالف حكمها في مقتضى الطرد وكان حكمها غير معلل ففي بطلان العلة بذلك كلام سيأتي مشروحا.
٨٢٠- فعدم الانعكاس لخبر أو إجماع موضع الخلاف فمن رأى ما قدمته نقضا اضطربوا في مثل هذه الصورة في العكس فذهب الأكثرون إلى أنه غير ضائر.
[ ٢ / ٥١ ]
فإن الانعكاس ضمن العلة كالمفهوم والنقض في حكم الوارد على نص الكلام.
وصار صائرون إلى أنا نتبين بتقاعد العلة عن مقتضاها بطلانها في طردها فهذا موضع الخلاف [في المسألة] .
٨٢١- والمختار إذا انتهى الكلام إلى هذا المجر أن هذا غير مبطل للعلة ولكن ينشأ من هذا الموضع فصل جدلي ممتزج بأمر ديني فنقول.
أولا: دينا حق على كل مجتهد أن يفتى بعكس العلة إذا لم يمنع من ذلك مانع ولم يحجز حاجز فإن اقتضى الانعكاس جهة في الاجتهاد فلا يجوز تعطيله ولكن إذا طولب في النظر فالوجه ألا يلتزم ما لأجله ترك العكس فإنه إذا ثبت جوازه ترك العكس بسب والكلام في محل العكس خارج عن محل الخلاف فمطالبة المعلل بإبداء العذر في ترك الانعكاس خروج عن المسألة إذ محل الطرد هو المعنى.
وسر المسألة قصر الكلام على المقصود وحصره في أوجز الطرق حتى تجدى وتثمر على قرب وكثب.
وكمال البيان فيه: إن من طرد علة فانتقضت علته ولاح الفرق بين صورة النقض ومحل التعليل فالعلة باطلة قطعا فإن ما انتهض فرقا صيغة في التعليل أخل المعلل بذكره فكأنه ذكر بعض العلة ولو تقاعدت العلة عن العكس وظهرت علة تقتضي امتناع العكس لم ينقدح ذلك في العلة بل كان ذلك عذرا عاما في عدم الانعكاس وقد نجز غرضنا من الكلام في الانعكاس الآن.
٨٢٢- وإنما أجرينا ذكر هذا الطرف وإن كان لائقا بباب الاعتراضات لاتصاله بالقول بالعلتين وبه تم إيضاح الغرض من هذا الفن وتقرر أنا لم نلف حكما متفقا عليه مرتبطا بعلتين مع تحقيق الاتحاد في الحكم.
وإذا كان كذلك فالحكم الثابت مع انتفاء العلة إن لم يستند إلى نص أو إجماع فهو مساو للحكم الأول في الاسم ومخالف له في المأخذ والحقيقة وهو كتعليلنا تحريم المحرمة بإحرامها ثم إذا حلت وكانت حائضا فهي محرمة وإن زال الإحرام ولكن تحريم الحيض مخالف لتحريم الإحرام في وصفه وكيفيته وكذلك إذا علل المعلل إباحة الدم بالقتل الموجب للقصاص ثم لم تنعكس العلة لمكان الردة أو غيرها من مقتضيات القتل فليس هذا من عدم الانعكاس فإن القتل الواجب بالقتل ينتفي بانتفاء القتل.
[ ٢ / ٥٢ ]
٨٢٣- فإن قيل: قد أنكرتم وجدان حكم معلل بعلتين فما قولكم في الولاية المطردة على الطفل والمجنون وهي قضية واحدة معللة بالجنون والصبا؟
قلنا: الولاية الثابتة على المجنون ضرورية إذ لا يتوقع من المجنون تصرف وفهم ونظم عبارة والولاية على الصبي المميز لمكان الغبطة وطلب الأصلح فإن الصبي يعقل ما يقول ويفعل ومن كان آنسا بتفاصيل الولايات لم يعدم فرقا بين الولاية على المجنون والولاية على الصبي [المميز] فإن فرض صبي غير مميز فهو المجنون بعينه ولا أثر للصبا ولا يقع به تعليل فإن الولاية الحقيقية بالصبا هي ولاية الاستصلاح.
٨٢٤- وقد تناهى الشافعي في [الغوص] على ما ذكرناه حتى لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعا إذا كانت إحداهما أقرب من الأخرى وقال القرب الأقرب يعدم أثر القرب الأبعد حتى كأنه ليس قريبا وكذلك الصبا مع سقوط التمييز ليس معتدا به وهذا آخر القول في تأصيل قياس المعنى وما تثبت به علل الأصول وقد حان الآن أن نحوم على قياس الشبه.
القول في قياس الشبه ١.
٨٢٥- ومن أهم ما يجب الاعتناء به تصوير قياس الشبه وتمييزه عن قياس المعنى والطرد ولا يتحرر في ذلك عبارة خدبة مستمرة في صناعة الحدود ولكنا لا نألوا جهدا في الكشف فقياس المعنى مستندة معنى مناسب للحكم مخيل مشعر به كما تقدم والشبه لا يناسب الحكم مناسبة الإخالة وهو متميز عن الطرد فإن الطرد تحكم محض لا يعضده معنى ولا شبه.
٨٢٦- وإنما يتضح القول في ذلك بالأمثلة ثم بالحجاج.
فإذا قلنا طهارة عن حدث أو طهارة حكمية فافتقرت إلى النية كالتيمم لم يكن قولنا طهارة عن حدث مقتضية من طريق الإخالة للنية ولكن فيه شبه مقرب لإحدى الطهارتين من الأخرى وقد عبر الشافعي٢ عن تقريب إحداهما من الأخرى
_________________
(١) ١ اضطرب الأصوليون في تعريف الشبه والمختار في تعريفه أنه وصف لا يناسب الحكم بذاته وإنما يناسبه لأنه أشبه الوصف المناسب بذاته وبيان ذلك أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم مصلحة مناسبة للحكم وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة لكن يطلع على وصف يظن أنه مظنة تلك المصلحة. قال الغزالي ولعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إلى قياس الشبه "أصول الفقه" ص ٣٢٨، ٣٢٩. ٢ سبقت ترجمته.
[ ٢ / ٥٣ ]
فقال: طهارتان فكيف تفترقان؟ وكذلك إذا، قلنا: غسل حكمي فلا يتعدى الظاهر إلى داخل الفم كغسل الميت فهو تشبيه مقرب وليس بمثابة الطرد الذي لا يخيل ولا يثير شبها مغلبا على الظن.
٨٢٧- ثم الشبه ينقسم إلى تشبيه حكمي وإلى [تشبيه] حسي.
فالحكمي ما ذكرناه والحسي كقول أحمد١ أحد الجلوسين في الصلاة فكان واجبا كالجلوس الأخير. وكقول أبي حنيفة: تشهد فلا يجب كالتشهد الأول وفي الشرع تعبد بالنظر إلى الأشباه الحسية الخلقية كالقول في جزاء الصيد والقيافة مبناها على النظر إلى الأشباه الجلية والشمائل الخفية.
٨٢٨- ولا ينتهي هذا المقدار إلى تمام البيان في تصوير قياس الشبه ونحن نزيد فنقول إلحاق الشيء بالمنصوص عليه لكونه في معناه متقبل مقطوع به وإن لم يكن الحكم المنصوص عليه معللا أو كان معللا ولم يطلع الناظر بعد [على] ذلك من حاله وقد قدمنا في ذلك قولا بالغا فما قرب من المنصوص عليه جدا بحيث يحصل العلم بالتحاقه فهو في الرتبة العليا وما بعد قليلا وعارض العلم نقيضه من ظن أو شك فهذا مما يغلب على الظن الالتحاق به من غير معنى وهو الشبه.
ثم تعليلات الظنون في درجات المظنون على مراتب فإذا تناهى البعد وثار بحيث لا يلوح مقتضى ظن ولا موجب علم فهو الطرد المردود.
٨٢٩- والشبه ذو طرفين أدناه قياس في معنى الأصل مقطوع به.
وأبعده لا يستند إلى علم ولا ظن وكل طارد ذاكر شبها حسيا أو حكميا لا يخيل ولا يغلب على الظن.
ومن أصدق ما تميز به الطرد عن الشبه أن تعليق الحكم بما يعد طردا يضاهى في مسلك الظن تعليق نقيضه به فلا يترجح أحدهما على الثاني إلا من جهة اطراد أحدهما فيما يبغيه الطارد ويدعيه والشبه يتميز عن هذا.
ونحن نبين ذلك بمثال يحوي المقطوع به في الرتبة العليا والشبه الذي نحن في محاولة تصويره والطرد الذي نرده.
فلو ثبت مثلا كون النية شرطا في التيمم لكان الوضوء في معناه قطعا وإلحاق الوضوء بالتيمم تشبيه ولا يليق بقول القائل طهارة حكمية نفى النية [فانماز] الشبه.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته.
[ ٢ / ٥٤ ]
المقبول به عن نقيضه وإذا قال الحنفي طهارة بالماء فأشبهت إزالة النجاسة كان ذلك طردا.
ولو قيل: طهارة بالماء فافتقرت إلى النية لم يكن في هذا بعد يناقض نفى النية حتى يقال نفي النية أليق اللفظ من إثباتها وإن انتصروا لذلك فغايتهم أن يقولوا ما ذكرناه شبه [خلقي] وقد هذى بعض المتأخرين فقال: الماء طهور بجوهره.
وغرضنا التنبيه على المنازل فإن استقام للخصم وجه من الشبه فالأصولي لا يعرج على مذاهب أصحاب الفروع ثم نزيد الكلام إن ناضل الخصم بشبيه إلى الترجيح [وسننبه] على مسلكه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
٨٣٠- ومما ذكره القاضي في تمثيل تعارض الأشباه القول في أن العبد المملوك هل يملك؟
فمن زعم أنه يملك شبهه في إمكان صدور التصرف منه بالحر واعتضد بأنه عاقل في جنسه يتأتى منه السياسة والإيالة والضبط والقيام على المملوكات وإنما يملك من يملك لذلك وللعبد فيه شبه بالحر وهذا يعتضد بتصوير ملك النكاح له.
ومن أبى تصوير الملك له تعلق بأنه على شبه المملوكات في استحالة الاستقلال وفي نفوذ تصرف المالك فيه على حسب تقدير النفوذ في المملوكات [جمع فشابه] المملوك الذي يقام عليه ولا يقوم بنفسه.
٨٣١- وهذا الذي ذكره ليس من قياس الشبه عندي فإن كل متعلق في المسألة في شقي النفي والإثبات منخرط في سلك المعنى المخيل المناسب ثم الإخالات على رتب ودرجات فمنها الخفي ومنها الجلي ومنها المتوسط بين الخفاء والجلاء.
ولعلنا أن نأتي في ضبك مداركها بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى.
٨٣٢- ومما أجراه القاضي في ضبط تصوير الشبه أن قال قياس المعنى هو الذي يستند إلى معنى يناسب الحكم المطلوب بنفسه من غير واسطة وقياس الشبه هو الذي يستند إلى معنى [و] ذلك المعنى لا يناسب الحكم المطلوب بنفسه ولكن ذلك المعنى يغلب على الظن أن الأصل والفرع لما اشتركا فيه فهما مشتركان في المعنى المناسب وإن لم يطلع عليه القايس.
٨٣٣- وهذا الذي ذكرناه على حسنه لا يضبط قياس الشبه فإنا نجري قياس
[ ٢ / ٥٥ ]
الشبه حيث لا يعقل معناه فيه تقريبا له من الذي يقال فيه إنه [في] معنى الأصل فإذا كان القياس ألشبهي يجري حيث لا معنى فلا توجه لضبطه بالإشعار بالمعنى المناسب.
وقد ينقدح في محل إمكان المعنى فيما ذكره القاضي [فضل] نظر فإن دركه إذا كان ممكنا للمجتهد لم يجز له الاجتزاء بالشبه بل عليه أن يبحث عما لا يشعر به الشبه من المعنى فإذا لاح للناظر الشبه المشعر [بالاجتماع] في المعنى كان ذلك في حكم السابقة المقتضية تتمة النظر.
وسنعود إلى تفصيل ذلك بكلام يشفى الغليل ونأتي على كل تفصيل إن شاء الله تعالى وإنما نحن الآن في تصوير الشبه ثم الكلام يقع وراء ذلك في الرد والقبول وإثبات الحق.
فصل:
٨٣٤- ومما أرى تقديم رسمه ربط الأحكام بالأحكام وهو كثير الجريان والجولان في أساليب الظنون كقول القائل من نفذ طلاقه نفذ ظهار إلى ما ضاهى ذلك وهذا ينقسم إلى ما يشعر بالمعنى المخيل [المناسب] إشعارا بينا وإلى ما يستعمل شبها محضا فالمشعر بالمعنى كما ضربناه من المثال استدلالا على نفوذ الظهار بنفوذ الطلاق فإنه يجمعهما اقتضاء كل واحد منهما تحريم البضع مع كون الزوج مالكا للبضع متمكنا من التصرف فيه والتحريم على وجه ينفرد باستدراكه أو على وجه مبين يستدعي رفعه عقدا مجددا والظهار محرم كالطلاق فربط أحدهما بالآخر يلوح منه المعنى الجامع بينهما.
٨٣٥- وهذا القسم سماه بعض المتأخرين قياس الدلالة من حيث إنه يتضمن شبها دالا على المعنى.
وهؤلاء قسموا الأقيسة إلى قياس المعنى وهو الذي يرتبط الحكم فيه بمعنى مناسب للحكم مخيل مشعر به.
وإلى قياس الدلالة وهو الذي يشتمل على ما لا يناسب بنفسه ولكنه يدل على معنى جامع وإلى قياس الشبه المحض وهو الذي لا يشعر بمعنى مناسب أصلا ولا يكون في نفسه مناسبا.
ثم اختيار النظار قياس الدلالة لإعرابه عن المقصود على القرب فإن المعنى لو
[ ٢ / ٥٦ ]
أبداه المعلل ونوزع فيه وفي مناسبته وطريق اعتباره وإشعاره لقال: التحريم إلى الزوج والله المحرم كتحريم الطلاق بالإضافة إلى الطلاق فإذا كان عقبى الكلام يستدعي الاستشهاد بالطلاق فذكر الطلاق أول مرة على الابتداء يتضمن المعنى ويصرح بالاستدلال عليه.
٨٣٦- فأما الحكم الذي هو شبه محض فهو كقول القائل: قربة ينقضها الحدث فيشترط فيها الموالاة قياسا للطهارة على الصلاة فانتقاض القربة بالحدث حكم وربط الموالاة بالحدث من طريق الشبه فليس في بطلانها بهذا الحكم ما يشعر باشتراط المتابعة على التحقيق.
٨٣٧- وقد يقرب من هذا القسم تشبيه الوضوء بالتيمم وتشبيه غسل الجنابة بغسل الميت.
ومما يلتحق بهذا القسم تصوير الشبه اعتبارنا التكبير في حكم التعيين وامتناع قيام غيره مقامه بالركوع الذي لا تقوم هيئة من الهيئات مقامه وإن تضمن خشوعا واستكانة تامة.
٨٣٨- والقاضي أحيانا يقول: ليس هذا بقياس فإن تعيين التكبير متناه على انحسام مسلك القياس وتحرير القياس في منع القياس مناقضة والتباس ولكن صاحب هذا المذهب يقرر ابتناء الصلاة على الاتباع ويوضح بعدها عن المعاني.
ونضرب في ذلك الأمثال للإيضاح لا للقياس.
وهذا يضاهي من سبل المعقولات المخاوضة في الضروريات فإن الاستدلال فيها محال ولكن المتمسك بدعوى الضرورة قد يبسط المقال ويضرب فيه الأمثال ويبغي بإيرادها اجتزاء مخالفة خصمه وارعواءه عن جحده وعناده.
وأحيانا يقول هذا قياس الشبه فيما لا يعقل معناه والجوابان متقاربان لا يظهر بينهما اختلاف المعنى.
٨٣٩- ومن تمام القول في تصوير ما نحن فيه: أن المعنى الذي ادعاه المعلل علة وعلما لم يظهر كونه مخيلا وإنما أثبت [المتمسك] به انتصابه علما من جهة الطرد والعكس ورأيت ذلك مسلكا في انتصاب المعنى علة فهذا في أصح أجوبة القاضي يلتحق بالشبه فإن المعنى هو المناسب وما يغلب على الظن انتصابه من غير إخالة.
[ ٢ / ٥٧ ]
فمسلكه الشبه فهذا بيان صورة قياس الشبه وما يلتحق به وهذا منتهى غرضنا من هذا التصدير في محاولة التصوير. وقد حان أن ننقل المذاهب في رد قياس الشبه وقبوله ونوضح الحق عندنا.
مسألة:
٨٤٠- قال القاضي في كثير من مصنفاته: قياس الشبه باطل وإلى هذا صغوه الأظهر وتابعه طوائف من الأصوليين وذهب معظم الفقهاء إلى قبول قياس الشبه والقول به فأما من رده فمتعلقه أن الشبه ليس مناسبا للحكم ولا مشعرا به فشابه الطرد فإن الطرد إنما رد من جهة أنه لا يناسب الحكم. وإن زعم القائل بالشبه أنه مناسب فليس من شرط الأصولي أن يتكلم في تفاصيل الفقه ولكنه يقول إن كان مناسبا على شرط الفقهاء فهو قياس المعنى ونحن لا ننكره وإنما ننكر قسما سميتموه الشبه وزعمتم أنه زائد على المعنى المخيل المناسب فهذا لباب كلام القاضي حيث يرد قياس الشبه وسنرد عليه في خاتمة الكلام.
٨٤١- وإنما أخرنا ذلك لأن الغرض لا يلوح دون ذكر معتصم القائلين بقياس الشبه وقد أكثر الفقهاء وما أتوا بكلام يفلح [المتمسك] به والذي نرتضيه متعلقا في الشبه أمران.
أحدهما: أن نقول قد أوضحنا في مواضع أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى وعن قضية تكليفية وسنكشف الغطاء فيه في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى.
وإذا تمهد ذلك قلنا: من مارس مسائل الفقه وترقى عن رتبة الشادين فيها ونظر في مسالك الاعتبار تبين أن المعنى المخيل لا يعم وجوده المسائل بل لو قيل لا يطرد على الإخالة المشعرة عشر المسائل لم يكن مجازفا وهذه الطريقة إنما يدريها من توغل في مسائل الفقه فأمعن النظر فيها وهذا واضح جدا بالغ الموقع. وعضد القاضي في [التقريب] هذه الطريقة بمناظرات أصحاب رسول الله ﷺ في الفرائض سيما مسائل الجد وفي هذا نظر فإنها معان بيد أنها تكاد تتعارض وإنما تعب المجتهدون فيها بالترجيح فهذا مسلك مقنع جدا.
٨٤٢- والمسلك الثاني: أن الغرض من قياس المعنى غلبات الظنون وكل مسلك
[ ٢ / ٥٨ ]
في قبيله وجنسه ما ستعقب العلم عند قرب النظر فإذا بعد وأثار ظنا كان متقبلا في المظنونات وقد ذكرنا أن إلحاق الشيء على قرب بالمنصوص عليه وهذا الذي يسمى القياس في معنى الأصل معلوم مقطوع به والشبه على فنه ومنهاجه غير أنه لا يتضمن علما ويتقضي ظنا وهذا كأقيسة المعاني فإن الشارع لو نص على تعليل الحكم بعلة على وجه لا يتطرق إلى تنصيصه تأويل فهذا في فنه مقطوع به.
وإن لم يفرض نص ولا إجماع ولاح في الحكم المنصوص عليه معنى مناسب فهذا مظنون الالتحاق بما فرضناه معلوما في هذا الطريق فيترتب مسلك الظن في قياس المعنى على النص على المعنى ترتب الشبه على الذي يقال إنه في معنى الأصل.
ومستند كل فريق في البابين أصل لو ثبت كان مقتضيا علما وليس هذا الذي ذكرناه قياسا في إثبات نوع من القياس فإن هذا ليس بالمرضى عند من يحيط بمأخذ الأصول ولكنا رسمنا القسمين معلوما ومظنونا.
٨٤٣- ونحن نقول وراء ذلك: إنا لا يمكننا أن ننص على مسلك معين أو مسالك وندعى أن نظر الصحابة ومن بعدهم كان منحصرا فيه والذي يسمى المعنى ليس يقتضي الحكم لعينه وليس كل مخيل عله في الحكم.
والقدر الذي ثبت: أنهم كانوا يلحقون ما لا ذكر له في المنصوصات بالمنصوصات إذا غلب على ظنهم أنه يضاهيها بشبه أو بمعنى وليس من يدعى حصر النظر في المعاني بأسعد حالا ممن يدعى حصر المعاني في الأشباه.
واستتمام الكلام فيه بما ذكرناه مقدما حيث قلنا النظر في الشبه يوقع في مستقر العادة غلبة الظن كما أن النظر في المعنى يوجب ذلك.
ومن أنكر وقوع الظن كان جاحدا للعلم على قطع فإن العلم بوقوع الظن مقطوع به وإذا انتظم ظن في إلحاق الشيء بأصل الشرع ولم يدرأه دارئ وألفى قبيله إذا ظهر مقتضيا علما فليس بعد هذا التقرير كلام مع ما تقدم من أن الرجوع إلى المجمعين حتم ولم يثبت في مآخذهم ضبط.
٨٤٤- فإن قيل: لسنا نسلم إفضاء الشبه إلى غلبة الظنون.
قلنا هذا الآن عناد [منكم ونكد] فإن من أنكر وقوع الظن بكون الوضوء كالتيمم وكل واحد منهما معنى يراد معين للصلاة والحدث استباحة أو رفعا فقد راغم.
[ ٢ / ٥٩ ]
وإذا قيل له: قياس المعنى لا يفيد ظنا لم يرجع في تحقيق ذلك إلا إلى مثل ما ذكرناه والسر فيه أن جحد الظن في هذه المسالك مراغمة للعلم بالظن.
٨٤٥- وما ذكره القاضي في تقسيم القول بأن الشبه مناسب للحكم أو غير مناسب فهذا أوان الجواب عنه.
فنقول: الشبه مع ما ادعيت من انقطاع المناسبة أيغلب على الظن أم لا فإن أبى حصول غلبة الظن فقدره أجل وأعلى من هذا وإن اعترف به راجعناه في المعنى الذي تحصل غلبة الظن لأجله ولا مناسبة.
وعندي أن الأشباه المغلبة على الظن وإن كانت لا تناسب الأحكام فهي تناسب اقتضاء تشابه الفرع والأصل في الحكم فهذا هو السر الأعظم في الباب فكأن المعنى مناسب للحكم من غير فرض ذكر أصل نظرا إلى المصالح الكلية والأصل يعني لانحصار المصلحة في أصول الشريعة فإن كل مصلحة لا تنتهض علة والشبه لو جرد لا يقتضي الحكم كما لو لم يفرض إلا الوضوء لم يكن في قول القائل طهارة حكمية أو عن حدث اقتضاء النية لا علما ولا ظنا وإذا ثبت التيمم فذكر الحدث يناسب مشابهة الوضوء للتيمم والشبه من ضرروته مشبه ومشبه به والمعنى مستقل إذا ناسب اقتضاء الحكم لو ثبت الاستدلال والقول به.
٨٤٦- وهذا منتهى القول في الشبه: تصويرا واحتجاجا واختيارا وقد اشتمل ما ذكرناه على تقسيم الأقيسة المظنونة.
ونحن نذكر بعد ذلك فصلا مما جمعه الأصحاب في تقاسيم الأقيسة ونطرد ما قالوه ونسوقه على وجهه ثم نذكر ترتيبا حسنا [ينبه الناظر على جميع قواعد القياس] ثم نذكر ما يعلل وما لا يعلل ثم نذكر طريق الاعتراضات الصحيحة منها والفاسدة ثم نذكر قولا بالغا في الاستدلال ثم نختتم الكتاب بالمركب وما فيه وينتجز به القياس إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٦٠ ]