٢٩٨- قد ذكرنا ما يتعلق بالأصول من أحكام الاستثناء وقد كنا قسمنا قبل القرائن إلى الاستثناء والتخصيص ونحن نذكر الآن بعد نجاز مسائل الاستثناء حقيقة التخصيص والفرق بينه وبين الاستثناء ثم نندفع بعد هذا في قواعد التخصيص وتقاسيم القول فيها.
٢٩٩-[فنقول]: التخصيص إفراد الشيء بالذكر في اصطلاح الأصوليين تقول خصص فلان الشيء بالذكر إذا أفرده واللفظ الخاص هو الذي ينبئ عن أمر يجوز إدراجه مع غيره تحت لفظ آخر والخاص الذي لا يتصف بالعموم هو الذي يتناول واحدا فحسب والعام هو الذي لا يثبت فيه مقتضى الخصوص كالمعلوم والمذكور والمخبر عنه ورب لفظ هو خاص بالإضافة إلى عام فوقه وهو عام بالإضافة إلى خاص دونه فالزيدان عام بالإضافة إلى زيد خاص بالإضافة إلى الزيدين وأمثلة ذلك تكثر.
ثم ذكر أرباب الأصول طرفا في الفرق بين التخصيص والاستثناء ونحن نذكر حقيقة الفرق بينهما ثم نورد ما أوردوه تحقيقا لما نمهده.
٣٠٠- فالاستثناء مع المستثنى عنه في حكم الكلام الواحد المسوق لما يبقى من الاستثناء فإن قلت: عشرة إلا خمسة كان مجموع الكلام عبارة عن خمسة ولا تقول: تبين بالاستثناء أن العشرة الواقعة في صدر الكلام عبارة عن الخمسة وهذا محال لا يعتقده لبيب بل ذكر العشرة مع ذكر مطلقها إلا خمسة مجموعها ينص على الخمسة الباقية ولو فرض مجرد العشرة لكان نصا في العدد المعنى به ولو فرض استئخار إخراج الخمسة للغا الاستثناء وعد نسخا وقطعا لبعض العشرة بعد اعتقاد الثبوت.
[ ١ / ١٤٥ ]
٣٠١- والتخصيص تبيين المراد باللفظ الموضوع ظاهره للعموم فلا يقع التخصيص جزءا من الكلام الوارد عاما بل ذلك اللفظ ظاهره للاستغراق ولا يمنع أن يعنى به فإذا بان أن مطلقه عنى به خصوصا أو ظن ذلك به على ما سنذكر مسالك الظنون في التأويلات إن شاء الله تعالى فهذا هو الذي يسمى تخصيصا ولا يكون المخصص إذا نصا في العموم ولو كان نصا لما تبين أن المراد به غير ما هو نص فيه أو بعضه فهذا حقيقة الفرق.
ثم يقتضي ما ذكرناه أمورا يفترق فيها الاستثناء والتخصيص منها.
٣٠٢- أن التخصيص قد يتبين بقرائن الأحوال ولا يفرض ذلك في وضع الاستثناء فإذا قال القائل: رأيت الناس فالقرينة شاهدة بأنه لم ير جميعهم وإذا قال رأيت عشرة فلا قرينة تدل على حمل العشرة على خمسة والاستثناء يتصل فإنه يعد جزءا من الكلام كما تمهد والتخصيص لا يمتنع انفصاله [في وضع الكلام فإنه تبيين] ولا يمتنع استئخار البيان عن اللفظ في وضع اللسان كالاستثناء فإن الانفصال يخرجه عن كونه استثناء كما سبق ومن منع تأخير البيان عن مورد الخطاب فلا يأخذ منعه من وضع اللسان وإنما يتلقاه مما يعتقده من القول بالاستصلاح على ما سيأتي طرف منه بعد ذلك في حكم الخصوص والعموم.
وهذا القدر مقنع في محاولة الفرق بين البابين فإن الغرض في كل فن بيان مقصوده والازدياد بعد البيان لا يفيد.
٣٠٣- وليعلم الناظر أن ما نذكره في العموم والخصوص إنما يختص بالأسماء دون الأفعال والحروف فإن الحروف لا تستقل بمعان حتى تقدر خاصة أو عامة والأفعال لا يلحقها الجمع والتثنية كما سبق الرمز إليه وكل ما لا يتطرق إليه معنى التعميم لا يلحقه معنى التخصيص فإنهما معنيان متعاقبان على التناقض لا يثبت أحدهما إلا حيث يتصور ثبوت الثاني فانحصر طلب التعميم والتخصيص في الأسماء.
٣٠٤- ثم نحن نذكر الآن ما يقبل التخصيص وحكم اللفظ إذا خصص ثم نذكر ما يقع به التخصيص ونصل مختتم الكلام بالقول في التأويلات فلا أرى في علم الشريعة بابا أنفع منه لطالب الأصول والفروع وهذا الترتيب يقتضي ذكر حقيقة النص والظاهر والمجمل والمفسر والمتشابه والمحكم وما في كل فن من الوفاق والخلاف إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٤٦ ]
مسألة:
٣٠٥- لا يمتنع ورود اللفظ العام [مع] استئخار المخصص عنه إلى وقت الحاجة وذهب جماهير المعتزلة إلى منع ذلك وهذا من فروع القول في تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة ولكنا أقمنا رسمها لتجرى المسألة منتظمة في الكلام للعموم والخصوص ولزيادة نوردها.
أما وجه التحاقها بما تقدم في أحام البيان فهو أن المخصص ليس جزءا من الكلام المصدر بالصيغة العامة بخلاف الاستثناء وإنما هو بيان المراد باللفظ تأويلا فلا يجب اتصاله كما يجب [في] الاستثناء والمستثنى عنه وليس تأخير البيان مستحيل الوقوع عقلا فإن رد الخصم استحالة ذلك إلى الاستصلاح والقول بموجب رعاية صلاح العباد فهو أصل لا يساعدون عليه ولا يمتنع أن يقع في المعلوم أن استصلاح العباد في تأخير البيان إلى وقت الحاجة فلم يبق لما منعوه وجه وقد ذكرنا هذا المسلك فيما سبق.
٣٠٦- والذي [نزيده] أن الخطاب الذي يخصصه مقتضى العقل يجوز فرض وروده وإن كان يستأخر عن [مورده] الإحاطة بإرادة الخصوص منه أخذا من أساليب العقول وهذا متفق عليه ولا ينجى الخصوم منه قولهم إن العقل عتيد والنظر ممكن فإن ذلك يستدعي تمادى أمد وتطاول زمن ولو اتصل التخصيص لفظا ونطقا لأغنى عن النظر وليس لهم عما ألزموه جواب ولا حاجة إلى التزامهم ذلك مع ما مهدناه.
٣٠٧- ونختتم المسألة بإلزامهم ورود عمومات الكتاب مع استئخار تبين خصوصها عن موردها فإنا على اضطرار من عقولنا نعلم أن الأحكام التي اقتضتها الصيغ مطلقة ثم فصلتها سنن الرسول ﷺ على ممر الزمان عند اعتقاب الوقائع كثيرة ومن أنكر ذلك وادعى أنه لم يرد خطاب مقتضاه عموم في الكتاب إلا فصله رسول الله ﷺ على أثر مورده فقد ادعى [أمرا] منكرا وقال بهتانا وزورا ومما نضربه مثالا آية السرقة فإنها [إذ وردت] لم يبتدر رسول الله ﷺ تفصيل أحكامها في الأقدار والأحراز [ونصاب المسروق] في مجلس واحد بل كان لا يعتني بالإكباب على البيان اعتناءه بوظائف النقل فضلا عن المفترضات وكان إذا وقعت واقعة روجع فيها فيبين قدر الغرض ويقتصد وجاحد ذلك مباهت معاند.
[ ١ / ١٤٧ ]
مسألة:
٣٠٨- إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم ولم يدخل وقت العمل بموجبها فقد قال أبو بكر١ الصيرفي من أئمة الأصول: يجب على المتعبدين اعتقاد العموم فيها على جزم ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذلك وإن تبين الخصوص [تغير] العقد.
وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار في عناد ونحن نقول لمن ينتحل هذا المذهب: أيجوز أن يبين الخصوص بالآخرة فإن قال: "لا" فتقدير ورود الخصوص متأخرا محال إذا ويتصل القول في ذلك بالرد على الذين أوجبوا اتصال البيان بمورد الخطاب وأبو بكر هذا من الرادين على هؤلاء في تصانيفه وإن زعم صاحب هذا المذهب أن تبين الخصوص ممكن فكيف يتصور جزم العقد مع اشتماله على تجويز أن يتبين الأمر على خلاف ما جزم العقد به والتردد والجزم متناقضان.
٣٠٩- والذي يكشف الغطاء في هذه المسألة أن المتعبد قبل أن [يحين] العمل يتردد وقد يغلب على ظنه العموم لظهور اللفظ في اقتضائه ثم إذا لم يرد مخصص ودخل وقت تكليف العمل فيقع ذلك على وجهين أحدهما القطع بالتعميم فينهض اللفظ العام مع ما يبدو من القرائن نصا وقد يقع ذلك نصا في مسالك الظنون فإن العمل لا ينحصر في مدارك القطع فالمقطوع [به] وجوب العمل بالعموم فأما أن يعتقد إرادة العموم فلا وهذا يطرد في كل مالا يكون قاطعا كأخبار الاحاد والأقيسة الظنية فالمقطوع به في جميع هذه الأبواب وجوب العمل به والاعتقاد جازم في وجوب العمل وهذا يستند إلى دليل قاطع مغاير لما يجري في مجاري الظنون فأما جزم العقد في أن مطلق اللفظ أراد التعميم فلا وجه له.
٣١٠- وإن قال الصيرفي: هذا المذهب من شعب الوقف وقد ظهر بطلانه قلنا الباطل من مذهب الواقفية إنكارهم ظهور الألفاظ في مقاصدها ونحن لا نلتزم من حيث أبطلنا مذهبهم جعل الظواهر نصوصا فكيف يستقيم هذا الكلام ومورده يجوز تبين خصومه كما ذكرنا في أثناء الكلام؟
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته.
[ ١ / ١٤٨ ]
مسألة:
٣١١- اللفظ الظاهر في العموم إذا اقتضى العقل خصوصه فهو مخصص بدليل العقل وأنكر بعض الناشئة ذلك وأبوا أن يسموا هذا الفن تخصيصا وهذه المسألة قليلة الفائدة نزرة الجدوى والعائدة فإن تلقى الخصوص من مأخذ العقل غير منكر وكون اللفظ موضوعا للعموم في أصل اللسان لا خلاف فيه مع من يعترف ببطلان مذهب الواقفية وإن امتنع ممتنع من تسمية ذلك تخصيصا فليس في إطلاقه مخالفة عقل ولا شرع فلا أثر لهذا الامتناع ولست أرى هذه المسألة خلافية في التحقيق.
فإن قالوا: التخصيص في حكم البيان وكتاب الله تعالى لا يبينه إلا كلام الله وكلام الرسول ﵇ يخبر عن الله تعالى ومرجع تبيينه إلى كلام الله تعالى قلنا: ليس التخصيص جزءا من الكلام المتصل المشتمل على الصيغة العامة كما سبق تقريره وإنما هو تبين فإذا ورد الظاهر مخالفا للمعقول فيعلم أن المراد به الخصوص الموافق له والمعنى بكون العقل مخصصا أنه مرشد إلى المراد منه فهذا تمام ما أردناه.
مسألة:
٣١٢- الصيغة الظاهرة في العموم إذا تطرق إليها التخصيص فقد صار جماهير المعتزلة وطوائف من أصحاب الرأي أنها صارت مجملة في بقية المسميات لا يسوغ التمسك بها إلا أن يرد خطاب بتنزيلها على بقية المسميات تعبدا بالعمل بموجبها وتمسك هؤلاء بأن اللفظ إذا خصص وهو في أصل الوضع للعموم فقد عسر إجراؤه على موجب أصل الوضع ولم يحصل على ثبت فيما بقى من المسميات فلا اللفظ وضع له خصوصا ولا نحن تمكنا من إعماله على حكم اللغة فيتضمن ذلك إجمالا وإبهاما. وقال معظم الفقهاء: وقد تعبدنا بالعمل بالظاهر إذا لم يمنع مانع فإذا لاح مخصص ولم يتعلق بما بقى ولا مانع من إجراء اللفظ على مقتضاه في الباقي فيتعين.
٣١٣- وقال القاضي أبو بكر: إذا خص اللفظ صار مجازا على خلاف ما صار إليه جماهير الفقهاء فإن تجوز به عما وضع له في اقتضاء العموم ولكنه مجاز يجب العمل به فإنا أخذنا العمل بالظواهر التي ليست نصوصا من عادة أصحاب رسول الله ﷺ كما سنقرر ذلك عند ذكرنا حقائق المجملات والظواهر والنصوص.
[ ١ / ١٤٩ ]
ثم علمنا قطعا أن جميع الألفاظ المتعلقة بالأحكام من الكتاب والسنة يتطرق إليها الخصوص وإن استوعب الطالب عمره مكبا على الطلب الحثيث فلا يطلع على عام شرعي لا يتطرق إليه الخصوص ونحن نعلم ضرورة أنهم ما كانوا يقفون عن العمل إذا لاحت لهم مثنوية أو ظهر مخصص فالدال على عملهم بالظواهر على هذا الوجه مقرر فاقتضى عموم هذا القول أن يوجب إعمال الظواهر في بقية المسميات مع الحكم بكون اللفظ مجازا من حيث جاز موجب الوضع.
والذي أراه في ذلك أنه اشترك في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز جميعا أما العمل فكما قرره القاضي ووجه اشتراك الحقيقة والمجاز أن تناول اللفظ لبقية المسيمات لا تجوز فيه فهو من هذا الوجه حقيقة في التناول واختصاصه بها وقصوره عما عداها جهة في التجوز فالقول الكامل أن العمل واجب واللفظ حقيقة في تناول البقية مجاز في الاختصاص.
[ ١ / ١٥٠ ]