الباب الرابع: الاعتراضات وأقسامها.
٩٥٣-[ونقسمها قسمين:
أحدهما: يشتمل على ما يصح عند المحققين ولا احتفال بما يشذ من خلاف منقول عمن لا اكتراث به.
والقسم الثاني: يحتوي على ما يفسد من الاعتراضات عند المحققين] .
فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة.
٩٥٤-[الأول] منها: المنع ١.
وهو يتوجه على الأصل ويقدر متوجها على الفرع فأما المنع في الأصل فإنه يجري من وجوه:
أحدها: منع كون الأصل معللا فإن الأحكام تنقسم باتفاق النظار إلى ما يعلل وإلى مالا يعلل فمن استمسك بأصل فهم مطالب بتثبيت كونه معللا٢ وهو عندي إنما يتوجه على من لم يذكر تحريرا بعد فأما إذا حرر فإنه قد ادعى أن ما أبداه من الوصف علة في حكم الأصل فان الفرع في العلة [المحررة] يرتبط بالأصل بمعنى الأصل وهو الجامع وسبيل افتتاح النظر من طريق القياس أن يبين الرجل حكما في الأصل٣ ويطلب علته فإذا صحت عنده علة الحكم وألفاها متعدية أصلها موجودة في غيره فإنه يحكم فيما توجد العلة فيه بحكم الأصل الذي ثبت عنده تعليله فأما إذا لم تظهر علة [فلم يأت بديل] فلا وجه [لعد] المنع في هذا المقام اعتراضا فإن المسئول إذا ذكر الأصل واقتصر عليه فلا ينتهض السائل للاعتراض بل يرتقب استتمام
_________________
(١) ١ قال ابن السمعاني: الممانعة أرفع سؤال على العلل وقيل: أساس المناظرة. إرشاد الفحول "ص ٢٣٠". ٢ إرشاد الفحول "ص ٢٣٠". ٣ قال إليكا: هذا الاعتراض باطل لأن المعلل إذا أتى بالعلة لك بكن لهذا السؤال معنى."إرشاد الفحول "ص ٢٣٠".
[ ٢ / ٩٧ ]
الكلام وما ذلك إلا لأنه لم يدخل وقت الاعتراض بعد.
وان اقتصر على ذكر الأصل وضم إليه ادعاء كون الفرع بمثابه عد عريا عن التحصيل من جهة أنه لم يذكر ربطا ولم يأت بصيغة قياس بعد فسبيل مكالمته إذا تردد وتبلد أن ينبه على اقتصاره على بعض صيغة القياس فإن ذكر معنى ادعاه علة فإن استمكن منه ففي ضمنه إثبات القول كونه معللا.
٩٥٥- ومن لطيف القول في ذلك أن تعيين العلة وإثبات أصل التعليل مسلك واحد فإن الإنسان يستبين كون الشيء معللا بأن يتجه فيه معنى يصلح لكونه علة وليس من الممكن أن يعرف بطريق الاستنباط كون الشيء معللا على الجملة نعم إن انعقد عليه إجماع أو ورد فيه نص فيستند [الاعتقاد] إليهما وإن كان التلقي من الاستنباط فتعيين العلة وتثبت الأصل في التعليل يثبت بمسلك واحد فهذا تحقيق القول في المطالبة بكون الأصل معللا وبيان محله ومنصبه في الجدل.
٩٥٦- والنوع الثاني من المنع: إنكار وجود ما ادعاه المستنبط علة وهذا كثير التدوار في المركبات فإن من قاس على انبة خمس عشرة سنة فقد يدعى بلوغها فينكره الخصم فهذا وما يضاهيه إنكار وجود العلة وعلى المطالب فيه أن [يثبت] بطريقة على ما سيأتي [ذلك] في تقاسيم المركبات إن شاء الله تعالى.
٩٥٧- والنوع الثالث: منع الحكم في الأصل ١ فإذا توجه ذلك على المسئول تعين عليه إثباته فإن [أثبته] بطريق إثباته استد قياسه وكان بانيا والبناء مقبول [من المسئول] ولو رددنا إلى حكم الدين فليس فيه ما يمنع سائلا من نصب دليل ولكن مواقف النظار وأهل الجدال على مسلك رأوه اقرب المسالك [إلى الدرك] وأقصدها فأثبتوا الدليل والبناء والابتداء للمسئول وأقاموا السائل مقام المعترض حتى ينتظم على القرب غرض ويلوح في المطلوب مدركه فلو تصدى كل واحد للدليل والاعتراض لانتشر الكلام وطال المرام ولا ينقضي مجلس [عن] فائدة ثم المسئول لا يدل في كل موضع بل يدل حيث [يبنى] ولو اعترض على علة أبداها.
_________________
(١) ١ واختلفوا هل هذا الاعتراض يقتضي انقطاع المستدل أم لا؟ فقيل: إنه يقتضي انقطاعه وقيل إنه لا يقتضي ذلك وبه جزم المؤلف وإليكا الطبري قال ابن برهان إنه المذهب الصحيح المشهور بين النظار واختار الآمدي وابن الحاجب " إرشاد الفحول "ص ٢٣٠".
[ ٢ / ٩٨ ]
السائل معارضا معترضا أو مسندا إليها تأويل ظاهر فإذا أورد المسئول عليها نقضا فمنعه السائل لم يكن للمسئول إثباته بالدليل فإنه بإثباته النقض لا يستفيد إثبات مذهبه الذي سئل عن إثباته وإنما يستفيد إبطال علة السائل وهو في هذا المقام معترض والاعتراض والبناء إذا اجتمعا انتشر الكلام ووقع المعنى المحذور الذي لأجله أقام الجدليون بانيا ومعترضا.
ثم قد يأتي السائل بما يصلح للبناء وهو يبغي به الاعتراض بطريق المعارضة كما سيأتي ذلك فأما المسئول فيضطر إلى الاعتراض [بطريق المعارضة] إذا عارض السائل.
٩٥٨- والنوع الرابع من المنع: المنع من كون ما أبداه المسئول علة ١
فيقال: ما الدليل على أن ما أظهرته علة فيتمسك المسئول بما يثبت به العلل وقد مضى القول فيه مفصلا.
٩٥٩- فوجوه المنع إذا على ما نظمه هؤلاء أربعة: المنع من أصل التعليل والمطالبة بتعيين ٠ التعليل] والمطالبة بتحقيق [وجود] ما ادعاه المعلل علة ومنع الحكم والمطالبة بإثبات ما عينه.
٩٦٠- وزاد بعض المتكلفين منع القياس والمطالبة بإثبات أصل القياس وهذا ليس بشيء [فإنا] في الاعتراضات على القياس وقد ثبت أصله على منكريه فهذه وجوه المنع في الأصل.
٩٦١- فأما المنع في الوصف٢ فلا يتجه فيه إلا منع واحد وهو منع وجود علة الأصل في الفرع وباقي الوجوه توجه على الأصل فإن من وجوه المنع في الأصل المطالبة بأن ما أظهره والمستنبط يصلح لكونه علة وهذا حقه أن يخصص بالأصل إذ منه الاستنباط وإليه الرد به والاعتبار إذا ثبت صلاح ذلك المعنى لكونه علة لم يحتج إلى ذلك في الفرع وقد انتجز الفراغ منه فلا يبقى مع الفراغ من مطالبات الأصل إلا ممانعة في أن المعنى الذي ثبت علة في الأصل غير موجود في الفرع وهذا يسمى منع الوصف وقد انتهى غرضنا من القول في المنع
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول "ص ٢٣١". ٢ إرشاد الفحول "ص ٢٣١"
[ ٢ / ٩٩ ]
و[الثاني] من الأعتراضات الصحيحة: طلب الإخالة.
- ٩٦٢ذا وهذا من أهم الأسئلة وأوقعها في الأقيسة المعنوية فعلى المتمسك بما يدعيه معنى أن يوضح [مناسبته] للحكم واقتضاءه له وإشعاره به فإذا عجز عن ذلك مع ادعائه المعنى كان ذلك انقطاعا منه بينا.
٩٦٣- قد وقد قال القاضي ﵀ في بعض مجاري كلامه: ليس هذا من الأسئلة والاعتراضات بل حق على كل مسئول أن يبدأ بإظهار الإخالة قبل أن يطالب بها فإنه لا يكون آتيا بصورة القياس المعنوي إلا على هذا الوجه ولو سكت عن إظهاره كان مقتصرا على بعض العلة.
نعم لو ضمن تعليله لفظا ظاهرا أشعر بالإخالة كفى ذلك فإن وجه السائل طلبا كان منسوبا إلى القصور عن درك لفظ التعليل هذا إذا كان تمسكه بقياس المعنى.
٩٦٤- فأما إذا تمسك بقياس الشبه فلا مناسبة ولا إخالة على الوجه المذكور في المعاني ولكن قد يحتاج المشبه إلى إظهار الشبه الخصيص المغلب على الظن فيكون الطلب بذلك والجواب عنه على حسب ذلك كما إذا شبهنا الوضوء بالتيمم فقد التزمنا أن نذكر شبها أو أشباها تقرب الفرع من الأصل وإن كان لا يقتضي الحكم اقتضاء الإشعار والإخالة ولا يقع الاكتفاء بأمور عامة لا تغلب على الظن ولا يتعرض المشبه لأمر عام إلا وينتقض عليه تشبيهه وإذا تصون عن النقض بارتياد خصوص الأشباه فقد خصص شبها مغلبا على الظن.
و[الثالث] من الاعتراضات الصحيحة: القول بالموجب ١.
٩٦٥ - ولا شك أنه إذا استد على شرطه أسقط الاستدلال وقطع المستدل.
ثم الأصوليون تارة يقولون٢: القول بالموجب ليس اعتراضا وهو لعمري كذلك لأنه لا يبطل العلة لأنه إذا جرت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تجري وحكمها متفق عليه أولى ولكن المتمسك بها في محل النزاع منقطع فإنه أبداها محتجا
_________________
(١) ١ بفتح الجيم أي: القول بما أوجبه دليل المستدل قال في "المحصول": وحده تسلم ما جعله المستدل موجب العلة مع استبقاء الخلاف وقال الزركشي في "البحر": وذلك بأن يظن المعلل أن ما أتى به مستلزم لمطلوبه من حكم المسألة المتنازع فيها غير مستلزم قال: وهذا أولى من تعريف الرازي له بموجب العلة لأنه يختص بالقياس. "إرشاد الفحول" "ص ٢٢٨" ٢ إرشاد الفحول "ص ٢٢٩"،.وعزاه إلى "المنخول" للغزالي.
[ ٢ / ١٠٠ ]
بها وهو يروم إثبات المتنازع [فيه] وقد تبين أن الأمر على خلاف ما قدر وهو بمنزلة ما لو رام إثبات المختلف فيه ونصب علة في غير محل النزاع.
٩٦٦- ثم القول بالموجب ينشأ من اعتناء المعلل بموجب الحكم ولا يتصور قول [بالموجب] ومضمون العلة نفي حكم وإثبات حكم فإن المعلل يثبت ما ينفيه الخصم من الحكم أو ينفي ما يثبته فكيف يتصور المطابقة والأمر كذلك؟
نعم، إذا قال الحنفي في مسألة ماء الزعفران: ماء طاهر خالطه طاهر فالمخالطة لا تمنع صحة الوضوء قال السائل [الشافعي] المخالطة لا تمنع.
ثم ينقسم في هذا مقام السائل فقد ينقدح له [إبداء مقتضى] آخر سوى ما ذكره المعلل مع الاستمرار على الخلاف في الحكم فهذا إن اتفق فهو الغاية في هذا الفن من الاعتراض والغالب في ذلك أن يكون المعلل ذاكرا لبعض ما هو [علة] عند السائل فيبين المعترض أنه ليس موجبا على حياله وهو كما ضربناه مثالا الآن فإن المخالطة لها أثر عند الشافعي ولكنها بمجردها لا توجب منع الاستعمال.
فإن زاد المسئول فقال: المخالطة المغيرة لا توجب منع الاستعمال ألزم السائل القول بالموجب أيضا فإن المخالطة المغيرة لا تمنع التوضؤ فإن زاد وقيد الاعتلال بتفاحش التغيير وإمكان الاحتراز لم يجد أصلا يقيس عليه فإن حذف التعرض للموجب فقال: ماء طاهر خالطه طاهر فيجوز التوضؤ به انتقضت العلة كماء الباقلاء إذا كان مغليا بالنار وهذا مضيق يدفع فلا يجد المعلل محيصا عن التعرض للنقض أو القول بالموجب.
- ٩٦٧ ومما يطرأ في هذا الفن شيء ليس للرد والقبول فيه مجال وقد ينتهي الأمر بين المعترض والمجيب إلى قريب من الإلباس ونحن نبين الوجه فيه.
[فإذا] قال الشافعي في مسألة تمكين العاقلة مجنونا: جنون أحد المتواطئين لا يوجب درء الحد عن الموصوف بالعقل كجنون الموطوءة.
فقد يقول الحنفي: الجنون ليس دارئا وإنما الدارئ خروج وطء المجنون عن كونه زنا فليست المرأة ممكنة زانيا.
فيقول المجيب: إن صح ما قلت فالجنون هو الذي أخرج فعله عن هذه التسمية وغرضي إسقاط أثر الجنون فيقول المعترض: نصبت الجنون علة وهو عندي علة العلة وإطلاق التعليل [بالجنون] يشعر بكونه مماسا للحكم من واسطة فيجر التفاوض
[ ٢ / ١٠١ ]
لبسا والذي يختاره المعلل أن [يقي] [علته] مواقع اللبس حتى لا يكون متمسكا بما يلتحق بمجملات الألفاظ على ما سنعقد في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.
٩٦٨- فالوجه إذا أن نقول: لا ينتهض الجنون سببا فإن قيل بموجب علته أمكن الدفع فإنما يؤثر وإن كان لا يستقل يسمى سببا وإن كان لا يحسن تسميته موجبا ما لم يستقل وحفر البئر سبب الهلاك في الشرع وتسمية سببا لا يجحده أحد من حملة الشريعة وإن كان لا يستقل ما لم ينضم إليه أسباب.
وإذا قال القائل: ثبت هذا الحكم بأسباب كان كلاما منتظما ومعناه أنه أثبت باجتماع أسباب ولا يحسن أن يقال ثبت هذا الحكم بعلل إذا كانت كل واحدة لا تستقل بالاقتضاء فإن العلة المركبة من أوصاف يجوز أن يسمي كل وصف منها سببا في الحكم من حيث إنه لا بد منه وليس كل وصف علة وإنما العلة مجموع الأوصاف وإذا قال القائل لا ينتهض كذا سببا وكان لما ذكره أثر عند الخصم ولا يستقل الحكم دونه فلا يمكنه والحالة هذه أن يقول بموجب العلة.
و[الرابع] من الاعتراضات: النقض.
٩٦٩- وهو تخلف الحكم في بعض الصور مع وجود ما أدعاه المعلل [علة] ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة.
وحكى أصحاب المقالات عن طوائف من أصحاب أبي حنيفة ﵀ أنهم قالوا ليس النقض من مبطلات العلل ولكن متى عورضت علة المعلل بنقض فعليه تعليل تلك المسألة التي ألزمها نقضا والفصل بينهما وبين [المسائل] التي ادعى اطراد العلة فيها.
ونحن نذكر مسالك الفريقين ولا نتعدى مسلكا حتى نتبعه بما عندنا فيه ثم نذكر عند نجاز المسألة ما هو الحق المبين عندنا.
٩٧٠- فأما الصائرون إلى أن النقض يبطل العلة فقد تمسكوا بطرق: منها أنهم قالوا: النقض يلحق العلة بعد أن نقضت بالقول المتكافئ والأقوال المتكافئة ساقطة وبيان ذلك بالمثال: أن من قال في محاولة إثبات تحليل النبيذ: مائع فيحل [كالماء] والمعلل غير مبالي بدخول الخمر وغيرها نقضا والمعترض يقول: مائع فيحرم كالخمر وهو أيضا لا يحتفل بما يرد عليه من النقض وليس أحد المسلكين بأولى من الثاني
[ ٢ / ١٠٢ ]
وهذا فيه نظر عندنا من جهة أن بطلان المسلكين كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسالك المعاني والأشباه المعتبرة فلا يكاد يقوى التعلق بهذا والمعترض متمكن من إبداء وجه من الإبطال سوى ما ادعاه المتمسك بالطريقة.
٩٧١- ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: من يدعى علة لا يخلو إما أن يدعيها عامة أو يدعيها خاصة [فإن ادعاها خاصة] فلتنحصر على محل النص وإن ادعاها عامة ولم تعم فليست وافية بحكم العموم فإنها إذا تعدت لم يكن محل في تعديها أولى من محل.
وهذا على رشاقته لا يستقل دليلا فإن للمعترض أن يقول أطردها ما لم يمنعني مانع فإن ظهر مانع عللته واستمرت على الطرد في غيره.
٩٧٢- ومما تتعلق به هذه الطائفة: أن من يطرد العلة مدع جريانها متحديا باطرادها مشبه بمدعى النبوة المؤيدة بالمعجزة فإنه يتحدى بها قائلا لا يأتي أحد بمثلها فلو أتي آت بها بطل تحديه.
وهذا تخيل لا حاصل له من جهة أن من يعلل النقض لا يتحدى بعموم العلة والمعجزة لا تدل على الصدق قطعا مع فرض صدورها من كذاب.
٩٧٣- وربما يستدل القاضي ﵀ لهؤلاء بكلام منشؤه الأصل والقاعدة المعتبرة في الباب وهو أنه قال قد عرفنا تمسك الأولين بالمعاني الجارية فاتبعناهم ولم يثبت عندنا أن معانيهم كانت تنقض ولا ينفكون عنها فهذا مما لا يقطع بثبوته عن الأولين ولا معتصم في إثبات العمل بالقياس إلا الإجماع والاتباع.
وهذا الكلام وإن كان آثر مما تقدم فقد ينقدح فيه أن يقول قائل: ما صح عندنا أنهم كانوا يحذرون ويحترزون ويتصونون تصون المتأخرين ولكنهم يطلقون المعاني ثم إن عن مخالف عللوه وميزوه عما فيه الكلام [إذ] كان كلامهم تأسيسا وابتداء ولم يكن كلامهم محررا يدور في النفوس [منضجا] بنار الفكر متقدا بذكاء السبر فلا وجه لما ذكره القاضي إذا.
٩٧٤- وأما من لم يرد النقض مفسدا للعلة: فإنه يتمسك بوجوه منها أن الصيغ العامة الواردة لا يمتنع تخصيصها إذا قامت دلالات تقضي التخصيص فإن لم تقم جرت الصيغة على عمومها ولفظ المعلل لا يزيد منصبه على لفظ الشارع ثم المتمسك بالصيغة العامة من لفظ [الشارع] يتعلق بها وهي على تجويز أن يخصص بدلالة.
[ ٢ / ١٠٣ ]
٩٧٥- وقد قال القاضي: هذا إنما يلزم من يثبت للعموم صيغة ولست منهم.
وقال أيضا في إلزام المعتزلة: البيان عندكم لا يتأخر عن مورد الخطاب ويقتضي ذلك أن تقترن القرائن المخصصة باللفظ فهو مع قرائنه محمول على الخصوص وهذا يناظر في علة المعلل ما يتقيد بقرينة مخصصة حذرا مما يفرض نقضا واردا على اللفظ العام.
وقال أيضا متحكما على من أثبت للعموم صيغة: التخصيص- على رأي هؤلاء- هو الاطلاع على قرينة ولو فرضت صيغة عامة في وضعها متجردة عن القرائن اللفظية والحالية لكانت نصا في اقتضاء العموم.
فإذا ليس للتخصيص معنى إلا ذهاب المخصص عن قرينة مخصصة ثم اطلاعه عليها.
٩٧٦- والذي ذكره القاضي في إلزام من منع تأخير البيان عن وقت مورد الخطاب لازم كما ذكره.
وأما الاحتكام على المعممين بأن الصيغة لو قدر ورودها مجردة لكانت نصا ففي كلام الشافعي ﵀ رمز إلى التزام ذلك.
والذي نراه رأيا على مذهب المعممين أن اللفظة إن كانت مجردة عن قرائن الحال والمقال فليست نصا في اقتضاء العموم ولكنها ظاهرة والصيغ منقسمة إلى ما يقع نصا في الوضع وإلى ما يقع ظاهرا والصيغة المجردة في العموم من الظواهر فإن من أطلقها في محاوراته ثم زعم أنه لم يرد بها الاستغراق المحقق لم يكن آتيا منكرا ولكن يقدر مؤولا نعم إن اقترنت بالصيغة قرينة لفظية أو حالية تحسم مواد التأويل والتخصيص فالصيغة إذ ذاك نص لاقترانها بما يلحقها بالمنصوص عليه وقد مضى في ذلك قول شاف في كتاب العموم والخصوص.
٩٧٧- والجواب إذا عن استمساك هؤلاء بتخصيص العام أن تخصيصه ليس انحرافا عن موجب اللسان واقتضاؤه العموم ليس نصا قاطعا ولو رددنا [القياس] لما علمنا بموجب ظاهر مع تعرضه للتأويل فإن العمل المبتوت لا يرتبط بمشكوك فيه أو مظنون والعمل بموجب الظاهر معلوم ولا يترتب العلم على الظن والعمل بالظاهر مستنده إجماع الماضين وهو مقطوع به ثم تبين منهم التأويل والتخصيص عند قيام الأدلة المعارضة لوجه الظن في الظاهر كما تقرر في كتاب التأويل قوانين الكلام فيما يقبل ويرد.
[ ٢ / ١٠٤ ]
٩٧٨- وأما المعلل فإنه مستنبط علة مظنونة ومعتمدة في استنباطها ظنه لصلاحها فإذا طرأت مسألة [قاطعة لها] مانعة من طردها انبتر ظنه وبطل مستند استنباطه إذ ليست العلة التي استنبطها معولة في نفسها على ظاهر أو تنصيص فلا معنى للتعلق بالعموم على أن ما نحاوله في النفي والإثبات محاولة القطع وتأسيس الأصول والأقيسة لا تجول في مواضع القطع وإنما تجولها في المظنونات.
٩٧٩- ومما تعلق به من يجوز تخصيص العلة أن قال: إذا لم يبعد تخصيص العلة بزمان لم يبعد اختصاصها بمسائل وأراد بذلك أن الشدة المطربة علة في تحريم الخمر ولم تكن علة قبل نزول تحريمها وهذا كلام.
ساقط فإن المعاني الظنية في الأقيسة العملية لا تقتضي الأحكام لأعيانها ولكن تتبع في موارد الشرع بها أو بأمثالها وكان الشرع متبعا فيها ويجوز تقدير النسخ عليها والذي نحن فيه من [فن] الاستنباط المظنون بعد قرار الشريعة والانتقاض يوهي ظن المستنبط على تحقيق فأين يقع هذا من جواز تبديل الأحكام؟
٩٨٠- ومما تعلق به هؤلاء جواز تخصيص علة الشارع قالوا: فإذا لم يمتنع ذلك في علة الشارع والصدق ألزم له فلا يلزم المستنبط ما لم يلزم الشارع.
وهذا أيضا كلام غث فإن الشارع إذا علق الحكم بعلة لا تناسب صح وإن كان ذلك طردا لو صدر من المستنبط.
وسيكون لنا كلام في تخصيص علة الشارع في مسألة معقودة إن شاء الله تعالى فهذه عيون كلام الفريقين.
٩٨١- والمسلك الذي نختاره أن المستنبط إذا نصب علة فورد على مناقضة طردها نقض فإن كان ينقدح من جهة المعنى فرق بين ما يرد نقضا وبين ما نصبه المعلل علة له فإن علته تبطل بورود النقض والسبب فيه أنه إذا نظم فرقا بين ما ألزم وبين محل العلة فيصير ما عكسه في محل العلة قيدا لما أطلقه علة ويتبين بهذا أنه ذكر في الابتداء بعض العلة وأظهر أنه علة مستقلة فإذا أراد التقييد وانتظمت له علة [مقيدة] فالعلة الآن سليمة ولكنه منقطع من جهة ادعائه في أول الأمر وابتدائه أن ما جاء به دليل مستقل [و] لو لم يصرح بكونه دليلا تاما فالحالة المعهودة بين النظار قرينة مصرحة [بذلك] فإنه يسأل أولا عن الحكم فإذا أبان مذهبه [فيه] طولب بالدليل عليه فإذا ذكر كلاما في إسعاف السائل المطالب بالدليل وقطعه وسكت على.
[ ٢ / ١٠٥ ]
منقطعه كان ذلك مشعرا بادعائه أن ما جاء به كلام تام ولو جلس الناس يشتورون باحثين فذكر ذاكرا معنى وسبره وخبره فلم يطرد فقيده تقيدا فقهيا كان كذلك له إذ هو في مهلة النظر ومحاولة استتمام الاجتهاد فهذا حقيقة القول في ذلك.
٩٨٢- ولو اعترضت مسألة على العلة نقضا وكان لا ينقدح فرق بينها وبين محل العلة فإن لم يكن الحكم فيها معللا مجمعا عليه أو ثابتا بمسلك قاطع سمى غير أن المعلل استثناها بمذهبه فعلته تبطل فإنه مناقض لها وتارك للوفاء بحق العلة فإذا لم يف بحق طردها فكيف يلزم الخصم حق طردها في موضع قصده؟
٩٨٣- وإن طرأت مسألة اجتماعية وكان لا ينقدح بينها وبين العلة فرق فهذا موضع الأناة والاتئاد.
فإن كان الحكم الثابت فيها على مناقضة علة المعلل معللا بعلة معنوية جارية فورودها ينقض العلة من جهة أنها منعت العلة الجريان وعارضها بفقه وهي آكد في اقتضاء بطلان علة المعلل من المعارضة كما سيأتي فإن المعارضة لا تهجم على الطرد بالقطع بل يستقى حكمها من أصل آخر لا ينقض طرد العلة بل يصطدم موجب العلة على التناقض في محل البحث فإذا كانت المعارضة وهي على هذه الصفة ناقضة فالتي ترد مناقضة وقاطعة للطرد أولى بالإبطال.
٩٨٤- وإن طرأت المسألة قاطعة للطرد ولم ينقدح فرق وكان لا يتأتى تعليل الحكم فيها على المناقضة بعلة فقهية [فهذا] موضع التوقف.
٩٨٥- وقد ذكر القاضي على الجملة ترددا في أن القول ببطلان العلة بما يقطع طردها من القطعيات أو من المجتهدات حتى يقال كل مجتهد فيه مصيب أو مؤاخذ بحكم اجتهاده.
والذي أراه في ذلك أن الصور التي قدمناها قواطع ومبطلات قطعا وإنما النظر والتوقف في المسألة المانعة من الطرد التي لا ينقدح فرق بينها وبين محل العلة ولا يتأتى في تعليل حكمها على المناقضة معنى وكانت تلك المسألة مما يقال فيها: إنها لا يعقل معناها فإذا تصورت [المسألة بهذه الصورة انقسم القول فيها عندي أيضا.
فإن كان حل العلة من المسألة اللازمة واقعة [موقع] ما يكون في معناه علما وقطعا فالعلة تبطل أيضا من جهة أن التحاق ما في معناها [بها معلوم] وأصل وضع العلة مظنون ولا يعارض ظن [علما] .
[ ٢ / ١٠٦ ]
وإن لم يكن محل العلة منها بهذه المثابة وإنما جرت تلك المسألة شاذة فعند ذلك قد يظن الظان أنها تقطع العلة وتنقضها من جهة أن المستنبط إذا عثر عليها وهى ظنه في نصب ما ظنه علة إذا وجد في الأصل الشرع ما يخالف ذلك ويجوز أن ينقدح له ما عينه علة مناط الحكم إلا أن يمنعه استثناء شرعي لا يعقل معناه.
٩٨٦- والقاضي إنما تردد في هذه الصورة وهي لعمري موضع التردد والذي نراه فيها أن ورودها لا يقطع العلة إذا كانت العلة [فقهية] مناسبة وإنما يلزم المعلل إجراء المعنى ما استمكن منه.
والدليل عليه أنا نجد في الشريعة عللا فقهية متفقا عليها في الصحة وقد طرأ عليها استثناء الشرع في مواقع لا تعلل وهذا كجريان العلة في اختصاص كل متلف أو متعد أو ملتزم بالضمان ولا أحد ينكر جريان هذا المعنى في الشرع مع العلم بأن العاقلة تحمل العقل وحملها له خارج [عن القاعدة] فإذا وجد أمثال ذلك [في] قاعدة الشريعة بنينا عليه طرد المعنى الفقهي المناسب ولم نكع عن التمسك به لورود شيء لم يعلل وأنا فيما ذكرته على قطع فإن معتمدنا فيما نأتي [ونذر] ونقبل ونرد من طريق العلل الاتباع للإجماع وقد علمنا قطعا جريان هذه العلل [في الكليات] وإن استثنى الشارع منها ما استثنى فمنكر هذه المعاني وقد تأيدت بالإجماع كمنكر أصل القياس.
والسر في ذلك أن مالا يعقل معناه في مستثنى الشارع والمستثنى لا يقاس عليه وكأنه منقطع عن كثر الشريعة ولا يعتبر شيء منه ولا يعترض به على شيء فهذا سبيل إجرائها فإن كان ينقدح فيها معنى على حال فهو ملتحق بالأقسام المبطلة التي تقدم ذكرها فهذا بيان الأصل ونحن نضرب أمثالا وننزل عليها تحقيق ما نبغيه نفيا وإثباتا.
٩٨٧- فنقول: إذا أردنا إجراء علة في تخصيص الغرامة لمختص بسببها و[مقتضيها] طردناها غير ملتزمين بتحميل العاقلة على قطع وتحملهم لا يعترض على ما تمهد من المعنى فلو ظن ظان أنه ينقدح في تحمل العاقلة معنى يصلح على السبر مأخوذ في المعاونة فهذا غير سديد فإن ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال وهو أعم وجودا وأغلب وقوعا [من] القتل الواقع خطأ أو على شبه العمد ثم الإعانة في الشريعة إنما تجب إذا كان المعان معسرا وعلى هذا نظمت أبواب النفقات [والكفارات] فالقاتل خطا يتحمل عنه وإن كان من أيسر أهل زمانه فليس لمثل هذه التخييلات اعتبار.
[ ٢ / ١٠٧ ]
٩٨٨- وكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل في المثليات التي تتشابه أجزاؤها فألزمنا عليها إيجاب رسول الله ﷺ صاعا من التمر في مقابلة لبن المصراة لم يحتفل بهذا الإلزام ولا تعويل على قول المتكلفين إذ زعموا أن اللبن [المحتلب] في أيام ابتلاء الغزارة والبكاءة يقع مجهول القدر.
فرأى الشافعي ﵁ فيما ورد الشارع فيما يقل ويكثر إثبات مقدر من جنس درءا للنزاع فإن هذا لا جريان له أصلا ويلزم طرد مثله في كل مثلي جهل مقداره وليس لبن المصراة مما يعم ويغلب الابتلاء بالحكم فيه وإن أمثال هذه المعاني البعيدة إنما تثبت بعض الثبوت إذا تقيدت وتأيدت بعموم البلوى على أنها لو كانت كذلك أيضا لكانت من المعاني الكلية التي لا تتخلص في مسالك العرض على السبر ثم تعيين جنس التمر كيف يهتدى إلى تعليله؟
وإنما المطلوب فيما فرضنا الكلام في الجنس المعدول إليه لا في المقدار فإن ما ذكر من دوام النزاع يقدر انقطاعه بتقدير مقدار من النقدين وهما أثمان الأشياء إذا عسر تقدير الأمثال فاطرد إذا ما ذكرناه واستبان أن أمثال هذه المستثنيات لا تعترض على القياس المعنوي.
٩٨٩- ومما يضرب مثلا الكتابة الفاسدة فإذا قال الشافعي الملك لا ينتقل إلا بمسلك شرعي والفاسد حائد عن سبيل الصحة غير واقع الموقع المطلوب في الشريعة فلا وقوع له في مقصود العقد الصحيح كان ذلك كلاما بالغا حسنا.
فإن ألزم [الخصم] عليه الكتابة الفاسدة فإنها في تحصيل مقصود الكتابة نازلة منزلة الكتابة الصحيحة.
والوجه أن يقال للملزم أتعترف بخروج الكتابة الفاسدة عن قاعدة المعاني أو تدعي جريان المعنى فيها؟
فان ادعى جريان المعنى [فيها] فلا يفي بإظهاره إذ ليس في يدي من يتمسك بالكتابة الفاسدة إلا تشبيه محض ولا يستقل معنى يصحيحه السبر في إحلال الكتابة الفاسدة محل الكتابة الصحيحة.
فإن قال الملزم: ليس على المناقض أن يبدي جامعا معنويا بين صورة النقض وبين محل علة الخصم فتكليفكم إيانا إبداء معنى التكليف شطط فإن النقض يلزم من جهة قطعة طرد العلة لا من جهة انتظام رابط بينه وبين محل النزاع وهذه مزلة يجب
[ ٢ / ١٠٨ ]
التثبت عندها.
فإنا نقول للخصم: ما رأيك في علة يطردها الطارد ومضمونها: ألا تزر وزارة وزر أخرى فهل تبطل عندك بتحمل العاقلة العقل فإن سبق إلى مذهب [من] يبطل العلة بورود مثل ذلك عليه بطل عليها مذهبه بما تقدم ونسب إلى رد باب عظيم من العلل المتفق على صحتها فإن الأمة قاطبة مجمعون على طرد هذه العلة [مع اعترافهم بما شذ منها ولا يحكمون على هذه العلة] في هذه القاعدة الكلية بالفساد لشذوذ مسألة عن القاعدة ورأى ذوى الأبصار ألا يحكموا بالشاذ على الكل ولكنهم لا يتركون الشاذ على شذوذه ويعدونها كالخارج عن المنهاج.
٩٩٠- وإن قال الملزم: أسلم أن ما ذكرتموه لا يبطل بتحمل العاقلة قلنا لهم والكتابة الفاسدة عندنا بهذه المثابة.
وآية ذلك: أن معناها الجلي يجري في الكتابة الفاسدة وإن فسد عوضها فليس يفسد معنى تعليق العتق فيها وهذا يشير إلى فرق.
قلنا: ما ذكرته خارج عن الطريقة فإنه إيماء إلى وجه من الصحة لو استمر القول فيه والذي نحاوله ألا يثبت للفاسد حكم أثبت للصحيح لجلب مسألة.
٩٩١- وإن قال الخصم: خذوا الكتابة في منزلة المناقضة شبها فإن الشبة في الأقيسة صحيح مع افتقارها إلى الجوامع فلأن يلزم مسلك الشبه نقضا أولى وليس على الناقض جمع.
قلنا: هذا أوان كشف الغطاء في هذه المحال.
فنقول: لا مشابهة بين صحيح الكتابة وصحيح البيع فإذا لم يتشابها في منزلة الصحة فكيف يتشابهان في الفساد؟
وإن [قنع] الملزم بلفظ يجمع البابين ألزم على مقصوده إيراد تحمل العاقلة على أبواب الغرامات فلاح بما تمهد أنه لا متمسك للخصم بالكتابة الفاسدة على وجه لا على سبيل التعليل ولا على سبيل المناقضة.
٩٩٢- ومن أمثلة هذا الفصل الاكتفاء بالخرص على من يدعونا إلى التقدير بالكيل أو الوزن الضابطين فالأصل الضبط بالممكن في كل جنس ولكن الخرص أثبته الشرع لحاجة في قضية مخصوصة فهو من المستثنيات ولكن قد ينقدح في هذه.
[ ٢ / ١٠٩ ]
المحال أن الوزن أضبط من الكيل ثم الكيل متعين في بعض الأشياء مع أمكان الوزن فالخرص في محل الحاجة كالكيل في المكيل [بالإضافة إلى الوزن] .
فلا يتضح خروج الخرص بالكلية عن القانون حسب اتضاح خروج تحمل العاقلة والكتابة الفاسدة.
والسبب في ذلك ما جاء [به] من المعنى من شوائب التعبد في تعين الكيل مع إمكان الوزن ولكن وإن كان الأمر كذلك فالأصل الرجوع إلى العرف فيما يعد تقديرا فالخرص معدود من الحدس والتخمين المجانب لمدارك اليقين وعلى الجملة بين الداعي إلى التقدير وبين ملزم الخرص تجاذب وتداور من مثل ما ذكرناه والوجه درء الخرص بالمسلك الذي ذكرناه كما تقدم.
٩٩٣- فإن علل معلل في قطع الخيار عند ظن [صفة في العبد المبيع] من غير تصريح والكلام مفروض في ظهور مخايل وأمارات مشعرة بالصفة المطلوبة فثبوت الخيار عند التصرية إذا قال به المعلل [ينقض تعليله] فإن إشعار التصرية بإبداء غزارة اللبن واضح وليس ببعيد عن مسلك المعنى تعليل الخيار فيه وإذا لم ينقض تعليله ببعد التعليل [على] حال لزم ما يجري التعليل فيه نقضا.
فآل [مآل] الكلام إلى أن ما يورد نقضا إن كان لا ينقدح فيه وجه سديد على جلاء أو خفاء في المعنى فقد استمسك المعلل بالمعنى ولا مبالاة بما وقع مستثنى عن المسلك الذي ارتضيناه فإن كان يثبت فيه معنى وإن خفي وبلغ خفاؤه مبلغا لو عورضت علته بعلة في رتبة علة المعلل لكانت رتبة علة المعلل مرجحة فالالتباس بين الرتبتين لا ينتهض دارئا للنقض ولا احتفال بتخيل معنى [كلي] يظنه الظان على بعد كالمعاونة في تحمل العقل وسبيل تداينه من الكتابة الفاسدة فهذه مجامع الكلام في ذلك.
٩٩٤- وقد رسم القاضي ﵀ مسألة في أن الحكم ببطلان العلة عند ورود النقص وصحتها قطعي أو ظني وقد ظهر ميله إلى إلحاق ذلك بالظنيات وقد ذكرنا فيما تقدم أن القاضي إنما وقف إذ كان النقض لا يعلل وقد بينا في التفصيل الذي انتجز الآن مدرك الحق وهو مقطوع به عندنا فليتبع الناظر تأمله وليستعن بالله تعالى.
مسألة:
٩٩٥- اختلفت مذاهب الأصوليين في أن علة الشارع هل يرد عليها ما يخالف
[ ٢ / ١١٠ ]
طردها فذهب الأكثرون إلى أن ذلك غير ممتنع في علة الشارع من جهة أن قوله متبع في تخصيصه وتعميمه [و] لا معترض عليه إذا خصص علة بمحل ولم يعملها في غير ما نص عليه والمستنبط معتمدة ظنه وإذا تقاعد المستنبط عن الجريان ضعف مسلك ظنه وليس له أن يحتكم بتخصيص العلة.
٩٩٦- وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن علة الشارع يجب طردها كما يجب في العلة المستنبطة.
٩٩٧- وهذه المسألة عندنا قريبة المأخذ نزرة الفائدة ليس فيها جدوى من طريق المعنى والوجه فيها أن ما نصبه الشارع على صيغة العلة إن لم يكن نصا في كونه علة بل كان ظاهرا في هذا الغرض فإذا ورد عليه ما يمنع جريان العلة فيظهر منه أن الشارع لم يرد التعليل وإن ظهر ذلك منه في مقتضى [لفظه] وتخصيص الظواهر ليس بدعا.
وأن نص على التعليل على وجه لا يقبل التأويل تصدى في ذلك نوع آخر من النظر وهو أن ما نصبه علة إن عم نصبه على صفة لا يتطرق إليها تخصيص ببعض الصور التي تطرد العلة فيها [فلا] مطمع في اعتراض ما يخالف طرد العلة وقد ثبت والأمر على ما صورناه على القطع أمران:
أحدهما: انتصاب المعنى المذكور علة، والآخر: جريانه على اطراد من غير اعتراض مخالف ونص الشارع لا يصادم.
وإن نص الشارع على نصب شيء على الجملة ونص على تخصيصه في كونه علة بمسائل معدودة ومواقع محدودة فليس يمتنع ذلك على هذا الوجه فإن علل الأحكام لا تقتضيها لذواتها وأعيانها وإنما تصير أعلاما عليها إذا نصبت ثم إذا نصبها الشارع في محال على الخصوص دون غيرها فلا معترض عليه في تنصيصه وتخصيصه.
ولو نص على نصب علة على وجه لا يقبل أصل النصب تأويلا ولم يجر في لفظ الشارع تنصيص على التعميم على وجه لا يؤول ولا تنصيص على التخصيص بمواقع مخصوصة فحكم هذا اللفظ الإجراء على العموم ولكن لا يمنع قيام دليل على تخصيص العلة ببعض الصور.
٩٩٨- فأما ما ذكرنا أن للشارع أن يصرح بالتخصيص ولا يكون في تصريحه.
[ ٢ / ١١١ ]
بالتخصيص تناقض مع التنصيص على التعليل في موقع الخصوص فإذا كان لا يمتنع التصريح [بهذا وليس في اللفظ ما يأباه إباء النصوص وليس يمتنع إزالة الظواهر] فيخرج من مجموع ذلك أنه لا يمتنع تخصيص العلة ببعض المسائل.
٩٩٩- والأستاذ أبو إسحاق يمنع النص على التعليل على وجه لا يقبل التأويل مع تجويز التخصيص ويقول: إن تعرض اللفظ لقبول الخصوص في جريانه لزم أن يكون في وضعه متعرضا للحمل على غير قصد التعليل ولو كان نصا في قصد التعليل فهو نص في قصد التعميم إذ لو لم يكن كذلك لكان خروجه عن حكم العلة في بعض المسائل متضمنا خروجه عن حقيقة العلة في أصل الوضع وذلك يخالف موجب التنصيص على كونه علة.
وهذا الذي ذكره يعترض عليه التنصيص على النصب مع التنصيص على التخصيص ببعض المسائل فإن ذلك سائغ في الوضع ولو كان التخصيص ببعض المحال مخرجا للمنصوب عن كونه علما لكان الجمع بين التنصيص على النصب والتخصيص متناقضا وفي كلام الأستاذ تشبيب بمنع هذا وهو في مجاري كلامه جسور هجوم على منع ما لا سبيل إلى منعه فإن قدر منه القول بهذا رد الكلام معه إلى ما تقدم ذكره من كون هذا غير ممتنع من جهة أن أعلام الأحكام لا تقتضيها لأعيانها وإنما معنى كونها عللا أنها أعلام تنتصب بنصب الشارع.
وإذا كان كذلك [فلا معترض] على من ينصب علما في تعميمه وتخصيصه ولذلك لا يمتنع أن ينصب الشارع علما مثله متى طرده ولم يتضمن إشعارا ولا شبها مقبولا.
١٠٠٠- فهذا منتهى القول في هذا الفصل.
وعلى الجملة تخصيص المستنبط علة ينفصل عن تخصيص الشارع فإنه ليس للمستنبط وضع العلل على اختياره وإنما له النظر إلى درك ما يتخيله موضوعا بمسلك الظنون وإذا لم تجر العلة عامة فقد وهى ظنه على ما فصلنا القول في ذلك كما نفصل القول فيه قبل أن بينا المختار فيما يجوز ويمتنع
[ ٢ / ١١٢ ]
فصل:
[في] توابع القول في النقض جدلي يعين على مدرك المقصود المعنوي.
١٠٠١- فإذا نصب الناصب علما مستنبطا وذكر لفظا مقتضاه العموم فطرا نقص فقال: أخصص لفظي بغير المسألة الواردة نقضا فإن [تقييد] اللفظ إلى فكيف السبيل إلى ذلك؟ والقول في هذا يتصل الآن بتفسير العلم وما يقبل منه وما لا يقبل.
وأما التخصيص: فيترتب الأمر فيه على ما يسوغ ويمتنع من طريق المعنى أولا فإن خصص تخصيصا يمنعه فهو غير مقبول منه وقد [ذكرنا] في تفصيل المعنى المقصود من هذا الفصل ما يبطل العلة من [النقوض] وإن كان ذكر تخصيصا لو صرح به لم يمتنع مثل أن تكون المسألة الواردة غير معللة وقد تقرر أن ما لا يعلل في حكم المستثنى فإذا أطلق المعلل [لفظه] عاما ثم لما ورد عليه مثل ما وصفناه الآن حاول تخصيص [عموم لفظه فهذا الآن تعلق بالجدل فإن المسألة الواردة ليست مبطلة من طريق] المعنى.
فقال قائلون من الجدليين: إطلاقه لفظه إشارة في بناء الكلام منه فإنه معمم للكلام ملتزم طردا فإذا وردت المسألة بإزائه لم يف بما التزمه.
١٠٠٢- ونحن نقول: الأحسن أن يشير إلى ما يرد تصريحا وتلويحا مثل أن يقول هذه علة ما لم يستثن الشارع فإن لم يتعرض لهذا فلا معاب فإن العلل إنما يلتزم المستنبط طردها إذا لم يحتكم الشارع في استخراج بعض المسائل فليس على من يطرد علة في الغرم على المتلف أو علة في نفي الغرم على من لم يتلف التعرض للعاقلة وحملها وهذا يظهر في الذي طرأ استثناؤه والقول في ذلك كله قريب من المعنى واعتقاد كون الوارد غير خارج.
١٠٠٣- ومما يتعلق بالتفسير أن المعلل إذا ذكر لفظة مجملة ثم استفسر السائل ففسرها فقد اختلف الجدليون في ذلك فجوزه بعضهم وامتنع منه المحققون فإن الغرض من المناظرة التفاوض بما يعلم ويفهم ومن ذكر لفظا مجملا وسكت عنه فحاله مشعر بإسعافه على قطع السائل الطالب بالدليل ومن حكم إسعافه إياه أن [يفهمه] ما طلبه وإذا لم يفهمه فقد أظهر أنه مسعف والأمر على خلاف ما أظهر.
فإن ذكر لفظا مفهوما في وضعه واستراب السائل فيه واستفسر فالذي يأتي
[ ٢ / ١١٣ ]
به المجيب من إرشاد وهداية ليس تفسيرا وإنما هو تنبيه للسائل على قصوره عن درك ما هو مفهوم في وضعه ويخرج من جملة ذلك أنه ليس على المعلل تفسير فيما ذكرناه.
فإن أتى بمجمل فقد قصر وعد ذلك من سوء الإيراد وإن لم يكن منقطعا في المعنى فإن أتى بلفظ مستقل مفهوم في وضع اللسان فلا حاجة إلى التفسير والذي نذكره عند [الاستبهام] على السائل سبر تقصير لا سبر تفسير وقد [نجز القول] في النقض وهو في التحقيق تخلف الحكم مع وجود العلة المدعاة ونحن نبتدىء الآن:
القول في تخلف العلة مع جريان الحكم.
[الخامس من الاعتراضات] .
١٠٠٤- وهو الاعتراض المترجم بعدم التأثير١ ونحن نجري في رسم هذا الفن على مسالك الأولين وتقسيمهم ثم نذكر بعد نقل مراسمهم وجه التحقيق إن شاء الله تعالى.
١٠٠٥- قال أصحاب الجدل: عدم التأثير ينقسم:
إلى ما يقع في وصف العلة وإلى ما يقع في أصلها.
[فأما] الواقع في [الوصف] ٢ فهو عدم الانعكاس وقد سبق في ذلك قول بين بالغ يطلع على الأسرار والنهايات ونحن نذكر الآن ما يليق بهذا المقام ولا نغادر مضطربا معنويا ولا جدليا.
فنقول: العلة [المعنوية] إذا اطردت فإنها كما تشعر بالحكم في اطرادها فقد يشعر عدمها بعدم الحكم [على حال] ولكن لا يبلغ [إشعار] العدم بانتفاء الحكم [مبلغ] إشعار الوجود بالوجود.
وسبب ذلك أنه لا يمتنع في وضع المعاني ارتباط حكم بعلل تجويزا وإن كنا ادعينا فيما تقدم أن ذلك غير واقع وأن ما ظنه الخائضون في هذا الفن حكما معللا
_________________
(١) ١ ذكر جماعة من الأصوليين أن هذا الاعتراض قوي. حتى قال ابن الصباغ: إنه من أصح ما يعترض به على العلة."أرشاد الفحول" "ص ٢٢٧". ٢ إرشاد الفحول "ص ٢٢٧".
[ ٢ / ١١٤ ]
بعلل في التحقيق أحكام وهو كقولهم تحريم المحرمة الصائمة المعتدة الحائض معلل بهذه العلل المزدحمة وقد ذكرنا أن كل قضية من هذه القضايا توجب حكما مغايرا لحكم القضية فلا يعدم الأنيس بالفقه استمكانا من تقدير التعدد في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف.
وقد يظن الظان [في هذا المقام] أن المسئول إذا فرض الكلام في طرف من أطراف المسألة لغرض وإيضاح كلام فصورة الغرض تختص بعلة وتشبهها مع سائر الأطراف علة عامة وإذا كان كذلك فقد علل الحكم في هذا الطرف بعلة خاصة هي مقصود الفارض وعلة عامة وهذا على حسنه غير صاف عن القذى والكدر.
١٠٠٦- وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الغرض فأقول.
إذا قدم الغاصب الطعام [المغصوب] إلى إنسان مضيفا فأكله المضاف ظانا أن الطعام ملك المقدم المضيف فقرار الضمان في قول الشافعي على المقدم ومعتمد هذا القول تقدير التغرير وكون [الغرور] مناطا للضمان.
وقد قال أبو حنيفة لو أكره الغاصب إنسانا على تناول ذلك الطعام فالقرار على الطاعم وإن كان مجبرا [موجرا] كما إذا كان مختارا في التناول.
فإذا فرض الفارض الكلام في صورة [الإكراه] فهذه الصورة لا يجرى فيها عموم التعليل بالتغرير إذ الإجبار ينافى الاغترار ومن ضرورة الاغترار فرض الاختيار في المغرور مع استناد اختياره إلى اغتراره فأما المجبر المكره فلا يتصور تصوره مغترا وإن فرض منه ظن فليس ذلك الاغترار المعنى.
فهذا النوع من الفرض غير معنى من جهة أنه يجانب محل السؤال أولا [والفرض] المستحسن هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل وذلك محمول على استشعاره انتشار الكلام في جميع الأطراف وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها فإذا فرض المجيب فيستفيد بالفرض فيه التعريف على قرب ومهما تعرض المجيب للكلام فيما لم يشتمل عليه سؤال السائل لم يكن للكلام وجه إلا البناء إذ له أن يثبت كلاما في غير محل السؤال ثم يبنى عليه محل السؤال وليس [ذلك] من الفرض وإنما هو بناء.
ولست أرى في البناء في المسألة التي فرضناها وجها فإنه إذا ثبت [أن] الضمان
[ ٢ / ١١٥ ]
لا يستقر على المكره فكيف ينبني عليه عدم القرار على المختار الطاعم ولا معتمد في التقدير على المختار إلا الاغترار؟ وهو مفقود في [الإجبار] وشرط البناء جمع فقيه بين ما عليه البناء وبين محل السؤال.
نعم أساء أبو حنيفة ﵀ إذ قرر الضمان على من لا اختيار له إساءة لا ارتباط لها بمأخذ الكلام في صورة الغرور.
١٠٠٧- ونحن نفرض صورة من الفرض المستحسن يتبين بها قصارى المقصود فنقول: إذا سأل السائل عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعم المعتق المعسر والموسر [و] إذا رأى المسئول [فرض الكلام] في المعسر فمحمل كلامه يندرج تحت سؤال السائل والفارض يستفيد بالفرض في المعسر أمرين:
أحدهما: دفع أسئلة قد يعتاص الجواب عنها على [البكي] الذي لا تطاوعه العبارة فإن من أسئلة الخصم سريان العتق إلى ملك الشريك فإذا كان يسرى سلطانه إلى غير ملك المعتق فقد يبعد عن محل ملكه مع صحة عبارته فإذا وقع الفرض في المعسر فلا يلزم في أطراف الكلام سريان العتق فإن عتق المعسر غير سار على أصل الشافعي فهذه فائدة.
وأعلى منها أن الخصم قد يتمسك في أطراف الكلام في أن قيمة العبد في فرض المالية نازلة منزلة العبد فليس الراهن المعتق [مفوتا على المرتهن] غرضه من الاستيثاق بالمالية فإذا أقام قيمة العبد رهنا مقامه فهو غير معترض على محل حق المرتهن.
وهذا الفن من الكلام لا حقيقة له إذ ليس هو معنى من ينفذ عتق الراهن فإن عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إقامة القيمة مقامه بل سبب نفوذه صحة عبارته وثبوت ملكه فيستفيد الفارض بفرضه دفع هذا الكلام الواقع فضلة لا أثر لها [فليكن] قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك.
١٠٠٨- والآن نذكر في هذا الفن الغرض الذي استفتحنا القول في الفرض لأجله فنقول: يتجه للفارض في المعسر أن يقول: استأصل المعتق المعسر لو نفذ عتقه حق المرتهن بكماله مشيرا إلى أنه لا يجد ما يبذله غارما فيظهر كلامه من جهة الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية.
وهنا وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول: من منع نفوذ العتق يكتفى بما
[ ٢ / ١١٦ ]
يقرره بأن نفوذ العتق لو قبل منه أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في عين الرهن فإذا كفى هذا فأي حاجة إلى التعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة يوشك لو تفطن الفارض أنه يقع في المحذور الذي نبهنا عليه الآن وهو النطق بما لا اعتناء به ولا وقع له.
فإن قال قائل: ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة إحداهما قطع المالية بالكلية والثانية قطع حق المرتهن عن العين المخصوصة فيكون امتناع النفوذ معللا بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق عن عين العبد [فإن] هذا مما يعم الموسر والمعسر وإنما تتبعنا هذا الكلام مع فوائد جمة لهذا الغرض.
١٠٠٩- ونحن نقول: هذا ليس بشيء فإن المالية ليست مرعية في حق المرتهن وإنما المعتبر حق استيثاقه بعين يتمسك به إذا اعترض له توقعات العسر في الذي يقع في الذمم وهو [يأنس] مستوثقا بالعين التي استمسك بها فهذا غرض الرهن وإذا لم يكن الراهن مطالبا بالدين فقد خرج عن مقصود الرهن ولهذا السر لا يجوز رهن الدين نعم لو فرض من الراهن إتلاف الرهن فالشرع يتقاضاه أن يقيم قيمته مقامه إذ مسلك الشرع إثبات الضمان جبرانا لكل فائت فلا ينبغي أن تعد قضايا الشرع في مظان الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول.
وهذا يناظر عندي مسلكين في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقى العقد عند مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف أحد العوضين.
١٠١٠- وقد زل جماهير الفقهاء فاعتقدوا التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في مسألة العجوة في "الأساليب" وهذا زلل في سوء مدرك فإن العقد ما انبنى على التوزيع وإنما هو أمر ضروري أحوج إثبات الشفعة إليه وهو إذ ذاك أقرب معتبر.
١٠١١- وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صار إلى أن الراهن إذا كان موسرا نفذ عتقه ويلزمه إحلال القيمة محل العبد وإن كان معسرا لا ينفذ عتقه لتعذر تغريمه وإفضاء الإعتاق فيه لو قدر نفوذه إلى إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه [ذلك] بتفصيل مذهبه في تسرية عتق الشريك إذا كان موسرا ومنع تسريته إذا كان معسرا فاتحاد العلة على هذا المذهب أوضح فإن صاحبه متشوف إلى اعتبار انقطاع علقة المرتهن من غرض الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من غير الراهن عنده وقع أصلا ولذلك يبعد عتق الموسر.
[ ٢ / ١١٧ ]
الراهن فلم ينتظم على المسلكين علتان عامة وخاصة في صورة الفرض.
١٠١٢- ومما نجريه مثالا في ذلك أن الشافعي ﵀ إذا فرض [من هو على مذهبه] الكلام في مسألة ضمان المنافع في طرف الإتلاف وطرد ما يرتضيه فيه فقد يعتقد الفطن أنه يجتمع في هذا الفرض معنيان.
أحدهما: الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك [اختار] الفارض [تعيين هذا] الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به وقد اجتمع فيه الإتلاف والتلف تحت اليد العادية وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع معنيين لحكم واحد.
١٠١٣- ونحن نقول فيه: العلة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإن التلف [الحاصل] تحت اليد العادية إنما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد ومنعه الحق مستحقه فصار الضياع الذي وقع مساويا في أطراد منع المعتدى مشبها بالإتلاف فإذا تحقق الإتلاف لم يبق لتخيل التلف على دوام المنع المشبه بالإتلاف معنى والإتلاف هو المشبه به واعتقاد اجتماع المشبه والمشبه به في صورة واحدة محال.
١٠١٤- وأنا أشبه هذا المساق من الكلام بمسألة أصولية ذكرناها في أوائل هذا المجموع وهي قوله ﷺ: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ١ فقد ذهب ذاهبون إلى أن الصيغة عامة في نفي الكمال والجواز وهذا زلل فإن العموم إنما يتحقق إذا أمكن اعتقاد اجتماع المسميات تحت قضية اللفظ المقدر عاما حتى يكون اللفظ شاملا لها وهذا لا يتحقق فيما فيه الكلام فإن الجواز إذا انتفى لم يتحقق مع انتفائه تخيل نفى الكمال إذ من ضرورة نفى الكمال [إجزاء] الشيء وجوازه على حكم النقصان وقد قررنا ذلك بما فيه أكمل مقنع.
١٠١٥- وقد تبين بمجموع ما ذكرناه في تقاسيم الفرض أنه لا يكاد يجتمع معنيان وقوعا يصلح كل واحد منهما لتعليل الحكم الواحد ولكن إن لم يقع هذا ولم يتفق فليس في العقل عند النظر في قواعد الشرع بالتعبد ما يحيل ذلك.
ولو قدرنا وقوع هذا المجوز لما اقتضى انتفاؤه معنى عدم الحكم إذ الحكم في هذا التقدير مستقل بما بقى من المعاني فليس إشعار عدم المعنى بانتفاء الحكم على
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ١١٨ ]
نحو إشعار ثبوت المعنى بثبوت الحكم.
١٠١٦- وأقرب مثال فيما نحاوله من الفصل بين الإشعارين أن نقول العلة المفردة المعنوية تناسب الحكم مناسبة الاستقلال بالاقتضاء ولو فرضت علة مركبة من صفات فقهية فلا يناسب وصف واحد من الأوصاف الحكم واقتضاءه مناسبة العلة المفردة المستقلة ولكنه لا يعرى عن مناسبة لائقة بالحكم مستمدة من قضية فقهية الأوصاف.
فلو قدرنا عللا وقدرنا انتفاء جميعها ولم يرد شرع باطراد الحكم مع انتفاء جميع العلل فإن الحكم ينتفي عند ارتفاض العلل جميعا إذ يستحيل [تقدير] بقاء الحكم غير مرتبط بوصف أو علة وإذا زال بعضها كان لزوال البعض أثر في [النفس] يضاهي زوال ترجيح وتأكد ونحن لا ننكر اجتماع الترجيحات وزوال وصف واحد من العلة [المركبة من الأوصاف تتضمن انتفاء الحكم لاختلال العلة] إذ هي مركبة وشرطها تكامل أوصافها فكان انتفاء الحكم محالا على [اختلال] العلة أصلا ولم [نورد] الوصف الواحد مثلا ونحن [نريد أن نشبهه] في كل الوجوه بآحاد العلل عند [تقدير] اجتماعها وإنما أوردناه لانحطاط حظه من الإشعار عن حظ العلة المستقلة عند تكامل الصفات فكل وصف من أوصاف العلة عند توافيها على حظ وكل علة من العلل التي قدرنا اجتماعها إذا انتفت على حظ من اقتضاء الانتفاء فشابه خفاء إشعار انتفاء علة من علل بانتفاء الحكم خفاء إشعار آحاد الصفات عند توافيها بالحكم.
١٠١٧- وإذا تقرر ما ذكرناه فنقول بعده إذا طرد المعلل علة فاطردت له وهو يعتقد اتحاد العلة ولو يقم عنده توقيف في ثبوت الحكم عند انتفاء العلة فإنه يعتقد لا محالة انتفاء الحكم عند انتفاء العلة ويلتزم ذلك غير أنه لا يلزمه في مراسم الجدل أن يبدي توقيفا مقتضيا منع الانعكاس إن كانت العلة لا تنعكس.
١٠١٨- وهذا يستدعي مزيد كشف الآن.
فنقول والله المستعان قد ذكرنا ترددا في أن العلة إذا امتنع اطرادها بمسألة غير معللة مستندها توقيف فهل يتضمن [ذلك] بطلان العلة؟ وهل يوهى مسلك ظن المستنبط في روم الطرد؟ فمن سبق إلى اعتقاد كون هذا قاطعا للطرد لا يقول إذا قام توقيف مانع من الانعكاس تضمن ذلك بطلان روم الطرد وذلك الإشعار لا يحط
[ ٢ / ١١٩ ]
الإشعار بالعكس عن الإشعار بالطرد.
على أنا ذكرنا أن الطرد لا ينقطع بمواقع الاستثناء أصلا ومن اعتقد انقطاعه فقوله أقرب من قول من يصير إلى عدم الانعكاس متضمن بطلان الطرد.
فليفهم الناظر ما يلقى إليه من تفاوت المراتب في مآخذ النظر إن كانت مستوية في عقده.
ولهذا المعنى نقول: إذا اعترضت مسألة على مناقضة الطرد غير معللة فعلى المتمسك بالعلة أن يبين خروج المسألة المعترضة عن المعللات والتحاقها بالمستثنيات في أدب الجدل وليس على من ألزم عدم الانعكاس أن يبين السبب التوقيفي المانع من الانعكاس فإن ذلك لو فرض الخوض فيه كان داعية إلى انتشار الكلام والخروج عن الضبط الجدلي وإن كنا نرى أن العلل غير مجتمعة وقوعا وعلى المجتهد فيها أن يبحث عن طرق المناظر في الطرد والعكس وليس كل ما يلتزمه المجتهد في ترددات اجتهاده يذكره في مفاوضة من يناظره.
١٠١٩- فإن قيل: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه مبنيا على الدعاء إلى العكس؟
قلنا: لا يستقل في هذا كلامه المطلق بل يحتاج إلى أن يقرر معناه ويبين فساد ما عداه مما انتحله الخصم وادعاه ثم يشير إلى [انتفاء] التوقيف المانع من الوفاء بالعكس فينتظم من مجموع ذلك الدعاء إلى العكس لما ذكرناه من الإشعار [الخفي] به وعليه يخرج التعلق بالعلة القاصرة حيث يصح ويظهر بطلان ما يقدر متعديا فيدعو المتمسك بالعلة القاصرة خصمه إلى الوفاء بمقتضى العكس وسيكون لنا إلى ذلك عودة إن شاء الله تعالى عند الكلام في العلة القاصرة.
فهذا هو الذي أردنا إيراده في حقائق العكس في هذا المقام وقد يخرج ذلك في الاستدلال أيضا.
وكل ما ذكرناه معدود عند أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الكلام عن عدم التأثير في الأصل.
١٠٢٠- فأما ما عد من عدم التأثير في الأصل١ فنحن نمثله ونتكلم عليه فنقول: إذا علل الشافعي منع نكاح الأمة الكتابية وقال: أمة كافرة فلا يحل لمسلم [نكاحها] كالأمة المجوسية ولا أثر للفرق في الأصل [فإن الحرة المجوسية محرمة والتمجس يستقل بإثارة منع النكاح والرق مستغنى عنه وذكر الرق عديم التأثير في الأصل] والذي صار إليه المحققون فساد العلة بما ذكرناه.
وذهب ذاهبون إلى أن التمسك بذلك صحيح من جهة أن للرق أثرا على الجملة في المنع فذكره مع التمجس ليس عريا عن إشعار وإن كان لا يحتاج إليه.
وزعم هؤلاء أن هذه الزيادة مع ما فيها من الإشعار بالمنع على خفاء مشبهة بشهادة شاهد ثالث وقد استقلت الحكومة بشهادة عدلين.
وهذا غير سديد فإن الرق في الأصل ليس علة ولا وصفا لعلة فوقع التعرض له لغوا ولا حكم له لما فيه من الإشعار على بعد إذ كان لا ينتهض علة ولا ركنا لعلة وليس هذا كما استشهد به من يصحح ذلك في شهادة الشاهد الثالث فإن ذلك استظهار في الحكومة والشاهد الثالث متهيئ لأن يقدر أحد الشاهدين الواقعين ركنا ولا يتصور أن يقع الرق المجرد ركنا في محاولة التحريم على التعميم فقد نأى ما نحن فيه عما استشهد به من تقدم وتعين القول قطعا من سقوط العلة.
١٠٢١- وما ذكرناه فيه إذا كان للوصف أثر على بعد في أصل الحكم المطلوب وإن كان لا يؤثر في تفصيله.
فأما إذا كان الوصف الزائد غير محتاج إليه ولم يكن معه إشعار نظر فإن لم يكن في ذكره غرض فهذا لغو لا وقع له ولا يقضى بأنه يبطل العلة إذا كانت مستقلة مع حذف الزيادة ولكن ينسب ذاكرها إلى الهذر وذكر ما لا يحتاج إليه وهذا في مراسم الجدل كترك السنن والهيئات في العبادات.
ولو كانت العلة تنتقض لو قدر حذف الزيادة والزيادة لا إشعار لها فهي عند المحققين منحذفة غير عاصمة من النقض.
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول "ص ٢٢٧".
[ ٢ / ١٢١ ]
وذهب القائلون بالطرد إلى قبول هذا ورأوا ذلك أولى من الطرد المجرد من حيث انطوت العلة على فقه على حال ووجه ولصاحب هذه الزيادة درء النقض.
١٠٢٢- ونحن نقول: إن كان النقض ينفصل عن محل العلة فذاكر العلة غير آت بتمام العلة ولا يقع الانفصال بالزيادة التي أثبتها والعلة باطلة.
وإن كانت المسألة المعترضة [غير معللة فلا ضير في ذكر الزيادة فإنها منبهة على كون المسألة المعترضة] ملتحقة باستثناء الشارع وقد جرى التنبيه على ذلك.
وتقدم فهذا تمام القول فيما أردناه.
١٠٢٣- وعلينا الآن فضل كلام في فصل الأصحاب بين عدم التأثير في الوصف [وعدم] التأثير في الأصل.
فنقول: عد الجدليون عدم التأثير في الوصف قولا في العكس كما تفصل وفسروا عدم التأثير في الأصل بذكر صفة لا تستقل علة وعلة الأصل تستقل دونها والذي نراه أن القسمين ينشآن من الأصل فإن فرض الأصل معللا بعلل [فالعلة] الواحدة لا يتضمن انتفاؤها انتفاء الحكم وهذا منشؤه من تعدد العلة في الأصل وإن اتحدت العلة جر ذلك الانعكاس والقول في ذلك كما مضى.
فوضح أن تقسيم الكلام إلى الأصل والوصف لا حاصل له.
١٠٢٤- ونحن الآن نسرد في بسط المقالات كلاما مجموعا في الخلاف والوفاق حتى يجدها الناظر مجموعة فقد أطلنا [التقرير] بعض الإطالة فنقول:
ذهب شرذمة إلى اشتراط الانعكاس جملة وهذا مذهب مهجور وعلى قلة البصيرة محمول ولست أعدها مقالة معتدا بها فأما التزام الانعكاس مع اتحاد العلة وانتفاء توقيف مانع منه فلا بد.
منه عندنا وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يلزم لأن إشعار النفي كالمنفى والمقصود طرد خفي لا استقلال له.
والإنصاف في ذلك أن يقال: إنه لا يلزم في الاجتهاد والمطالبة به لا تحسن في الجدل والمعلل إذا ألزم فله الاكتفاء برد الأمر إلى إبهام في المانع من العكس فهذا بيان المقالات في العكس.
[ ٢ / ١٢٢ ]
١٠٢٥- فأما ما به قوة عدم التأثير في الأصل فينقسم إلى مخيل وإلى ما لا يخيل.
فأما الصفة المشعرة إذا كانت علة الأصل يستقل دونها الحكم وهي لا تستقل علة فالوجه القطع ببطلانها ومن الجدليين من لم يبطلها.
وإن لم تكن مناسبة [ولا] حاجة فهي من اللغو كما مضى وإن رام المعلل بها دفع نقض فهذا على ما تقدم شرحه فمن الناس من قبله.
والمختار عندنا أن النقض إن كان فقهيا لم تغن هذه الصفة والوجه ذكر الفقه الفاصل بين ما اعترض به وبين محل العلة وإن كان الغرض من ذكرها التنبيه على مسألة غير معللة فهذا مستحسن ولكنه لا يلزم الذكر في الرأي الواضح فهذه مجامع المذاهب وقد نجز بنجازها القول في عدم التأثير و[الخامس] من الاعتراضات: فساد الوضع ١:
١٠٢٦ - وهو على أنحاء وأقسام [وحاصل] القول فيه يحصره نوعان.
أحدهما: أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب الأدلة وهذا يشمل فنونا وقد تقدم القول فيها.
أحدها: أن يكون على مخالفة الكتاب، والآخر: أن يكون على مخالفة السنة والكتاب والسنة مقدمان على قياس المستنبط وكذلك القول في الخبر الذي ينقله الآحاد على الصحة المألوفة في أمثالها فخبر الواحد مقدم كما تقدم ذكره.
ومن هذا الفن محاولة الجمع بالقياس بين شيئين فرق بينهما الخبر أو محاولة الفرق بين شيئين اقتضى الخبر الجمع بينهما.
ولا معنى لتعديد وجوه المخالفات فإنها ترتبط بالتزام عد مقتضيات الشرع ولا معنى للإسهاب بعدها.
_________________
(١) ١ وذلك بإبطال وضع القياس المخصوص في إثبات الحكم المخصوص بأن يبين المعترض أن الجامع الذي ثبت به الحكم قد ثبت اعتبار بنص أو إجماع في نقيض الحكم والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان ذلك بأن يكون أحدهما مضيقا والآخر موسعا أو أحدهما مخففا والآخر مغلظا أو أحدهما إثباتا والآخر نفيا "إرشاد الفحول" "ص ٢٣٠".
[ ٢ / ١٢٣ ]
ويكفى فيما نرومه أن القياس إذا خالف وضعه موجب متمسك في الشرع هو مقدم على القياس والقياس مردود فاسد الوضع [فهذا أحد النوعين] .
١٠٢٧- والنوع الثاني: أن يقع المعنى الذي ربط القايس الحكم به مشعرا بنقيض قصد القايس وهذا بالغ في إفساد القياس وهو زائد على إفساد القياس على الطرد وقد قدمنا أن الطرد إنما يرد من جهة أنه لا يناسب الحكم ولا يشعر به [فالذي لا يشعر به] بل يشعر بخلافه [أولى] أن يرد وهذا كذكر سبب يشعر بالتغليظ في روم تخفيف أو على العكس من ذلك.
مسألة:
١٠٢٨- إذا اعتبر القايس القصاص بالدية في الثبوت على الشركاء حيث يبغى ذلك أو اعتبر الدية بالقصاص في السقوط حين يلتمسه أو قاس الحد على المهر [في طلب الثبوت أو المهر على الحد] في محاولة السقوط فقد أطلق طوائف من الجدليين أقوالهم بفساد القياس صائرين إلى أن العقوبات تدرأ بالشبهات وأروش الجنايات تثبت الشبهات فاعتبار أحد البابين بالآخر فاسد الوضع.
١٠٢٩- وسنبين القياس الصحيح باعتبار ما يسقط بالشبهة [بما] لا يسقط بها أو على العكس وهذا أطلقه حذاق في كتبهم.
وليس الأمر عندي كذلك على الإطلاق فإن المهر وإن كان قد يجب مع الشبهة فلا يقضى الشرع بثبوته أبدا ولكنه قد يسقط في بعض الأحوال [وكذلك القصاص] فإن كان يتعرض للسقوط بالشبهة فلا شك أنه [يجب] في بعض الأحوال.
فإذا تعرض القايس لحالة يقتضى حكم الإخالة فيها اجتماع القصاص والدية في السقوط واجتماعهما في الثبوت فقد تعرض جاريا لتبيين الرشاد والسداد وليس يلتزم القايس في التفصيل قياس باب القصاص على باب الدية فلو حاول ذلك لكان مبطلا.
فتحصل من مجموع ذلك أن المتبع في هذا أن اعتبار الباب بالباب مع افتراقهما في أصل الوضع محال متناقض لما عليه وضع الشرع.
وذلك إذا التزم الجامع أن يجب القصاص حيث تجب الدية أو تسقط الدية حيث يسقط القصاص.
[ ٢ / ١٢٤ ]
١٠٣٠- فأما إذا كان القياس جزئيا ناصا على بعض الصور فينظر في الجامع فإن أخال وصح على الطرد حكم بصحته.
وإن لم يخل أو صادف صورة يقتضى وضع الباب مفارقة أحدهما الثاني في صورة الجمع فالقياس فاسد في وضعه.
وعلى هذا النسق لا يطلق القول ببطلان قياس الرخص على الوظائف الثابتة ولا ننكر أيضا عكس ذلك.
١٠٣١- والغرض من مضمون هذه المسألة أن افتراق البابين على الجملة فيما نحن فيه ليس يوجب افتراقهما أبدا بل إن أطلق ذلك فالمراد به الافتراق في خصوص أحكام في صورة معينة فليجتنب الجامع في جمعه محل افتراق البابين وليلزم مع هذا الاجتناب شرائط الأقيسة فهذا الرشد والمسلك القصد.
والسادس- من الاعتراضات- القلب ١:
١٠٣٢- وهو ينقسم إلى قلب فيه التصريح بالحكم وإلى قلب وضعه إبهام الغرض.
فأما القلب الصريح: فقد مثله أهل هذا الشأن [بأن] الشافعي إذا قال عضو من أعضاء الطهارة فلا يتقدر الفرض فيه بالربع قياسا على سائر الأعضاء فيقول الحنفي عضو من أعضاء الطهارة فلا يكتفي فيه بما ينطلق عليه الاسم قياسا على سائر الأعضاء وهو مما ظهر فيه الاختلاف.
١٠٣٣- فذهب ذاهبون إلى رده وتمسكوا بأن ما جاء به القالب ليس مناقضا
_________________
(١) ١ قلب الآمدي: هو أن يبين القالب أن ما ذكره المستدل عليه لا له أو يدب عليه وله والأول قلما يتفق في الأقيسة ومثله في النصوص باستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله صلى عليه وسلم: "الخال وارث من لا وارث له" فأثبت إرثه عند عدم الوارث فيقول المعترض: هذا توريث الخال بطريق المبالغة كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له والصبر حيلة من لا حيلة له أي: ليس الجوع زاد ولا الصبر حيلة قال الرازي في "المحصول": القلب معارضة إلا في الأمرين: أحدهما: أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة وسائر المعارضات يمكن. الثاني: لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل لأن أصله وفرعه أصل المعلل وفرعه ويمكن ذلك في سائر المعارضات أي: فيما وراء هذين الوجهين فلا فرق بينه وبين المعارضة "إرشاد الفحول" "ص ٢٢٧، ٢٢٨".
[ ٢ / ١٢٥ ]
لمقصود المعلل ومقصود المعلل نفى التقدير بالربع وضده أن يتقدر بالربع فلا يستمكن القالب من ذلك أبدا فإن أصل المعلل والقالب واحد ولا يتصور أن يشهد أصل واحد على التصريح بنقيضين وإن فرض إجزاء ذلك فالأصل يشهد لأحد الوجهين دون الثاني فالقلب إذا حائد عن مقصد المعلل ومحل العلة وهو في حكم معارضة في غير محل التعليل والمعارضة إذا لم تجر على المناقضة المحققة بموجب العلة فهي غير قادحة لوقوعها مجانبة لمقصود العلة.
١٠٣٤- ومن قال: إن القلب قادح استدل بأن العلة وقلبها في الصورة التي ذكرناها مشتملان على حكمين لا سبيل إلى الجمع بينهما فإن من يكتفي بالاسم لا يقدر ومن يقدر لا يكتفي بالاسم فإذا كان كذلك فقد تحقق اشتمال العلة والقلب على أمرين لا يتأتى التزام جمعهما على الموافقة فكان ذلك كالتصريح بالمناقضة.
١٠٣٥- ثم للقلب عند القائل به مرتبة على المعارضة من جهة أن العلتين المتعارضتين تعتزى كل واحدة منهما إلى أصل لا يشهد للعلة الأخرى والأصل متحد في العلة وقلبها [فكان ذلك أبين] في التناقض.
ومن أسرار هذا أن القالب لا يأتي بالقلب وهو يجوز كونه متعلقا بما يريده ولو كان رام ذلك لكانت العلة قلبا لما يبغيه فإن كان القلب قادحا من جهة كونه قلبا فعلة الخصم قلب القلب فإذا وضع القالب على الإبطال وهو في حكم معارضة الفاسد بالفاسد وإبانة عدم شهادة الأصل على المراد فالعلة إذا عورضت بأخرى فلا يمتنع ارتباط الحكم بإحداهما للترجيح كما سيأتي مفصلا إن شاء الله تعالى فهذا مغزى قول الفريقين.
١٠٣٦- ونحن نقول: ما وقع الاستشهاد به في حكم مسح الرأس باطل [لا] من جهة القلب ولكن من جهة جريان الكلام من الجانبين طردا فإن إطلاق اسم العضو لا يشعر بمقصود المعلل ولا مقصود القالب فخرج الكلامان عن رتبة الإشعار ووقعا طردين.
فإن قيل: إن لم [يستد] القياس المعنوي فهلا قدر أحد الكلامين شبها وهلا قدرا شبهين متعارضين قلنا ما نرى الأمر كذلك فإن أعضاء الوضوء غير متشابهة لا في أقدار محل الفرض ولا في كيفية تأدية الفرض إذ بعضها مستوعب وبعضها غير مستوعب وبعضها مغسول وبعضها ممسوح.
فإذا قال القائل: عضو من أعضاء الطهارة فلا يتقدر فرضه بالربع فليس.
[ ٢ / ١٢٦ ]
الذي جاء به من الشبه في شيء إذ ليس في عضو من الأعضاء ما ينافى تقديرا وإنما لها أوضاع في الشرع وفاقية وهي في وضع الشرع على التقارب فمن يبغى شبها في التسوية في نفي أو إثبات فليس كلامه واقعا في مظنة التشبيه.
فإن عاود معاود بأن الأعضاء الثلاثة التي هي أصل القياس متساوية في عدم التقدير بالربع والمطلوب التشبيه في هذه الخصلة قيل له: هي وإن لم تتقدر ففرضها مختلف الأقدار في وضعها فلم يتأصل فيها شبه في ثبوت ولا نفى وما [يتخيله] القائل على بعد يصادمه ما تقرر من وقوع فرائضها على التفاوت في الشرع والمتمسك بما لم يقع في جميعها لا حاصل له إذ لم يقع في الوجه واليدين ما وقع في الرجلين ولم يقع في الرجلين ما وقع في الوجه واليدين لما ذكرناه من ابتناء الأصل على التفاوت فلم [يمنع أن] يتفق الربع في الرأس ولا يقع في سائر الأعضاء.
١٠٣٧- نعم، لو قال القائل: ورد ذكر الرأس محلا للمسح وثبت بالسنة المأثورة أن الاستيعاب غير واجب ولم يثبت توقيف في مقدار والتقدير استنباط واعتبار [والتحكم] به محال فيبقى اسم المسح مطلقا مع بطلان المصير إلى طرفي الاستيعاب والتقدير فيتعين والحال هذه حمله على أقل مقتضيات الاسم.
فهذا مسلك حسن بالغ في المسألة ولكنه ليس من القياس بسبيل وإنما هو متلقى من الكتاب والسنة وإبطال [الاحتكام] بالتقدير فليس قياسا ولا يستقل في هذا الطريق ظاهر الكتاب ولا يقتضى ما نقل أن النبي ﵇ مسح بناصيته وظاهر عمامته ولا يختص إبطال مذهب الخصم في التقدير بل لا بد من التعرض لإبطال اشتراط الاستيعاب بالسنة وإبطال التقدير وإذا بطلا وانحسم جواز فهم كل واحد منهما من ظاهر الخطاب لم يبق للمسح مصرف إلا التنزيل على أقل مقتضى التسمية.
وأين يقع هذا من القياس؟ وإنما هو مسلك بدع جدا لا يعهد له نظير.
١٠٣٨- فإن قيل لو قدر التعليل الذي ذكرتموه مثلا مخيلا مناسبا وقدر القلب مناسبا في غرضه فماذا كنتم تقولون قلنا هذا أولا لا يتصور فليثق الفاهم بهذا فإن الأصل الواحد لا يجوز أن يدل على حكمين نقيضين ويشعر بكل واحد منهما.
وإذا كان لا يتفق وقوع الشيء فلا معنى لتقدير بفرض الكلام عليه فإن كانت إخالة فإنها تختص بالعلة ويقع القلب طردا ويختص بالقلب وتقع العلة طردا ثم
[ ٢ / ١٢٧ ]
يبطل ما وقع طردا ولا معنى والحالة هذه لابتغاء مسلك في البطلان وراء ما ذكرناه فإن الطرد ليس على صيغ الأدلة حتى يتوقع فيه اعتراض وإنما هو دعوى عرية بمثابة دعوى المذاهب.
١٠٣٩- ولو تكلف متكلف في محال الأشباه استمساك المعلل والقالب بوجهين من الشبه يطابق في طريق الظن كل وجه من الشبه مراد صاحبه في الوجه الذي أبداه معللا أو قالبا.
فهذا إن تشبثوا به موضع الكلام وتلتبس به الحظوظ المعينة بالمراسم الجدلية فلا يشك ذو نظر أن القلب لا يعارض العلة معارضة المضادة ومناقضة النفي للإثبات بل يقع القلب للعلة في طرفين فيتجه من طريق الجدل إذا كان المسئول هو المقلوب عليه أن يقول للسائل: لم تتعرض لمقصود علتي؟ وأنت محمول على حصر كلامك في الاعتراض على مساق كلامي ممنوع عما يكون فرضا وتخصيصا للكلام بجانب من جوانب المسألة فهذا وجه لائح من وجوه الجدل.
١٠٤٠- وإن قال السائل: اتباع المقاصد أولى من التمسك بالصيغ والألفاظ فالعلة وقلبها يعسر الجمع بينهما مذهبا ومعنى والمعارضة المناقضة على التصريح إنما كانت اعترافا من جهة استحالة الجمع بينها وبين العلة وإذا تحقق عسر الجمع بين مقتضى العلة وموجب القلب كان القلب في وجه قدح المعارضة كالمعارضة.
وقد تحقق هذا النوع من الكلام بأن المجتهد إذا استنبط علة لعمل أو فتوى وعن له وجه من القلب فلا يحل له إمضاء الاجتهاد بموجب العلة [ما لم] يدفع القلب وإذا كان كذلك فشرط سلامة العلة السلامة من القلب والمسئول قد التزم الإتيان بعلة سليمة من الاعتراضات فعليه الوفاء بالملتزم ويقع القلب على هذا التقدير مطالبة بتسليم العلة عما يقدح فيها.
وإذا اتجه هذا المسلك المعنوي لم تقف له تلفيقات الجدليين.
١٠٤١- ومما يحقق الغرض والمقصد منه أن منصب السائل في وضع الجدل يمنعه من الدليل ويحصر كلامه في التعرض للاعتراضات ثم إذا عارض علة المسئول بعلة فهو في مقام المستدلين ولكن قبل ذلك لوقوع ما أتى به اعتراضا.
١٠٤٢- فهذا منتهى كلام الجدليين وأصحاب المعاني من الأصوليين ولى بعد
[ ٢ / ١٢٨ ]
المسلكين نظر آخر وهو مختاري.
فأقول: إن كان مضمون القلب تعرضا لطرد لا يناسب مضمون العلة من طريق المعنى ولكن اتفق مذهب الخصم في الطرفين على مقتضى في نفي أو إثبات ولا يمتنع أن يفرق بينهما فارق فيثبت أحدهما وينفى الثاني ولكن القائل قائلان أحدهما: يثبت أمرا والثاني: ينفيه ولو قدر مصير صائر إلى إثبات أحدهما: ونفى، الثاني: لم يكن ذلك متناقضا فإذا وقع القلب والعلة على هذا النسق فالقالب فارض وقلبه غير قادح [لا] جدلا ولا معنى إذ لا تعلق لواحد من الطرفين بالثاني وكأن المسئول فرض الكلام في طرف وفرض السائل الكلام في طرف آخر وهذا ممنوع لا شك فيه.
ويمكن أن نمثل [هذا] بما قدمناه في العلة والقلب في مسح الرأس لو أخذنا بكونهما شبهين فإن المعلل قال في حكم علته: لا يتقدر الفرض بالربع وقال القالب: لا يكتفى بالاسم [ولا يمتنع من طريق المعنى ألا يتقدر بالربع ولا يكتفى بالاسم] وهذا يقوى جدا إذا صح مذهب معتبر غيرهما.
والأمر كذلك في المسح فإن مالكا ﵁ أوجب الاستيعاب فلا ينتهض اتفاق مذهبي [الخصمين] في الطرفين على نفي وإثبات سببا في توجه الاعتراض إذا لم يكن الكلام في وضعه قادحا.
فأما إذا كان في القلب تعرض من طريق المعنى لمناقضة مقتضى العلة أصلا وسياقا وتفريعا فهذا إذ ذاك قدح من جهة تلاقي العلة والقلب على قضية التناقض ضمنا وإن لم يتلاقيا صريحا.
وهذا بمثابة قول القائل: مكث في محل مخصوص فلا يكون قربة لعينه كالوقوف بعرفة وغرض المعلل اشتراط الصوم في الاعتكاف ولكنه لم يستمكن من اشتراط ذلك صريحا لأنه لو صرح به لم يجد أصلا.
فإذا قال الشافعي: مكث فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفة فهذا القلب لم يتعرض للعلة تعرضا بينا فكان قادحا.
١٠٤٣- والقول الضابط في ذلك أن قول القائل لا يستقل بإثبات مذهبة من جهة أنه لا يكتفى بانضمام كل عبادة إلى الاعتكاف ولكن لم يتأت له التصريح فأبهم.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وأثبت طرفا من المذهب فإذا استمكن القادح تصريحا في مصادمته فيما [شبب] به تلويحا كان ذلك قدحا معينا.
- ١٠٤٤وفي القلب شيء يجب التنبه له وهو أن الصوم عبادة مستقلة فوقوعها شرطا بعيد وهي عبادة معينة في ذاتها والخصم لا يكتفي بانكفاف المعتكف عن المفطرات حسب اكتفاء المصلي الصائم بالإمساك والذي وقع القياس عليه لا يشترط فيه قربة مستقلة بل هو ركن من عبادة فكان لزوم القلب متجها.
- ١٠٤٥ولو علل الشافعي بما ذكرناه على صيغة القلب فقال: مكث في مكان مخصوص فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفه.
فقال الحنفي: فلا يقع بمجرده قربة كالوقوف بعرفة فهذا معترض لعله الشافعي من جهة أن متضمن القلب [إنكار] وقوع المكث المحض قربة فعلى الشافعي أن يدرا هذا القلب ودرؤه ممكن بأن يقول الوقوف جزء في عبادة وليس الاعتكاف من الصوم ولا الصوم من الاعتكاف إذ ليسا عبادة واحدة واشتراط عبادة في عبادة بعيد خلا الإيمان فإنه أصل ولا يعقل ملابسة فرع دونه وليس القلب في صورته [مبطلا إبطالا] لا يستدرك كالنقض فإنه لا ينفع بعد اتجاهه فرق ولا تعليل فإن القلب وإن اتجه فهو في معرض المعارضة وإذا عورضت علة المجيب وتمكن من إبطال ما عورض به وترجيح علته سلمت العلة واندفعت المعارضة.
فهذا منتهى الكلام في القلب المصرح به.
١٠٤٦- فأما القلب المبهم فينقسم قسمين:
أحدهما: إبهام في غير تسوية.
والآخر: إبهام بالتسوية.
فالإبهام من غير تسوية مثل أن يقول الحنفي صلاة شرع فيها الجماعة فلا يثنى فيها الركوع في ركعة واحدة قياسا لصلاة الخسوف على صلاة العيدين فيقول القالب فجاز أن تختص بزيادة كصلاة العيدين إذ فيها تكبيرات زائدة فهذا قلب مبهم.
١٠٤٧- والقاضي ﵀ قضى بإبطال هذا القلب وذكر وجوها [نسردها] ونتتبعها.
[ ٢ / ١٣٠ ]
منها: أنه قال: هذا الذي ذكره القالب ينقلب عليه فإن المعلل يقول: لا تختص بزيادة وهي ركوع وإذا كان كذلك فالقلب لو كان فادحا لوجب أن يفسد من حيث يقدح إذا أمكن قلب القالب وإذا فسد لم ينقدح.
وهذا الذي ذكره غير سديد فإن هذا الذي فرضه قلبا للقلب هو إعادة العلة وليس أمرا زائدا عليها ولا قلب في عالم الله تعالى إلا وهو بهذه الصفة وغرض القالب أن يورد ما يقتضي تعارضا وإذا ذكر المعلل علته في معرض القلب فهو [مقرر] لوجه التعارض وهو القادح وهو بمثابة ما لو عورضت علته بعلة أخرى فأعاد المجيب علته على صيغة المعارضة لما عورض به فثمرة هذا اعترافه بتعارض العلتين.
١٠٤٨- ومما تمسك به القاضي أن قال: المصرح مرجح على المبهم فلو قدر القلب معارضة لوجب سقوطه من جهة [ظهور ترجح الصريح] عليه.
وهذا غير سديد أيضا فإن ما ذكره إن كان وجها في الترجيح فقد يعارضه ترجيح أقوى منه فرب مبهم أفقه من صريح فلا ينبغي أن يحتكم بتقديم كل صريح على كل مبهم ويرد الأمر في هذا إلى منازل الترجيح وفي المصير إلى هذا قبول القلب والنظر إلى الترجيح.
١٠٤٩- ومما تمسك به القاضي أيضا أن قال: المبهم قاصر النظر والمصرح تام النظر ولا يعارض نظر قاصر نظر تاما فإن النظر القاصر لا يناط به حكم.
وهذا تلبيس من جهة أن القالب ناط بقلبه ما يجوز أن يكون معتقدا مستقلا ومذهبا تاما في النفي والإثبات وإنما يقصر الاجتهاد [مالا] يشعر بمذهب تام مستقل ثم غرضه [مما] أتى به القدح فإذا ظهر ما أتى به القادح تلاقي القلب والعلة علي قضية المناقضة فقد ظهر غرض القادح.
١٠٥٠- فإن قيل: فما المرضي عندكم؟.
قلنا: قدمنا أنه لا يجري في مواقع الظنون علة وقلبها إلا وهما طرديان أو أحدهما طردي وإن كانا معنويين فلا تلاقي بينهما بل يقعان في طرفين لا يمنع إثبات أحدهما ونفي الثاني فإن تلاقيا على قضية متناقضة فلا بد أن يكونا طردين أو يكون أحدهما فقهيا والثاني خليا عن الفقه.
نعم، قد يفرض الفطن في مجال الأشباه اشتمال كل واحد منهما على شبه
[ ٢ / ١٣١ ]
فإن اتفق ذلك فالقلب وإن كان مبهما إذا ناقض فقد عارض فتعين الاعتناء بدفعة بما يندفع به معارضة العلة فهذا قسم من الإبهام في القلب.
١٠٥١- فأما القسم الثاني:- وهو قسم التسوية- فمثاله أن يقول الحنفي في طلاق المكره مكلف قاصد إلى لفظ الطلاق فأشبه المختار.
فإذا قال الشافعي: فيستوي إقراره وإنشاؤه كالمختار فهذا الفن مختلف فيه وكل ما ذكرناه في القلب المبهم الذي لا تسويه فيه يعود في ذلك فإن التسوية لا بد فيها من الإبهام وقد أخذ فصل الإبهام [بحظه] .
ولقالب التسوية مزية مزيد يتعرض لها فإن الشيئين اللذين سوى القالب بينهما لو فصل غرضه فيهما لكان مطلوبه مناقضا لحكم الأصل فإن الشافعي [يبغي] بالتسوية بين إقراره وإنشائه ألا يقع الإنشاء ولا ينفذ في الفرع كما لا ينفذ الإقرار وهما جميعا نافذان في الأصل.
فصار صائرون ممن يقبل القلب المبهم إلى رد التسوية لهذا المعنى.
١٠٥٢- والأستاذ أبو إسحاق ﵀ يختار قبول قلب التسوية ويقول: غرض القالب التسوية المبهمة وهي على قضية معقولة معتقدة وإذا ثبتت جرت على المسائل ردا وقبولا.
وبيانه فيما ضربناه مثلا: أن الإقرار والإنشاء يظهر تساويهما على تعين المثارات ويستفيد بإثباتهما أمرا واقعا في الإقرار فاتجه مراده [ولا احتفال] بما ذكره الرادون من مناقضة الأصل إذ لا مناقضة في مقصود التسوية.
والأمر على ما ذكره الأستاذ أبو إسحاق وهو الحق المبين عندنا ولكن القالب في الصورة التي ذكرناها أراه طاردا فإن التقييد بالتكليف لا أثر له إذ يستوي من غير المكلف إقراره وإنشاؤه طاردا ووجه قبول التسوية استرسالها على عموم الأحوال فلينظر الناظر في منازل القلب نظرا أوليا في الطرد والإخالة ثم لينظر ثانيا في التلاقي على التناقض وعدم التلاقي وليحصر إمكان القلب إن كان في ملتطم [الأشباه] ثم ليعقده مبهما كان أو مصرحا به وليتكلم عليه كلامه على المعارضات وتندرج التسوية تحت المبهمات وقد نجز القول في القلب.
[ ٢ / ١٣٢ ]
والسابع - من الاعتراضات -: المعارضة ١.
١٠٥٣- فإذا نصب المجيب علة التحريم فأتى السائل المعترض بعلة في التحليل كان ما جاء به اعتراضا صحيحا في نوعه ثم هو مقبول منه في رسم الجدل.
وذهب بعض الجدليين إلى أن المعارضة غير مقبولة من السائل لأنه ينتهض مستدلا.
والذي تقتضيه مراسم الجدل أن يحصر السائل كلامه في الاعتراضات المحضة والعلة التي عارض بها على صيغة الأدلة والسائل يحتاج في الوفاء بإثباتها إلى تقرير علتها بالأدلة فان القياس لا يستقل إذ ثبتت علة أصله [بمسلك] من المسالك المتقدمة في إثبات علل الأصول وإن لم يأت السائل بذلك كان ما جاء به أمرا غير مثمر وإن أثبت علة الأصل [مصورة] بصورة [البانين] وخرج عن رتبة السائلين الهادمين.
١٠٥٤- وهذا مسلك ضري به طوائف من المنتمين إلى الجدل وهو عرى عن التحصيل عند ذوي التحقيق من وجوه.
منها: أن المعارضة اعتراض من جهة أن العلة التي تمسك بها المجيب لا تستقل ما لم يسلم عنها وقد حصل الوفاق على تسليم الاعتراض للسائل وهو لم يبد العلة ثانيا مثبتا لمذهبه وإنما أبداها معترضا بها والذي حاول منها في الاعتراض محقق [كائن] فليسغ منه المعارضة اعتراضا.
والذي يكشف الحق في ذلك أن المجيب لما كان بانيا فلو عارضت علته علة عسر عليه إفسادها وترجيح علته على ما عورض به كان ذلك مبطلا لغرضه والسائل إذا عارضه لا يلتزم وراء المعارضة إفسادا ولا ترجيحا لأنه جرد قصده إلى الاعتراض فتبين أن ما أتى به اعتراضا فهو اعتراض واقع وإنما [الممتع] من السائل أن يعارض ويضم إلى المعارضة الترجيح أو أفسادا وراء المعارضة كدأب من يبني ويثبت هذا إن فعله كان مجاوزة لمراسم الجدل.
_________________
(١) ١ هي إلزام المستدل الجمع بين شيئين والتسوية بينهما في الحكم إثباتا ونفيا. كذا قال الأستاذ أبو إسحاق. وقد أثبت هعتراض المعارضة الجمهور من أهل الأصول والجدل، وزعم قوم أنها ليست بسؤال صحيح. واختلف القائلون بها في الثابت منها، فقيل: إنما يثبت منها معارضة الدلالة بالدلالة، والعلة بالعلة ولا يجوز معارضة الدعوى بالدعوى. "إرشاد الفحول" "ص ٢٣٢".
[ ٢ / ١٣٣ ]
١٠٥٥- ومن الدليل على قبول [العلة و] المعارضة أن المجيب التزم إذ نطق بالعلة [تصحيحها] والوفاء بإتمام هذا الغرض منها [في مسلك الظن] ولن يتم هذا الغرض ما لم تسلم العلة عن المعارضة ولو قيل أظهر الاعتراضات وأكثرها وقوعا المعارضات في تقابل الظنون لكان ذلك ترجيحا فالمقصود أنه لا يتطرق الكلام ما لم يغلب على الظن ثبوت علة المجيب ومن ضرورة ذلك درء المعارضات عنها والسائل مرتب في مراسم النظر لإيراد ما يقدح لو ثبت فإذا فعل ما رتب له شيئا تصدى المجيب لدفعه والجواب عنه فيكونان متعاونين على البحث اعتراضا وجوابا.
والذي ذكره هؤلاء [من] أن السائل ممنوع من الإتيان بصورة الدليل لا طائل وراءه فإن صورة الأدلة ما امتنعت من حيث إنها تسمى أدلة وإنما امتنعت إذا كان السائل مضربا عن قصد الاعتراض آتيا بكلام على الابتداء ليس اعتراضا فهذا يخرم شرط الجدل من جهة أن السائل إذا كان كذلك مع المسئول لا يتلاقيان على مباحثة والغرض من المناظرة التعاون على البحث والفحص.
١٠٥٦- وبالجملة إذا كان يقبل من السائل اعتراض لا يستقل في نوعه كلاما فلأن يقبل منه كلام ينقدح ويستقل اعتراضا أولى.
ولم يختلف أرباب النظر قاطبة في أن المجيب إذا تمسك بظاهرة فللسائل أن يؤوله فإذا كان التأويل مقبولا منه فمن ضرورته اعتضاده بدليل وإذا جاء بما يعضد التأويل فهو دليل فإن قبل من جهة كونه عضد التأويل الواقع اعتراضا فليقبل معارضة القياس بالقياس على قصد الاعتراض وإن تشبث متشبث بمنع قبول التأويل من صاحب التأويل فقد تصدى لأمرين عظيمين:
أحدهما: أن يقبل التأويل منه من غير دليل وهذا خرق فإن المستدل معترف بتوجه التأويل [وإمكانه] مقر بأن متمسكه ظاهر وليس بنص فهذا أحد الأمرين.
والثاني: أن يفسد باب التأويل على السائل ويتوخى المناظرة بذكر المسئول ظاهرا وهذا اقتحام عظيم وأن التزم السائل أن يعارض الظاهر بالظاهر فقد يقدمه [في هذا المقام] ثم في هذا اعتراف بقبول المعارضة فليجر مثله في الأقيسة.
١٠٥٧- فإذا تبين أن المعارضة من أقوى الاعتراضات الصحيحة المفسدة فالجواب عنها ينحصر في مسلكين:
[ ٢ / ١٣٤ ]
أحدهما: أن يتصدى المجيب لإفساد ما عورض به بمسلك من المسالك المذكورة في الاعتراضات الصحيحة.
والثاني: أن يرجح علته على ما عورض به على ما سيأتي شرح قواعد الترجيح وتفاصيلها في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.
فإذا لم يتأت أحد المسلكين كان منقطعا.
١٠٥٨- ومن أسرار المعارضات أنه إذا غلب على الظن استواء العلتين فسدتا فلو قال قائل: ترجيح السائل غير مقبول ابتداء وانحسام الترجيح يفسد ما جاء به وليس بين هذين المسلكين مسلك.
قيل: هذا منتهى غرض السائل ومنه قال المحققون معارضة الفاسد بالفاسد اعتراض صحيح وعند ذلك يتبين تحقيق المعارضة الصادرة من السائل إذ غرضه الإفساد المحض لا البناء.
١٠٥٩- ثم مما يتصل بأحكام المعارضة أن المجيب إذا رجح علته لم ينحسم على السائل مسلك معارضه الترجيح بالترجيح فليفعل ذلك وليجرد قصده إلى طلب المساواة فإنها إذا ثبتت فسد بها كلام المسئول ومن خرق السائل أن يتشوف إلى الزيادة على قصد المساواة فإنه إذا فعل ذلك كان ذاهبا إلى مضاهاة قول البانين ولا يبعد أن ينسب فيه إلى الجهل بمراسم الجدل.
فلو ذكر المسئول ترجيحا فعارضه السائل بترجيحين وفي أحدهما كفاية في طلب المساواة فهو مجاوز لسواء القصد وإن عارض بترجيح واحد [ولكنه أوقع] من كلام المسئول فهذا يقبل منه فإنه قد لا [يجد] غيره ومنعه من الإتيان به يمنعه من معارضة العلة بعلة أجلى منها وأظهر في بوادي الظنون.
والسبب في قبول هذا الفن أن ما في الترجيح من مزية القوة والظهور لا يمكن قطعه من الكلام وهو إذ جيء به اعتراض فليقبل اعتراضا إذ لم يقبل بناء وابتداء فهذا منتهى الكلام في ذلك.
١٠٦٠- ومما يتعلق بالمعارضة وهو مفتتح القول في الفرق أن السائل إذا اقتصر على معارضة علة الأصل بعلة أخرى [بحكم الأصل ولم] يأت بعلة مستقلة ذات فرع وأصل على ما نعهده من صيغ التعليل فهذا يستند أولا إلى ما سبق تمهيده من أن.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الحكم الواحد هل يعلل بعلتين؟ وقد مضى في ذلك قول بالغ.
فمن لم يمنع تعليل حكم بعلتين لم يعتد بما جاء به السائل اعتراضا من جهة أن ثبوت ما أورده السائل [علة] منتهى مراده ولو سلم له ما يحاوله لم يندفع دليل المسئول وقد ذكرنا ما نختاره في ذلك وأنهينا الكلام غاية انفصل القول عنها مع القطع بأن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين فليقع التعويل على المختار ووراءه عرض الفصل فإنا رأينا امتناع ذلك وقوعا وإن كان لا يمتنع من ناحية التجويز العقلي فينشأ من ذلك قضية جدلية لطيفة مشوبة بحقائق الأصول.
مسألة:
١٠٦١- إذا قبلنا من السائل معارضة العلة بالعلة المستقلة فلو عارض علة الأصل التي جعلها المسئول رابطة القياس بعلة أخرى وزعم أن العلة ما أبداها معترضا لا ما أتى به المعلل جامعا رابطا فمن الجدليين من يرى ذلك اعترضا واقعا وأوجب على المجيب الجواب عنه ومنهم من لم يره اعتراضا فالمذهبان جميعا في المسألة المعقود مبنيان على منع تعليل الحكم بأكثر من علة واحدة.
١٠٦٢- فأما من رأى ذلك اعتراضا فوجهه أن من شرط سلامة علة الخصم عروها عن المعارضة من جهة امتناع [تعدد] العلة فإذا أبدى المعترض علة أخرى فقد عارض معارضه يمتنع معها لو صحت تقديرا ثبوت علة المجيب كما يمتنع ذلك في العلتين المستقلتين الجاريتين على التناقض في التعارض.
وحقيقة هذا المذهب آيل إلى أن المعلل لا يستقل كلامه ما لم يبطل بمسلك السبر كل ما عدا علته مما يقدر التعليل به فإذا علل ولم يسبر فعورض في معنى الأصل بعلة فكأنه طولب بالوفاء بالسبر وتتبع كل ما سوى علته بالنقض.
١٠٦٣- ومن لم ير ذلك اعتراضا استدل بأن إبداء معنى آخر من المعارض على صورة دعوى عرية عن الدليل وقد سبق المسئول في إثبات معنى أصله بالدليل إما معتنيا به بعد طرد العلة ومضمنا ذلك علته من جهة إشعارها ووفقها وإخالتها والسائل إذا أبدى معنى غير مقرون بدليل على تهيئة وصلاحه لكونه علة للحكم فصيغة كلامه معارضة كلام مدلول عليه بدعوى فهذا القائل لو أبدى المعنى وقرنه بما يعد دليلا على إثبات المعنى كانت معارضة مقبولة ويتعين إذ ذاك على المسئول الجواب عنه.
[ ٢ / ١٣٦ ]
١٠٦٤- فيرجع مطلب المسألة المبينة على امتناع تعليل الحكم بعلتين فصاعدا إلى أنا هل نوجب على المعلل بعد إثباته [علته] التتبع والسبر أم لا؟ وذلك يجري وكلام السائل دعوى محضة ولو أتى السائل بدليل على ما أبداه من معناه فيتعين الجواب عنه على هذا الأصل وهذه المسألة التي ذكرناها متصلة بالمعارضة وتحقيقها [يعود] في الفرق وحقائق القول فيه.
[ ٢ / ١٣٧ ]