١٠٨٩- ما يفسد من الاعتراضات لا ينحصر وفي ضبط ما يصح منها كما تقدم حكم بفساد ما عداه.
وإنما نعقد هذا الباب للكلام على اعتراضات استعملها بعض من لابس الجدل وهي باطلة عند المحققين فلا نذكر صيغا منها إلا وفيها خلاف ونحن نرتبها ونرسمها مسائل أن شاء الله تعالى.
مسألة:
١٠٩٠- إذا استنبط القايس علة في محل النص وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا تتعداه فالعلة صحيحة عند الشافعي ﵁ ونفرض المسألة في تعليل الشافعي تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية وهي مختصة بالنقدين لا تعدوهما.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵁: إذا لم تتعد العلة محل.
[ ٢ / ١٤٦ ]
النص كانت باطلة.
والمعتمد في صحة العلة أنها مستجمعة شرائط الصحة إخالة ومناسبة وسلامة عن الاعتراضات ومعارضات النصوص وهي على مساق العلل الصحيحة ليس فيها إلا [اقتصارها] وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا يئول إلى أن النص يوافق مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد بصحتها أولى من أن يشهد على فسادها وليس يمتنع في حكم الله تعالى ووضع شرعه أن تكون العلة المستثارة هي العلة المرعية [الشرعية] في القضية التي ثبت حكمها بالنص فإذا لم يمتنع ذلك وقوعا ولم يوجد إلا موافقة النص ومطابقته لموجب العلة فلا وجه [للحكم] بفسادها.
١٠٩١- ويتوجه وراء ذلك سؤالان: والانفصال عنهما يبين حقيقة المسألة.
أحدهما: أن قائلا لو قال العلة تستنبط وتستثار لفوائدها ولا فائدة في العلة القاصرة فإن النص يغني عنها ولسنا نمنع الظان أن يظن حكمه في مورد النص ومن اكتفى بهذا التقدير سوعد وليس ذلك محل الخلاف المعنى بالصحة والفساد فإن الغرض إبانة كون العلة القاصرة مأمورا بها ومعنى صحتها موافقتها الأمر ومعنى فسادها عدم تعلق الأمر بها ولا حرج على المفكرين في استنباط حكم إذا لم يكن استنباطهم مناطا لأمر فيخرج من ذلك أن القائل بالعلة [القاصرة] إن لم يظهر لها فائدة لزمه الاعتراف بكونها ساقطة الاعتبار خارجة عن تعلق الأمر الشرعي ولقد أضطرب أرباب الأصول عند هذا المنتهى.
١٠٩٢- ونحن نذكر المختار من طرقهم ونعترض على ما يتطرق الاعتراض إليه ثم ننص على ما نراه.
قال قائلون ممن يصحح العلة القاصرة: فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس [إذا جرت نقودا وهذا خرق من قائله وضبط على الفرع والأصل فإن المذهب أن الربا لا يجري في الفلوس] إن استعملت نقودا فإن النقدية الشرعية مختصة بالمصنوعات من التبرين والفلوس في حكم العروض وإن غلب استعمالها.
ثم أن صح هذا المذهب قيل لصاحبه إن كانت الفلوس داخلة تحت أسم الدراهم فالنص متناول لها والطلبة بالفائدة قائمة وإن لم يتناولها النص فالعلة متعدية إذا.
[ ٢ / ١٤٧ ]
والمسألة مفروضة في العلة القاصرة.
١٠٩٣- وقال قائلون: العلة القاصرة تفيد بعكسها فإذا ثبتت النقدية علة في النقدين فالنص مغن عن محل طرد العلة ولكن عدم النقدية يشعر بانتفاء تحريم الربا والنص على [اللقب] لا مفهوم له فهذا وجه إفادة العلة.
ويتوجه على هذا وجوه من الكلام واقعة لا استقلال بالجواب عنها:
منها أن الانعكاس لا يتحتم في علل الأحكام ولا يمتنع ثبوت علة يناط الحكم بها مع انتفاء العلة المعينة وإذا كان ذلك لا يمتنع فالعكس يضطر إلى إبطال ما يدعيه الخصم من العلة في معارضة العكس فإن لم يقدر على ذلك لم يستقل كلامه وإن تمكن من إفساد ما يبديه الخصم من العلل المتعدية فلا حاجة أيضا إلى تكلف العكس فإن الأحكام تثبت غير متعلقة بدلالة وأمارة فليكتف الناظر بالنص في محل إثبات الحكم [ثم يكفيه في محل العكس عدم الدلالات على ثبوت نقيض الحكم] الذي يشهد عليه النص في محله ورجع حاصل القول إلى تكلفة طردا وعكسا من غير فائدة.
ومما يوضح الغرض في ذلك أن العلة إنما تنعكس ويتعين التعلق بها في إثبات نقيض حكم الطرد وبعكسها بشرطين:
أحدهما: أن تكون مخيلة في الطرد والعكس يشعر العدم فيها بالعدم كما يشعر الوجود فيها بالوجود.
والآخر: ألا تخلف العلة الزائلة في الثبوت علة فإن لم تخلف علة وأحال النفي في الانتفاء إحالة الثبوت في الإثبات فإذ ذاك يتصور محل الطرد.
والعكس بصورة مسألتين مشتملتين على علتين وكل واحدة منهما سليمة عما يشترط سلامة العلل عنها وإذا كان الأمر كذلك فلتكن النقدية مخيلة حتى يتخيل فيها الانعكاس وليست النقدية مخيلة فقهية فقد سقط طلب إفادتها من جهة الانعكاس.
١٠٩٤- فإن قال قائل: إذا سلمتم أن العلة إذا لم تفد فلا يحكم عليها بصحة ولا فساد ولا تقدر متعلقا لأمر ولا نهي وعدت خطرة في مجاري الوسواس وخرجت عن الرتب المعول بها في الأقيسة فأين تستعمل هذه العلة القاصرة؟
[قلنا]: إن كان كلام الشارع نصا لا يقبل التأويل فلا نرى للعلة القاصرة وقعا ولكن يمتنع عن الحكم بفسادها لما ذكرناه في صدر المسألة وإنما [يفيد] إذا كان.
[ ٢ / ١٤٨ ]
قول الشارع ظاهرا يتأتى تأويله ويمكن تقدير حمله على الكثير مثلا دون القليل فإذا سنحت علة توافق الظاهر فهي تعصمه عن التخصيص بعلة أخرى لا تترقى [في] مرتبتها على المستنبطة القاصرة.
١٠٩٥- ثم في ذلك سر وهو: أن الظاهر إذا كان يتعرض للتأويل ولو أول لخرج بعض المسميات ولارتد الظاهر إلى ما هو نص فيه فالعلة في محل الظاهر كأنها ثابتة في مقتضى النص متعدية إلى ما اللفظ ظاهر فيه حيث عصمته عن التخصيص والتأويل فكان ذلك إفادة وإن لم يكن تعديا حقيقيا فلا يتجه غير ذلك في العلة القاصرة فليفهم الفاهم ما يرد [عليه من] ذلك.
١٠٩٦- فإن قيل: قول الرسول ﵇: "لا تبيعوا الورق بالورق"، الحديث١ نص أو ظاهر؟ فإن زعمتم أنه نص فالتعليل [بالنقدية] باطل وإن كان ظاهر فالأمة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فقد صار بقرينة الإجماع نصا فأي حاجة إلى التعليل؟ فهذا منتهى القول فيه.
فنقول: أما الحظ الأصولي فقد وفينا به والأصول لا تصح على الفروع فإن تخلفت مسألة فلتمتحن بحقيقة الأصول فإن لم تصح فلتطرح.
١٠٩٧- فإن قيل: ما ذكرتموه تصريح بإبطال التعليل بالنقدية.
قلنا: لم نر أحدا ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده ونصدره والصحيح عندنا: أن مسائل الربا شبهية ومن طلب فيها إخالة اجترا على العرب كما قررناه في مجموعاتنا ثم الشبه على وجوه فمنها التعلق بالمقصود وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم والمقصود من النقدين النقدية وهي مقتصرة لا محالة وليست علة إذ لا شبه لها ولا إخالة فيها ولكن لما انتظم فيها اتباع المقصود عد من مسالك الأشياء الأربعة وليس بعد هذا نهاية.
١٠٩٨- السؤال الثاني: فإن قال قائل: النص مقطوع به والعلة مستنبطة مظنونة ومجال الاجتهاد عند انعدام القواطع فلتبطل العلة القاصرة من حيث إنها مظنونة وهذا قريب المأخذ من السؤال الأول فإن غايته ترجع إلى أن لا فائدة فيها ولا أثر لها وما اخترناه يدرأ هذا فإنا بينا أن العلة إنما تستنبط ولفظ الشارع ظاهر.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في "البيوع" "٧٨" والنسائي في"البيوع" "٤٤" وأحمد "٢/٤٣٧"، "٣/٤٧، ٨٢".
[ ٢ / ١٤٩ ]
ثم نبهنا على التحقيق.
١٠٩٩- وقد ذكر بعض المنتمين إلى الأصول وهو: الحليمي طريقة [وأخذ] يتبجح بها وقال: من ينشئ نظره لا يدري أيقع على قاصرة أم متعدية فإن العلم بصفة العلة غير ممكن حالة إنشاء النظر فيجب النظر من هذه الجهة.
وقائل هذا قليل [النزل] فإن الخصم لا ينكر هذا وإنما الخلاف فيما تحقق قصوره فما قول هذا الشيخ إذا انكشف النظر والعلة قاصرة؟ ولا مزيد إذا على ما تقدم.
١١٠٠- ثم تكلم القائلون بالعلة القاصرة إذا عارضتها علة متعدية وثبت بمسلك قاطع من إجماع أو غيره اتحاد العلة في مورد النص فأي العلتين أقوى؟
فذهبت طوائف من الفقهاء إلى أن المتعدية أقوى من حيث إنها المفيدة والقاصرة يغنى النص عنها.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق: إلى أن القاصرة أولى فإن النص شاهد لحكمها.
وامتنع آخرون من الترجيح من جهة التعدي والقصور.
وكل ذلك عندنا خارج عن حقيقة المسألة: ومن أطلع على ما قدمناه هانت عليه هذه المدارك وآل القول إلى أن القاصرة والمتعدية إذا سنحتا في مورد ظاهر والظاهر شاهد للقاصرة وهو أيضا شاهد في مضمونه للمتعدية فإن المتعدية تستوعب محل الظاهر وتزيد فقد استويا في الشهادة واختصت المتعدية بالإفادة وهي المعتبرة في تقدير توجه الأمر بالقياس فإذا جرت المتعدية سليمة لم يقدح فيها غير معارضة القاصرة.
١١٠١- والذي يظهر عندي أن المتعدية أولى وهذا إذا استوتا في المرتبة جلاء وخفاء.
وسيعود هذا الفصل بعينه في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.
وما قدرناه لا يجري في [النقدين] فإن العلة التي عداها الخصم فيها باطلة من وجوه سوى المعارضة وإنما الذي ذكرناه كلام مرسل حيث يتصور سلامة القاصرة والمتعدية ولو فرضت كل واحدة منهما مفردة.
[ ٢ / ١٥٠ ]
مسألة:
١١٠٢- ومن الاعتراضات الفاسدة: أنه إذا تعلق المتعلق بما يدل على فساد في الفرع واستشهد به على فساد الأصل كان ذلك مقبولا عند المحققين وقد يناكد في مدافعه ذلك بعض الجدليين ويقول التفريع تسليم الأصل وخوض في تسليم الفرع والتصرف في الفرع اعتراف بصحة الأصل وثبوته فإذا قلنا: نكاح لا يفيد الحل مع إمكان الاستمتاع وجهوا هذا السؤال.
وهذا الاعتراض فاسد لا خفاء بسقوطه فإن [صحة] الأصول إذا كانت تقتضي صحة الفروع [ففساد الفروع] يدل على فساد الأصول وإنما يستمر هذا الاعتبار إذا قدر المعتبر أن الأصل إذا صح مقتضاه نقيض ما ثبت في الفرع في محل الاعتلال وإذا ثبت ذلك كان ذلك باعتبار حكم الفرع في نهاية الظهور وغاية القايسين الوصول إلى غلبات الظنون ولا مزيد على ما فيه الكلام فإذا ثبت اقتضاء أصل حكما وتبين أن ذلك الحكم غير ثابت ظهر أن الأصل لم يثبت على الصحة ولا يبقى مع هذا الإلحاح الجدلي ولجاجة في عبارة الأصل والفرع معنى.
١١٠٣- ومن لطيف الكلام في ذلك أن من لا يقول بالاستدلال ويزعم أن كل معنى يستدعي الاستناد إلى أصل وإن كان مخيلا فالذي يقتضيه قياسه أن يستثني هذا الفن ويقول به وإن لم يجد [أصلا] فإنه إذا سلم اقتضاء العقد حكما ثم لم يثبت مقتضاه فلا يستريب في اختلال العقد إذا تخلف عن اقتضائه.
ثم من صحح هذا النوع اضطربوا في أنه [هل هو] من قياس المعنى أو من قياس الشبه فقال قائلون هو من أجلى الأشباه وقال آخرون: هو من أقيسة المعاني والصحيح عندنا أنه من أقيسة الدلالة كقول القائل من صح طلاقه صح ظهار بل هذا الذي نحن فيه أعلى [منه] فإنه تعلق بغير مقتضى الشيء ولا يجوز المحصل مباينة المقتضى مقتضاه والطلاق والظهار حكمان متغايران.
مسألة:
١١٠٤- ومن الاعتراضات الفاسدة: أنه إذا طرد طارد علة في حكم واستمر له فقال المعترض: هلا طردتها في حكم آخر بعينه؟
[ ٢ / ١٥١ ]
فهذا الاعتراض فاسد مثاله: أنا إذا اعتبرنا كون الشيء مقتاتا مستنبتا في تعلق العشر فإنا نسلم هذا الاعتبار عن وجوه الاعتراضات الواقعة فقال المعترض بعد: هلا اعتبرتم [ذلك] في تحريم ربا الفضل فإذا أبطلتموه في الربا فأبطلوه في الزكاة.
فنقول: هذا لا وجه له فإن من طرد علة في حكم فلا يلتزم إلا كونها مشعرة به إن كانت معنوية مع السلامة عن الوجوه المبطلة ولا سبيل إلى تكليف المعلل طرد علته في جميع الأحكام فإن زعم المعترض أن تحريم الربا في معنى الزكاة كان مدعيا مطالبا بإثبات ما يدعيه.
هذا حكم الجدل في المسلك الحق وليس من المدافعات ولكن الناظر البالغ مبلغ الاجتهاد إذا كان يبغي مدرك مأخذ الكلام فحق عليه أن يعرف انفصال كل باب عما عداه في سبيله وليس كل ما يلتزمه المجتهد في نفسه يلزمه البوح به في النظر.
مسألة:
١١٠٥- ومن الاعتراضات الفاسدة:
التعرض للفرق بين الأصل والفراغ بما هو نتيجة [افتراقهما] في الاجتماع والخلاف.
ومثاله: إذا قاس القايس النبيذ المشتد على الخمر فقال المعترض: مستحل الخمر كافر ومستحل النبيذ لا يفسق وهذا يرجع حاصله إلى أن تحريم الخمر متفق عليه ثابت من جهة الشرع قطعا ومنكر ذلك جاحد للشرع وتحريم النبيذ مختلف فيه.
ومن هذا الجنس قول أصحابنا في طلب الفرق بين المدبرة والمستولدة: إن القضاء ببيع المستولدة منقوض بخلاف المدبرة وهذا باطل لصدره عن افتراق الأصل والفرع في ظهور الحكم في الأصل وكونه مجتهدا فيه في الفرع.
مسألة:
١١٠٦- ومن الاعتراضات الفاسدة: قول القائل: الحكم يثبت في الأصل متأخرا والمعلول لا يسبق العلة فإذا قسنا الوضوء في الافتقار إلى النية على التيمم قالوا: ثبوت التيمم متأخر عن الوضوء.
[ ٢ / ١٥٢ ]
والجواب عن ذلك لائح ولا يليق بهذا المجموع ذكر أمثال ذلك إلا رمزا فنقول: إذا ثبت اشتراط النية في التيمم فاعتبار الوضوء به في الحال متجه وسؤال المعترض مباحثة عن أمر منقض وحقه ألا يتعرض لما مضى فإن الناظر في تأخر النزاع قد لا يشك في أن النية في الوضوء كانت عند مثبتيها مدلولة بدلالة أخرى قبل ثبوت التيمم فإذا ثبت التيمم دل عليها والعلامات قد تترتب تقدما وتأخرا وذلك غير مستنكر في دلالات العقول فما الظن بالأمارات؟
ثم لا يمتنع أن يقال: إذا ثبت كون الوضوء في معنى التيمم ثم ثبتت النية في التيمم أرشد ذلك من طريق السبر والاستناد إلى أن النية كانت مرعية في الوضوء فيما سبق وهذا تكلف مستغنى عنه فإن المناظرات لا تدار على الأحكام الماضية ومنتهى هذا السؤال آيل إلى المطالبة بما دل على [النية قبل] ثبوت التيمم وهذا لا يلزم الجواب عنه.
[مسألة]:
١١٠٧- ومن الاعتراضات الفاسدة:
جعل المعلول علة والعلة معلولا مثاله: إنا إذا قلنا في ظهار الذمي: من صح طلاقه صح ظهار كالمسلم فإذا قال المعترض: جعلتم الظهار معلولا والطلاق علة وأنا أقول في الأصل المقيس عليه [المسلم]: إنما صح طلاقه لأنه صح ظهار فأجعل ما جعلتموه علة معلولا وما جعلتموه معلولا علة فإذا كان لا ينفصل ما ادعيتموه عما ادعيناه ولا يتأتى تميز العلة عن المعلول لم يصح فإن باب العلة ينبغي أن يتميز بحقيقته وخاصيته عن باب المعلول وقد يستشهد هذا السائل بلقب قرع مسامعه من المعقولات ويقول: العلة والمعلول في الشرعيات على مضاهاة العلل في العقليات ثم العلة العقلية متميزة عن المعلول فليكن الأمر كذلك في السمعيات.
وهذا عند ذوي التحقيق ركيك من الكلام وإنما يتوجه هذا الفن من الاعتراض على قياس الدلالة كالطلاق والظهار وما أشبهها فإن الغرض أن يدل باب على باب بوجه يغلب على الظن ومن يروم ذلك يتمسك بالمتفق عليه من البابين ويجعله علما ودلالة على المختلف فيه فإن كان هذا المعترض يتشبث برد قياس الدلالة ويجعل ما ذكره عبارة عن هذا المقصود فالوجه إثبات هذا الباب من القياس وقد تقدم ذكر ذلك.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وإن كان يعترف بقياس الدلالة فالذي ذكره جار فيه ثم لا ننكر أن يكون الظهار علما دالا على الطلاق حيث تمس الحاجة إلى ذلك والغرض ألا يختلف البابان إذا غلب على الظن اجتماعهما فقد تبين سقوط الاعتراض.
١١٠٨- وأما مل ذكره من الاستشهاد بالعلة والمعلول في المعقول فما أبعدهم عن ذلك وهو عمدة صناعة الكلام.
والذي انتهى إليه اختيارنا بعد استيعاب معظم العمر في المباحثة أن ليس في العقل علة ولا معلول فكون العالم عالما هو العلم فيه بعينه وإنما صار إلى القول بالعلة والمعلوم من أثبت الأحوال وزعم أن كون العالم عالما معلول والعلم علة له وهذا مما لا نرضاه ولا نراه.
ثم العلل الشرعية لا تجري مجرى المعقولات فإن الأحكام العقلية تستند إلى صفات الأنفس والذوات والعلل الشرعية مستندها النصب وليست هي مقتضية معلولاتها لأنفسها وإذا كان انتصابها عللا راجعة إلى نصب ناصب إياها أعلاما فلا يمتنع تقدير [حكمين] كل واحد منهما علم على الثاني مشعر بوقوعه عند وقوعه.
[مسألة]:
١١٠٩- ومن الاعتراضات الفاسدة:
أن يقول القائل: هذا الذي نصبته علما هو صورة المسألة فالعلة حقها أن تكون زائدة على الحكم وهذا لا حاصل له فإن الذي نصبه [الناصب علما] إن أخال وجرى سليما عن المبطلات غير معترض على الأصول فلا معنى لقول القائل أنها صورة المسألة إذ لا علة في عالم الله تعالى إلا وهي كذلك فالوجه إقامة شرائط العلة واطرح هذا الفن من السؤال.
وحظ هذا الفن من التحقيق أن من نص على صورة المسألة وميزها بخاص وصفها فلا يتصور أن يجد أصلا متفقا عليه وإن ذكر عبارة تعم صورة المسألة وأصلا متفق عليه فالوجه الذي به العموم هو الجمع ولا تتصور العلل إلا كذلك.
فهذا منتهى المراد في هذا وقد نجز بنجازه [الكلام في] الاعتراضات الصحيحة والفاسدة.
[ ٢ / ١٥٤ ]
القول في المركبات.
فصل
١١١٠- وهذا يستدعي تجديد العهد بالطرق التي تثبت بها علل الأصول وقد سبقت فليجدد الناظر عهده بها مما تقدم في هذا المجموع ولا مطمع والمسألة مختلف فيها في علة تكون في الأصل متفقا عليها فإنها لو كانت مجمعا عليها وهي م موجودة في محل النزاع فلا يتصور والحالة هذه الخلاف في الفرع.
ومما تمس الحاجة إلى ذكره أن من ذكر في علة الأصل صفة مضمونة إلى أخرى وكانت [إحداهما] تستقل بإثبات الحكم المطلوب في الأصل وهذا النوع من التعليل باطل مثل: أن نقول في النكاح بلا ولي أنثى فلا تزوج نفسها كالصغيرة فكأنه ذكر الأنوثة والصغير في الأصل فهذه مقدمات لا بد من التنبه لها.
١١١١- ثم التركيب يقع في الأصل والوصف.
فأما التركيب في الأصل، فمنه البين والفاحش ومنه ما لا يتفاحش.
ونحن [نرسم الصور] ونذكر في كل صورة ما يليق بها ثم نذكر قولا جامعا بعد نجاز الصور والأقوال فيها.
فمن الصور أن يقول المعلل: أنثى فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة سنة والخصم يعتقد أنها صغيرة ولو كانت كذلك لكان ما جاء به المعلل قياسا على الصغيرة وقد ذكرنا بطلانه وإن ثبت أنها كبيرة فسيمنع الحكم ويقضي بأنها تزوج نفسها.
١١١٢- والذي ذهب إليه طوائف من الجدليين القول بصحة التركيب وحاصل كلامهم يئول إلى أن الحكم متفق عليه والمعلل يلتزم إثبات الأنوثة علة فإن أثبتها ثبتت العلة وتشعب المذاهب بعد ذلك لا أصل له وإن لم يتمكن المعلل من إثبات ما ذكره في الفرع علة في الأصل فالذي جاء به باطل وإن لم يكن مركبا فإذا لا أثر للتركيب كان أو لم يكن وإنما المتبع إثبات علل الأصول.
وهذا باطل عند المحققين فإن المخالف يقول: ظننت ابنة الخمس عشرة صغيرة
[ ٢ / ١٥٥ ]
ولو كانت كذلك لكان القياس على الصغيرة باطلا كما تقدم إلحاقا بالقياس على ما لو مس وبال وإن ثبت بما يغلب على الظن أن ابنة الخمس عشرة بالغة فلها أن تزوج نفسها ولا يخلو التقدير من هذين فالعلة مرددة بين منع الحكم في الأصل على تقدير وبين سقوط العلة على تقدير.
١١١٣- فإن قيل: أرأيتم لو أثبت المعلل الأنوثة علة.
قلنا: ما نراه يقدر على ذلك فإن فرض إمكان ذلك فالعلة لا أصل [لها] ويرجع الكلام إلى الاستدلال المحض كما سنذكره بعد نجاز القول في المركبات فإن قيل: يثبت المعلل أن الأنوثة علة في ابنة الخمس عشرة قلنا: مع اعتقاد صغرها أو مع ثبوت بلوغها فإن ثبت بلوغها فالحكم ممنوع وإن ثبت وإن ثبت صغرها فالصغر مستقل بالمنع.
١١١٤- صورة أخرى:
إذا قلنا في تزويج الأب البكر: بكر فيزوجها أبوها مجبرا كبنت الخمس عشرة فهذه الصورة دون الأولى فإنه وإن ثبت صغرها فالقياس على البكر الصغيرة غير ممتنع عند الشافعية إذ مجرد الصغر لا يثبت ولاية الأب فإن الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها عندهم فتصدى في الأصل تقدير منع بأن يقول الخصم: ابنة الخمس عشرة صغيرة فإذا أنكر عليه قال: هذا مظنون فإن ثبت أنها بالغة فلا يجبرها الأب ولا شك أن من يقول بالتركيب يقبل هذا.
وهذه الصورة تنفصل عن الأولى فإن الأولى تبطل على تقدير الصغر والبلوغ جميعا [والصورة] الثانية لا تبطل على تقدير الصغر ولكن يتوجه على تقدير الكبر منع من الخصم [ويضطر المعلل] إلى رد القياس إلى الصغيرة بالبكر فيلغو تعيين خمس عشرة.
[ ٢ / ١٥٦ ]