٣٥٣- ما يستفاد من اللفظ نوعان أحدهما متلقى من المنطوق به المصرح بذكره والثاني ما يستفاد من اللفظ وهو مسكوت عنه لا ذكر له على قضية التصريح.
فأما المنطوق به فينقسم إلى النص والظاهر وقد قدمنا فيهما تأصيلا وتفصيلا ما يقنع الناظر ولم يندرج المجمل في هذا التفسير لأنا حاولنا تقسيم ما يفيد وأما ما ليس منطوقا به ولكن المنطوق به مشعر به فهو الذي سماه الأصوليون المفهوم والشافعي قائل به وقد فصله في الرسالة أحسن تفصيل ونحن نسرد معاني كلامه.
٣٥٤- فمما ذكره أن قال: المفهوم قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
[ ١ / ١٦٥ ]
أما مفهوم الموافقة: فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى وهذا كتنصيص الرب تعالى في سياق الأمر ببر الوالدين على النهي عن التأفيف فإنه مشعر بالزجر عن سائر جهات التعنيف.
وأما مفهوم المخالفة فهو ما يدل من جهة كونه مخصصا بالذكر على وجه سيأتي الشرح عليه على أن المسكوت عنه مخالف للمخصص بالذكر كقوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة" هذا التخصيص يشعر بأن المعلوفة لا زكاة فيها.
وذكر الأستاذ أبو بكر بن فورك في مجموعاته فصلا لفظيا بين قسمى المفهوم فقال ما دل على الموافقة فهو الذي يسمى مفهوم الخطاب وما دل على المخالفة فهو الذي يسمى دليل الخطاب وهذا راجع إلى تلقيب قريب.
وذهب أبو حنيفة إلى نفي القول بالمفهوم ووافقه جمع من الأصوليين.
٣٥٥- وأما منكرو صيغ العموم ولما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ينكرون المفهوم فإن تقابل الظنون فيه أوضح وهو بالتوقف أولى.
وشيخنا أبو الحسن مقدم الواقفية وقد نقل النقلة عند رد الصيغة والمفهوم وفي كلامه ما يدل على القول بالمفهوم فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١ وقال [لما] ذكر الحجاب على إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في مفاوضة مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وال مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظواهر في مظان الظنون.
نعم باح القاضي بجحد الصيغ في المواضع التي تقدم ذكرها في العقليات والعلميات وصرح بنفي المفهوم.
٣٥٦- ثم من أنكر المفهوم لم يجحد ما يسمى الفحوى في مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٢ ثم اضطربوا فيه فقال قائلون كل ما دل من جهة الموافقة من حيث أشعر الأدنى بالأعلى فهو معترف به.
_________________
(١) ١ آية "٧" سورة المطففين. ٢ آية "٢٣" سورة الإسراء.
[ ١ / ١٦٦ ]
وذهب المنتمون إلى التحقيق من هؤلاء إلى أن الفحوى الواقعة نصا مقبولة قطعا وليس ثبوتها من جهة إشعار الأدنى بالأعلى ولكن مساق قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ١ إلى مختتم الآية مشتمل على قرائن في الأمر بالتناهي في البر يدل مجموعها إلى تحريم ضروب التعنيف وليس يتلقى ذلك من محض التنصيص على النهي عن التأفيف إذ لا يمتنع في العرف أن يؤمر بقتل شخص وينهى عن التغليظ عليه بالقول والمواجهة بالقبيح وضابط مذهب هؤلاء أن المقطوع به يستند إلى قرائن مجتمعة ولا سبيل إلى نفى القطع وما يتطرق إليه الظنون فهو من المفهوم المردود عندهم وإن كان مقتضيا للموافقة عند القائلين بالمفهوم.
٣٥٧- ومما تردد فيه من رد المفهوم الشرط وأبوابه فذهب الأكثرون إلى الاعتراف باقتضاء الشرط وتخصيص الجزاء به وغلا غالون بطرد مذهبهم في رد اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به وهذا سرف عظيم.
٣٥٨- ومن قال بالمفهوم حصر مفهوم الموافقة في إشعار الأدنى في قصد المتكلم بالأعلى ثم ينقسم ذلك إلى ما يقع نصا وإلى ما يقع ظاهرا فالواقع نصا كالمتلقى من قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٢ وما يقع ظاهرا كقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٣ فقال الشافعي تقييد القتل بالخطأ في إيجاب الكفارة يدل على أن إيجابها في قتل العمد أولى وهذا الذي ذكره ظاهر غير مقطوع به إذ يتطرق إليه إمكان اخر سوى ما ذكره الشافعي من إشعار الأدنى بالأعلى.
٣٥٩- فأما مفهوم المخالفة فقد حصره الشافعي في وجوه من التخصيص منها التخصيص بالصفة كقوله٤: "في سائمة الغنم زكاة" ٥ وكقوله عليه السلام٦: "ليّ الواجد ٧ ظلم" ومنها التخصيص بالعدد والتقدير والتخصيص بالحد والتخصيص بالمكان والزمان وظاهر هذه التخصيصات في هذه الجهات يتضمن نفى المسكوت عنه.
_________________
(١) ١ آية "٨٣" سورة البقرة، و"٣٦" سورة النساء، و"١٥١" سورة الأنعام، و"٢٣" سورة الإسراء. ٢ سبقت. ٣ آية "٩٢" سورة النساء. ٤ سبق تخريجه. ٥ سائمة الغنم: ٦ أبو داود "٣٦٢٨"، والنسائي ٧/٣١٦، ٣١٧ رقم "٤٦٨٩، ٤٦٩٠"، وابن ماجه "٢٤٢٧"، وأحمد "٤/٢٢٢، ٣١٦، ٣١٧، ٣٨٨، ٣٨٩"، وابن حبان "٧/٢٢٣/٥٠٦٦"، والحاكم "٤/١٠٢" وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي ٦/٥١. ٧ لي الواجد: مطله، والواجد: القادر على الأداء.
[ ١ / ١٦٧ ]
في الأمر المقصود في المخصص المنطوق به ونص ﵁ على أن تخصيص المسميات بألقابها يتضمن نفى ما عداها.
وذهب أبو بكر١ الدقاق من أئمة الأصول إلى أن التخصيص بالألقاب ظاهر في نفي ما عدا النصوص عليه وقد صار إلى ذلك طوائف من أصحابنا.
وما ذكره الشافعي٢ من حصر القول بالمفهوم في الجهات التي عدها من التخصيصات حق متقبل عند الجماهير ولكن لو عبر معبر عن جميعها بالصفة لكان ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما والمخصوص بالكون في مكان وزمان موصوف بالاستقرار فيهما فإذا قال القائل زيد في الدار فإنما يقع خبرا ما يصلح أن يكون مشعرا عن صفة متصلة بظرف زمان أو بظرف مكان والتقدير مستقر في الدار أو كائن فيها والقتال واقع يوم الجمعة فالصفة تجمع جميع الجهات التي ذكرها ومن ينكر المفهوم فإنه يأبى القول في جميع هذه الوجوه.
ونحن الآن نعقد مسألتين تشتمل إحداهما على تعارض القائلين بالمفهوم ومنكريه [وتحتوي] على ما نختاره فيه وتشتمل الثانية على مكالمة الدقاق٣ وإبداء السر في التخصيص بالألقاب فلتقع البداية بالمسألة الأولى:.
مسألة.
٣٦٠- يذكر وجوه احتجاج القائلين بالمفهوم ونتتبع ما لا نرضى منها بالإفساد ثم نعقبها بوجه الحق.
فمن طرقهم أنه صار إلى القول بالمفهوم أئمة العربية منهم أبو عبيدة٤ معمر بن المثنى وهو إمام غير مدافع ولئن ساغ الاحتجاج بقول أعرابي جلف من.
_________________
(١) ١ أبو بكر الدقاق هو: محمد بن محمد بن جعفر البغدادي المعروف بـ"الدقاق" ويلقب بـ"خباط". قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيها أصوليا. وقال الخطيب" كان فاضلا عالما بعلوم كثيرة وله كتاب في "الأصول" في مذهب الشافعي. توفى سنة "٣٩٢"، له ترجمة في: تاريخ بغداد ٣/٢٢٩، وطبقات الشيرازي ص "١١٨"، وطبقات الشافعية ١/٢٥٣/٤٧٥. ٢ سبقت ترجمته. ٣ سبقت ترجمته. ٤ أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري مولاهم. كان أعلم من الأصمعي وأبي زيد بالأنساب والأيام. قال ابن قتيبة: كان الغريب أغلب عليه وأيام العرب وأخبارها. مات سنة"١١٢". له ترجمة في: تاريخ بغداد ١٣/٢٥٢، وشذرات الذهب ٢/٢٤، والعبر ١/٣٥٩، ووفيات الأعيان ٤/٣٢٣.
[ ١ / ١٦٨ ]
الأقحاح فالاحتجاج بقول أبي عبيدة أولى وقد قال في قول الرسول صلى الله عليه وسلم١: "مطل الغنى ظلم" يدل على أنه لا ملام على المقتر وقد قال في قوله عليه السلام٢: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا" وهذا يدل على توبيخ من لا يعتني بغير الشعر فأما من جمع إلى علومه علم الشعر فلا يلام عليه والشافعي من القائلين بالمفهوم وقد احتج [بقوله] الأصمعي٣ وصحح عليه دواوين الهذليين.
وهذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي ينطقه طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة وقصارى الكلام تجاذب ونزاع واعتصام بنفس المذهب.
٣٦١- طريقة أخرى لمثبتي المفهوم قالوا وردت أخبار نقلها آحاد وهي لو جمعت لالتحق معناها بالمستفيض٤ الذي لا يستراب فيه وسبيله سبيل الحكم بجود حاتم٥ وشجاعة علي والأقاصيص المأثورة عنهما أفراد ثم نقل هؤلاء جملا من أخبار الآحاد وزعموا أنها تشعر بإثبات القول بالمفهوم فمما ذكروه ما روى عن يعلى٦ بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب٧ ما بالنا نقصر وقد أمنا وأشار إلى قوله.
_________________
(١) ١ البخاري ٢/١٢٣ و١٥٥، ومسلم في: المساقاة "٣٣" وأبو داود في: البيوع "١٠"، والترمذي "١٣٠٨ و١٣٠٩"، والنسائي ٧/٣١٧، وابن ماجه "٢٤٠٤"، وأحمد ٢/٧١ و٢٦٠ و٣٨٠ و٤٦٣ و٤٦٥. ٢ البخاري ٨/٤٥، ومسلم في: الشعر "٧، ٨، ٩، ١٠"، وأبو داود "٥٠٠٩"، والترمذي "٢٨٥١، ٢٨٥٢"، وابن ماجه "٣٧٥٩، ٣٧٦٠"، وأحمد ١/١٧٥، ١٧٧، ٢/٣٩، والبيهقي ١٠/٢٤٤. ٣ الأصمعي هو: عبد الملك بن قريب، وفد اشتهر بلقبه، وكان أتقن القوم وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حفظا. له ترجمة في: وفيات الأعيان ١/٢٨٨، والفهرست "٥٥"، وإنباه الرواة ٢/١٩٧، وشذرات الذهب ٢/٣٦. ٤ المستفيض: سمي بذلك لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضا. "أصول الحديث" ص "٣٦٤". ٥ حاتم هو: ابن عبد الله من قبيلة طيء، ويكنى أبو سفانة وهو من أجود العرب، وله أخبار في السخاء مشهورة حتى جرى ذكره مجرى الأمثال، فيقال: أجود من حاتم طي. مات سنة "٥٠٦م". له ترجمة في: خزانة الأدب ١/٤٩٤، والشعر والشعراء "١٢٣"، ومروج الذهب ٣/٣٢٧. ٦ يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي الحنظلي حليف قريش، وهو الذي يقال له: يعلى بن منية – بضم الميم، وسكون النون -، وهي أمه وقيل: أم أبيه جزم بذلك الدارقطني. قال ابن سعد: شهد حنينا والطائف وتبوك. وقال أبو أحمد الحاكم: كان عامل عمر على نجران. له ترجمة في: الإصابة ٣/٦٦٨-٦٦٩. ٧ سبقت ترجمته.
[ ١ / ١٦٩ ]
تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ١ فقال لقد تعجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٢.
٣٦٢- ونحن لا نتجاوز خبرا من متمسكاتهم حتى نورد من طريق التفصيل عليهم ما يسقط معتصمهم فنقول على هذا الحديث قد كان ثبت وجوب الصلاة أربعا في غير حالة الخوف [واستقر الشرع عليه وورد القصر مخصوصا بحالة الخوف] فاعتقدوا وجوب الإتمام في غير حالة الخوف على ما تمهد الشرع عليه فلم يكن [ذلك] قولا بالمفهوم والذي يحقق ذلك أنه لو فرض مع ما تقدم تخصيص بلقب لكان ما عدا المخصوص مقرا على ما استمر الشرع عليه قبل ذلك وإن لم يكن للألقاب مفهوم على أن الآية اقتضت التخصيص على صيغة الشرط فإنه تعالى قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقد قال بتخصيص الشرط معظم من أنكر المفهوم.
٣٦٣- ومما تعلقوا به قوله تعالى: ﴿سْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣ قيل قال رسول الله ﷺ: "لأزيدن على السبعين" ٤ قلنا هذا لم يصححه أهل الحديث أولا٥ وقد قال القاضي ﵁: من شدا طرفا من العربية لم يخف عليه أن قول الله تعالى لم يجر تحديدا بعدد على تقدير أن الزائد عليه يخالفه وإنما جرى ذلك مويسا من مغفرة المذكورين وإن استغفر لهم [ما يزيد على السبعين] فكيف يخفى مدرك هذا وهو مقطوع به عمن هو أفصح من نطق بالضاد؟.
٣٦٤- وما يطلقونه من هذا الفن ما روى أن ابن عباس٦ كان لا يرى حجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة والأخوات ويحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ
_________________
(١) ١ آية "١٠" سورة النساء. ٢ مسلم في: صلاة المسافرين: ب "١": حديث "٤" وأبو داود "١١٩ و١٢٠٩"، والترمذي "٣٠٣٤" وابن ماجه "١٠٦٥"، والنسائي ٣/١١٧، وأحمد ١/٢٥ و٣٦. ٣ آية "٨٠" سورة التوبة. ٤ البخاري ٦/٨٥ و٨٦، ومسلم في: فضائل الصحابة "٢٥" وصفات المنافين: المقدمة "٣". ٥ هذا القول مدفوع برواية الشيخين له. ٦ ابن عباس هو: عبد تالله بن عبد المطلب ابن عم الرسول ﷺ، وحبر الأمة، وترجمان القرآن، وسمي البحر لسعة علمه. مات بالطائف سنة "سبعين". له ترجمة في: الإصابة ١/٣٢٢، وأسد الغابة ٣/٢٩٠، والنجوم الزاهرة ١/١٨٢.
[ ١ / ١٧٠ ]
كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ١ وكان يرى أن الأمر في الاثنين بخلاف الإخوة وقال لعثمان٢ ﵁ محتجا عليه: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك، قلنا: أولا انفراده بهذا المذهب ومخالفته جملة الصحابة يعارض احتجاجه وقد قيل إنه لما قال لعثمان ليس الأخوان إخوة في لسان قومك قال له عثمان ردا عليه إن قومك حجبوها باثنين يا صبي ثم قد تمهد للأم الثلث بالنص ثم استبان ردها إلى السدس في حالة مخصوصة فرأى ابن عباس٣ تقرير ما عدا تيك الحالة على ما تمهد مطلقا قبل الحجب والرد.
٣٦٥- وربما يستدلون بأن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ اعتقدوا أنه لا غسل على من يواقع ويكسل ولا ينزل واعتصموا بقوله عليه السلام٤: "الماء من الماء" ومعناه وجوب استعمال الماء من نزول الماء قلنا قد كان الشرع على ذلك في ابتداء الإسلام وقد نقل الرواة فيه أخبارا.
منها ما روى أن رسول الله ﷺ مر بدار رجل من الأنصار فناداه فتريث قليلا ثم برز ورأسه تقطر ماء فاستبان رسول الله ﷺ أنه كان مخالطا أهله وقد اغتسل فقال ﷺ: "لعلنا أعجلناك لعلنا أقحطناك إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك" ٥ ثم تبين نسخ هذا الأصل بما روى عن عائشة٦ ﵂ أنها قالت: "إذا التقى ٧ الختانان فقد وجب الغسل"، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"٨ فلم يصح الاحتجاج بقوله ﵇: "الماء من الماء" ٩ وإنما نقل مذهب أقوام على الإطلاق وله محمل كما ذكرناه.
_________________
(١) ١ آية "١١" سورة النساء. ٢ عثمان هو: ابن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي المكي. وقد لقب "ذا النورين" لجمعه بين ابنتي رسول الله ﷺ.،. وكان من السابقين الأولين، وممن صلى إلى القبلتين، ومناقبه كثيرة. مات سنة "٣٥هـ". له ترجمة في: الإصابة ٢/٤٥٥، وأسد الغابة ٣/٥٨٤، وتاريخ الخلفاء "١٤٧". ٣ سبقت ترجمته. ٤ أبو داود "٢١٧"، والترمذي "١١٢"، والنسائي ١/١١٥، وابن ماجه "٦٠٧"، وأحمد ٣/٢٩ و٣٦ و٤/١٤٣ و٣٤٢. ٥ البخاري في الوضوء "٣٤"، ومسلم في الحيض"٨٣" وابن ماجه في الطهارة "١١٠"، وأحمد ٣/٢١، ٢٦. ٦ سبقت ترجمته. ٧ إذا التقى إلخ: موقوف على عائشة، وقد روي مرفوعا. ٨ الترمذي في: الطهارة: ب "٨٠": حديث "١٠٨" قال: حسن صحيح، ولفظه: "إذا جاوز الختان..إلخ"، وابن ماجه ١/١٠٩، وأحمد ٦/١٦١. ٩ سبق تخريجه.
[ ١ / ١٧١ ]
وبالجملة ليس يخلو المتمسك لهولاء من وجه أو وجوه [توهى] ما يحولونه ويتخذونه معولهم فكيف يسوغ التعلق بالمحتملات في محاولة القطع والبتات؟.
٣٦٦- ثم قال القاضي هذه الأخبار وإن زادت أضعافا مضاعفة فلا [تبلغ] مبلغ الاستفاضة فإن رواة هذه الأقاصيص لو اجتمعوا على نقل قصة واحدة لم تتواتر بنقلهم والمعتبر في ذلك أنا مضطرون إلى العلم بجود حاتم وشجاعة على ولا نجد في أنفسنا العلم الضروري باعتقاد الأولين اقتضاء التخصيص نفى ما عدا المخصص.
٣٦٧- طريقة أخرى لأصحاب المفهوم ضعيفة: وهي أنهم قالوا: إذا قال الرجل لمن يخاطبه: اشتر لي عبدا هنديا اقتضى ذلك نهيه عن شراء من ليس هنديا قالوا هذا ومثله مما لا يتمارى فيه أهل اللسان.
فنقول: لا حاصل لهذا الفن فإن المأمور كان محجورا عليه مقبوضا على يديه في حق من [وكله] قبل أن وكله واستنابه ثم ثبت التوكيل على الخصوص واستمر ما كان ثبت قبل في غير المحل المخصوص بالصفات والذي يقطع الشغب عنا أن فرض التخصيص باللقب في هذا بمثابة فرض التخصيص بالصفات.
٣٦٨- فأما الإمام الشافعي فإنه احتج في إثبات القول بالمفهوم بأن قال إذا خصص الشارع موصوفا بالذكر فلا شك أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزري بأوساط الناس فكيف يظن ذلك بسيد الخليقة ﷺ؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص فينبني على ذلك أن قصد الرسول ﵇ في بيان الشرع يجب أن يكون محمولا على غرض صحيح إذ المقصود العرى عن الأغراض الصحيحة لا يليق بمنصب رسول الله ﷺ فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضا فليكن ذلك الغرض آيلا إلى مقتضى الشرع وإذا كان كذلك وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل أن الرجل إذا قال السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء عد ذلك من ركيك الكلام وهجره وقيل لقائله لا معنى لذكرك السودان وتخصيصهم مع العلم بأن من عداهم في معناهم.
[ ١ / ١٧٢ ]
٣٦٩- وهذا تحرير كلام الشافعي وهو على مساقه بالغ حسن ولكن يرد عليه على انطباق تخصيص للأشياء بألقابها ويلزم من مضمون طلب الفائدة من التخصيص المصير إلى أن الشارع إذا خصص شيئا باسمه [الذي ليس مشتقا] اقتضى ذلك نفى الحكم فيما عداه ولو لم يكن كذلك لكان تخصيصه من غير قصد أو قصده من غير غرض أو غرضه غير محمول على مقاصد الشرع وكل ذلك محظور لا سبيل إلى التزامه وإن كان ما ذكرناه في اللقب مسوغا لزم تسويغ مثله في الموصوف فإذا لا يستقل الكلام متعلقا بالتخصيص إلا بأحد وجهين إما أن [يطرد] في الألقاب كما ذهب إليه الدقاق وإما أن يوضح مع التمسك بالتخصيص أمرا يوجب ما ذكرناه في الموصوف دون غيره وليس في كلام الشافعي التزام ذلك على ما ينبغي من اختصاص أثر التخصيص بالموصوفات.
٣٧٠- وقد حان الآن أن نبدأ مسلك الحق على وجه يشتمل بيان المختار ونبين تدريج الكلام على مراتبه ونوضح [القاصد في الأطراف] فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا باستفتاح التفصيل في آحاد الصور حتى إذا نجزت نرد الكلام إلى الضابط لها فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا بذكر صور فمن الصور التي يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء فإن سلم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به تعدينا هذه المرتبة وإن استقر على النزاع اكتفينا معه بنسبته إلى الجهل باللسان أو إلى المراغمة والعناد فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت باب الشرط لتحصيص الجزاء به فإذا قال القائل من أكرمني أكرمته فقد أشعر باختصاص إكرامه [بمن يكرمه] ومن جوز أن يكون وضع هذا الكلام على أن يكرم مكرمه ويكرم غيره أيضا فقد نأى وبعد فآل الكلام معه إلى التسفيه والجهل والإحالة على تعلم مذاهب العرب ولسنها [وحوارها] ولنعد إلى خصلة أخرى وهي التتمة وهي أنا نكتفي فيما ندعى بظهور الاختصاص ولا نحاول قطعا ناصا لا يتطرق إليه إمكان فإذا أنكر منكر ظهور ما ذكرناه ظهر فساد قوله وانحطت رتبته عن استحقاق المفاوضات فهذا منتهى المراد في هذا الطرف.
٣٧١- ومما نذكره التحديد بالزمان والمكان أو العدد ونقول مما ظهر في الكلام ظهورا لا يستجاز المراء فيه أن الحدود تتضمن حصر المحدودات ولذلك تساق ولهذا الغرض تصاغ فإذا كان الحكم وراء المحدود كالحكم فيما يحويه الحد فلا غرض في الحد وظهور ذلك لا يجحد وهو من صور مسألة المفهوم ومن الصور.
[ ١ / ١٧٣ ]
تخصيص الموصوفات بالذكر كقوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة" ١ وقوله: "لي الواجد ظلم" ٢ وهذا الفن عمدة المسألة وملتطم الكلام فليقع به فضل اعتناء والله المستعان.
٣٧٢- فأقول إذا كانت الصفات مناسبة للأحكام المنوطة بالموصوف بها مناسبة العلل معلولاتها فذكرها يتضمن انتفاء الأحكام عند انتفائها كقوله ﷺ: "في سائمة الغنم زكاة" ٣ فالسوم يشعر بخفة المؤن ودرور المنافع واستمرار صحة المواشي في صفو هواء الصحاري وطيب مياه المشارع وهذه المعاني تشير إلى سهولة احتمال مؤنة الإرفاق بالمحاويج عند اجتماع أسباب الارتفاق بالمواشي وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك من حيث خصص وجوب الزكاة بمقدار كثير وأثبت فيه مهلا يتوقع في مثله حصول المرافق فإذا لاحت المناسبة جرى ذلك على صيغة التعليل.
وكذلك النهي عن لي الواجد فإن الموسر المقتدر ذا الوفاء والملاء إذا طلب بما عليه لم يعذر بتأخير الحق للمستحق وهذا في حكم التعليل لانتسابه إلى الظلم إذا سوف وماطل.
فإن طولبنا بإثبات القول بالمفهوم فيما نصننا عليه فالقول الواضح فيه أن ما أشعر وضع الكلام بكونه تعليلا فهو أظهر عندي في اقتضاء التخصيص الذي من حكمه انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة من الشرط والجزاء فإن العلة إذا اقتضت حكما تضمنت ارتباطه بها وانتفاءه عند انتفائها وإذا قال القائل: إنما أكرم الرجل لاختلافه إلى كان ذلك أوضح في تضمن اختصاص إكرامه بمن يختلف إليه من قوله من اختلف إلى أكرمته.
٣٧٣- فإن قيل [إن] العلل الشرعية ليس من شرطها أن تنعكس والمفهوم تعلق بادعاء العكس قلنا هذا الآن كلام من لم يحط بما أوردناه والقول في العلل المستنبطة وشرائطها وقوادحها ليس مما نحن فيه بسبيل فإن غرضنا التعلق بما يقتضيه اللفظ في وضع اللسان اقتضاء ظاهرا ولا شك إن صيغة التعليل يظهر منها للفاهم ما أدرناه والقول في مآخذ العلل المستثارة لا [يؤخذ] من مقتضى العبارات والألفاظ فهذا ما أردناه.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ سبق تخريجه. ٣ سبق تخريجه.
[ ١ / ١٧٤ ]
٣٧٤- فإن قيل خصصتم بالذكر [الصفات] المناسبة للأحكام وقد أطلق القائلون بالمفهوم أقوالهم بإثبات المفهوم بكل موصوف فأثبتوا في ذلك ما هو الحق قلنا الحق الذي نراه أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم فالموصوف بها كالملقب بلقبه والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها فقول القائل زيد يشبع إذا أكل كقله الأبيض يشبع إذ لا أثر للبياض فيما ذكر كما لا أثر للتسمية بزيد فيه ولنا كلام طويل على قوله ﷺ: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" ١ تقصيناه في "الأساليب" فليطلبه [مريده] من ذلك الكتاب ومن سر هذا الفصل أن شرط العلة المخيلة المستنبطة السلامة عن جمل من الاعتراضات والقوادح ولا يشترط شيء من ذلك في القول بمفهوم كلام الشارع إذا اشتمل على ذكر موصوف وفهم من الصفة مناسبة فإن الكلام في ذلك يدار على فهم الخطاب لا على شرائط العلل ولا يتضح الغرض [في ذلك] مع كل هذا التقرير إلا بذكر المسألة المعقودة على الدقائق.
مسألة:
٣٧٥- قد سفه علماء الأصول هذا الرجل في مصيره إلى أن الألقاب إذا خصصت بالذكر تضمن تخصيصها نفي ما عداها وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان وانسلال عن تفاوض أرباب وتفاهمهم فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك إنه لم ير غيره قطعا.
٣٧٦- وعندي أن المبالغة في الرد عليه سرف ونحن نوضح الحق الذي هو ختام الكلام قائلين لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقبا من غير غرض وإذا رأى الرائي طائفة والخبر عن رؤية جميعهم عنده مستو لاتفاوت فيه وهو في سماع من يسمع كذلك فلا يحسن أن يقول والحالة هذه رأيت فلانا فينص على واحد من المرئيين نعم إن ظهر غرض في أن المذكور في جملة من راه فقد ظهر عند المتكلم فائدة خاصة يفيدها السامع فإذ ذاك يحسن تخصيصه بالذكر ولا خفاء بذلك.
فإن قيل: [هذا] الذي ذكرتموه ميل إلى مذهب الدقاق قلنا: الذي نراه أن التخصيص باللقب يتضمن غرضا مبهما كما أشرنا إليه ولا يتضمن انتفاء ما عدا.
_________________
(١) ١ الدارمي في: البيوع"٤٠".
[ ١ / ١٧٥ ]
المذكور واللفظ في نفسه ليس متضمنا نفى ما عدا المذكور بل وضع الكلام إذا رد الأمر إلى المقصود يقتضي اختصاص المذكور بغرض ما للمتكلم والصفة المناسبة في وضعها تقتضي نفي الحكم عند انتفاء الصفة فظهر القول بمفهوم الصفة وظهر اقتضاء التخصيص باللقب غرضا مبهما فإنا نقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفى ما عدا المسمى يلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذاك قال إنما رأيت زيدا وما رأيت إلا زيدا فاستبان بمجموع ذلك أن تخصيص الملقب بالذكر ليس يخلو عن فائدة هي غرض للمتكلم منها حكاية الحال وإن بلغنا الكلام مرسلا اعتقدنا غرضا مبهما ولم نر انتفاء غير المسمى من فوائد التخصيص.
٣٧٧- ومن تمام الكلام فيه أن متكلفا لو فرض عن رسول الله ﷺ أنه قال: في عفر الغنم الزكاة فهذا عندنا لا مفهوم له وهو كالمخصوص بلقبه ولكن يبعد من الرسول ﷺ النطق بمثله وليس من الحزم أن يفرض من الشارع كلام لغو ويتعب في طلب فائدته فقد بان الآن مراتب العلماء.
فقد صار قوم إلى إبطال المفهوم وهذا ذهول عن فائدة الكلام وصار قوم إلى أن لكل تخصيص مفهوما كالدقاق وهذا الرجل ابتدر أمرا لا ينكر وهو أن العاقل لا يخصص مذكورا هزلا وليس كل الغرض موقوفا على نفي ما عدا المسى واعتبر الشافعي الصفة ولم يفصلها واستقر رأيي على تقسيمها وإلحاق ما لا يناسب منها باللقب وحصر المفهوم فيما يناسب وهذا منتهى الكلام.
مسألة.
٣٧٨- فقد ذكرنا أن المفهوم ينقسم إلى ما يقع نصا غير قابل للتأويل ويغلب ذلك في مفهوم الموافقة إذا انتهى إلى المرتبة العليا وإذ ذاك يسمى عند أرباب الأصول الفحوى والغالب على مفهوم المخالفة الظهور والانحطاط عن رتبة النصوص فما يقع ظاهرا من تقاسيم المفهوم فالقول الضابط فيه: أنه نازل منزلة اللفظ الموضوع للعموم وضعا ظاهرا فيجوز ترك المفهوم بما يسوغ به تخصيص العموم وهذا نفصله في باب التأويل إن شاء الله تعالى.
٣٧٩- وغرضنا الآن بعد إلحاق المفهوم باللفظ الموضوع للعموم أمران:
[ ١ / ١٧٦ ]
أحدهما: أن ترك جميع المفهوم بدليل يقوم بمثابة تخصيص العموم وليس كرفع جميع مقتضى اللفظ.
والقول المقنع فيه: أن المفهوم ليس مستقلا بنفسه وليس جزءا من الخطاب بذاته ولكنه من مقتضيات اللفظ فإن اقتضى ظهور أمر تركه فاللفظ بمقتضياته باق وفي تقدير رفع جميع متعلقات المنطوق رفع جميع مقتضى اللفظ وتعطيله ومعناه فكان المفهوم كبعض مسميات العموم.
وإيضاح ذلك أنا ألفينا اللفظ الموضوع للعموم يستعمل تارة للاستغراق وتارة لبعض المسميات فلما استمر الأمران لم يكن في التخصيص خروج عن مقتضى اللسان [وإن] كان الظاهر الجريان على العموم وكذلك نرى العرب تخصص الشيء بصفة وهي تبغي نفي المخبر عنه عند انتفاء الصفة وقد لا تريد ذلك فليس قصد نفي ما عدا المخصص أمرا مقطوعا به فكان ترك المفهوم ورفع أصل التخصيص من السائغ الذي لا يستنكر مثله وشفاء غليل الطالب موقوف على وقوفه على حقائق التأويلات وهذا أحد الأمرين.
٣٨٠- والثاني: أن التخصيص إذا جرى موافقا لما يصادف ويلقى في مستقر العرف فالشافعي لا يرى الاستمساك بالمفهوم فيه ويصير إلى حمل الاختصاص على محاولة تطبيق الكلام على ما يلقى جاريا في العرف وقد ذكر الشافعي في الرسالة كلاما بالغا في الحسن في هذا وذلك أنه قال إذا تردد التخصيص بين تقدير نفى ما عدا التخصيص وبين قصد أخراج الكلام على مجرى العرف فيصير تردد التخصيص بين هاتين الجهتين كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال واللفظ إذا تعارض فيه محتملات التحق بالمجملات كذلك التخصيص مع التردد يلتحق بالمجملات ثم ضرب لذلك أمثلة من الكتاب منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ١ فاستشهاد النساء مع التمكن من استشهاد الرجل مما لا يجري العرف به للعلم بما في ذلك من الشهرة وهتك الستر وعسر الأمر عند إقامة الشهادة فيقتضي التقييد إجراء للكلام على موجب العرف ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ٢ وقوله ﵇: "المسافر وماله على قَلَتٍ إلا ما وقى الله" ٣ فجرى ذلك على الأعم الأغلب في أحوال المسافرين فلم يكن.
_________________
(١) ١ آية "٢٨٢" سورة البقرة. ٢ آية "١٠١" سورة النساء. ٣ كشف الخفاء ٢/٢٨٥.
[ ١ / ١٧٧ ]
للتخصيص بالخوف مفهوم ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١ فظاهر الآية اختصاص [المفاداة] بحالة الشقاق وقد رأى الشافعي حمل ذلك على العرف الجاري في مثله في أن الزوجين لا يتخالعان ولا يتقامطان على الحب والمقة والتصافي وإنما تسمح المرأة ببذل المال المحبوب ويستبدل الزوج عنها مالا إذا أظهرا تقاليا وشقاقا فكان جريان التخصيص على حكم العرف وعلى هذا حمل الشافعي حديث عائشة٢ ﵂ إذ روت أن النبي ﷺ قال٣: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فمقتضى التخصيص لو اتسق القول بالفهوم أن يصح النكاح بلفظها إذا أذن وليها ولكن الشافعي قال إنما تزوج المرأة نفسها إذا كانت متبرجة كاشفة جلباب الحياء عن وجهها مؤثرة لنفسها الخروج عن دأب الخفرات فإذ ذاك تستبد بنفسها وإن بقي فيها ملتفت إلى الأولياء فإنها تفوض أمرها إليهم فإن عضلوها حملت خاطبها على رفع الأمر إلى القاضي فجرى التخصيص على حكم العرف أيضا ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة فهذا مساق كلام الشافعي.
٣٨١ - والذي أراه في ذلك أن اتجاه ما ذكره من حمل الأمر على خروج الكلام على مجرى العرف لا يسقط التعلق بالمفهوم نعم يظهر مسالك التأويل ويخفف الأمر على المؤول في مرتبة الدليل العاضد للتأويل والدليل عليه أن عين التخصيص لا يتضمن نفي ما عدا المخصص ولو صير إلى ذلك ففيه تطرق إلى مذهب الدقاق وإنما ظهر نفي ما عدا المخصوص في إشعار المنطوق به شرطا أو تحديدا أو تعليلا ومقتضى اللفظ لا يسقط باحتمال يئول إلى العرف والذي يحقق ذلك أنه لما قال يعلى٤ بن أمية لعمر٥ بن الخطاب ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ٦ أنقصر وقد أمنا قال عمر تعجبت مما تعجبت منه٧ ولم ينكر عليه اعتقاد المفهوم من طريق اللسان وقد صار محمد٨ بن الحسن.
_________________
(١) ١ آية "٢٢٩" سورة البقرة. ٢ سبقت ترجمتها. ٣ أبو داود "٢٠٨٣"، والترمذي ١/٢٠٤، وابن ماجه "١٨٧٩"، وأحمد ٦/٤٧ و١٦٥، والدارمي ٢/١٣٧، وابن أبي شيبة ٧/٢/١، والدارقطني "٣٨١" والحاكم ٢/١٦٨، والإرواء ٦/٢٤٣ وقال: صحيح. ٤ سبقت ترجمته. ٥ سبقت ترجمته. ٦ سبقت. ٧ سبق تخريجه. ٨ محمد بن الحسن الشيباني مولاهم أبو عبد الله الكوفي، صاحب الإمام أبو حنيفة، سمع منه، ومن أبي يوسف، ومسعر بن كدام، والثوري، آخرين. ولى قضاء الرقة أيام الرشيد، ثم عزله، ومات بالري سنة "١٨٩". له ترجمة في: وفيات الأعيان "٣/٣٢٥" وتاريخ بغداد ٢/١٧٢.
[ ١ / ١٧٨ ]
إلى تنزيل مذهبه على مفهوم حديث عائشة ومنطوقه في النكاح بغير ولي فلست أرى المفهوم في هذا الفن متروكا من غير فرض دليل ومن حاسيك الصدور ترك المفهوم في مسألة النكاح بلا ولي وما ذكر في هذا الفصل فأنا أوفيه حظه إذا ذكرت طرق تأويلات المفهومات إن شاء الله تعالى.
مسألة:
٣٨٢- ما صار إليه المحققون أن قوله ﷺ:١ "تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم" يتضمن حصرها بين القضيتين في التكبير والتسليم وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى تنزيل هذا على المفهوم وقضوا بأنهم من حيث لم يروا القول به لا يلزمون نفي ما عدا التكبير والتسليم وتمسكوا بهذا المسلك في قوله صلى الله عليه وسلم٢: "الشفعة فيما لم يقسم".
٣٨٣- وهذان فنان عندنا ونحن نخصص المثال الأول والثاني بما يليق بكل واحد منهما فأما قوله ﵇: "وتحريمها التكبير" ٣ فمقتضاه الحصر لا محالة وليس هذا من فن المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر كما سبق مفصلا وهذا يقرر من وجهين:
أحدهما: النقل والاحتكام إلى ذوي الحجا والأحكام في كل لسان ولغة فإذا قال القائل: زيد صديقي لم يتضمن هذا نفي الصداقة عن غيره والقول بالمفهوم لا يتضمن في سياق هذا الكلام حصرا للصداقة ولا قصرا لها على زيد المذكور صدرا ومبتدأ ولو قال القائل: صديقي زيد اقتضى هذا أنه لا صديق له غيره وهذا مما لا يبعد ادعاء إجماع أهل اللسان فيه ومن أبدى في ذلك مراء كان مباهتا محكوما عليه بالعناد فهذا وجه.
والوجه الآخر: أن ترتيب الكلام أن تقول زيد صديقي فإن وضع المبتدأ.
_________________
(١) ١ أبو داود في: الطهارة "٣١" والصلاة "٧٣"، والترمذي في: الطهارة "٣" والصلاة "٦٢"، وابن ماجه "٣"، والدارمي في: الوضوء "٢٢"، وأحمد ١/١٢٣ و١٢٩. ٢ البخاري في: الشركة "٨، ٩" والحيل "١٤"، والدارمي في: البيوع "٨٣". ٣ سبق تخريجه.
[ ١ / ١٧٩ ]
ذكر معرف تبتدره الأفهام حتى إذا فهم أسند إليه خبر لا يستقل معلوما في نفسه فينتظم من ارتباط الخبر به في إفادة السامع ما [يقدر] المتكلم أنه ليس عالما به فإذا قلب الكلام وقال صديقي زيد لم يصلح قوله صديقي صدرا مبدوءا به فإنه يترقب بعد البداية به خبره فحملت العرب تقديمه وصرف الاهتمام به على حصر معناه في زيد المذكور بعده ولولا ذلك لما انتظم الكلام وهذا معنى لا يفضي إلى القطع بنفسه والمعتمد القاطع النقل كما ذكرناه فهذا في أحد الفنين وقد تحصل منه أنه ليس من المفهوم في شيء وإنما مأخذه ما ذكرناه.
٣٨٤- وأما الفن الثاني وهو "الشفعة فيما لم يقسم" ١ فوجه التمسك به لا يتلقى من البناء على المفهوم وإنما مأخذه أن اللام في قوله الشفعة لتعريف الجنس فكأنه ﵇ حصر جنس الشفعة فيما لم يقسم.
٣٨٥- وقد نجز مقدار غرضنا من الكلام عن النص والظاهر والأمر والنهي والعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم والمجمل والمفسر فهذه هي المراتب المقصودة في هذا الفن ولا يبقى بعد نجازها إلا ذكر مراتب التأويلات وما يقبل منها وما يرد وبيان مستنداتها ولكني أرى أن أخلل بين نجاز هذه المراتب وبين التأويلات القول في أفعال رسول الله ﷺ فإنها من متعلقات الشرع والتأويلات والمحامل في حكايات الأحوال تتعلق بها.
فنبتدئ مستعينين بالله تعالى بذكر أفعال رسول الله ﷺ ثم نعقب نجازها بكتاب التأويلات إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ١ / ١٨٠ ]