٧٥٦- إذا ثبت حكم في أصل متفق عليه وادعى المستنبط أنه معلل بمعنى أبداه فهو مطالب بتصحيح دعواه في الأصل وادعى بعض الأغبياء أنه لا يسوغ ذلك ولكن على المعترض أن يبطل ذلك برده إن كان عنده مبطل وهذا قول من لا يحيط بمنازل النظر وحقائق الأقيسة.
فإذا ادعى مدعي أن المعنى الذي أبداه علة للحكم فهذه دعوى عرية عن البرهان من جهة أن التحكم ينصب العلل غير سائغ كما سبق في الرد على الطاردين فلا بد من ظهور وجه في ظن المستنبط يوجب تخيل معنى مخصوص في انتصابه علما وهو مطالب بإبدائه فإذا اقتصر على محض الدعوى كان ادعاؤه المجرد في نصب العلل كادعائه الحكم في محل النزاع وكادعائه كون صورة النزاع كمسألة متفق عليها من غير ذكر جامع ومن أنكر أن ادعاء معنى الأصل في حقيقة الدعوى وصورتها فقد جحد الضرورة وإن اعترف الخصم أنها دعوى وألزم قبولها من غير برهان فقد تناهى في الاحتكام وانحط عن رتبة النظار بالكلية.
٧٥٧- فإن زعم زاعم: أني نصبت علما كانت الصحابة تنصبه للأحكام علما قيل له كانوا ينصبون كل عام لكل حكم أو كانوا يرون لذلك مسالك تخصيص بعض الأعلام فإن زعم أنهم كانوا ينصبون كل شيء علما فقد ظهر اجتراؤهم وقصارى كلامهم العود إلى الطرد.
وإن سلموا أنهم كانوا يثبتون الأحكام لوجوه هي عللها فيقال لمن ادعى نصب العلم: ما الدليل على أن ما نصبته من جنس منصوب الصحابة فيرجع حاصله.
[ ٢ / ٢٨ ]
إلى القول بالمطالبة بالدليل فإن [قيل] الدليل على ثبوت المدعى علما عجز المعترض عن الاعتراض عليه فهذا كلام سخيف فإن المعترض واقف موقف المسترشد سائل خصمه إثبات دليل فكيف يحسن رد الدليل إلى عجزه وقدرته ولو اعترف بعجزه عن الاعتراض لم ينتهض عجزه علما على انتصاب ما ادعاه المجيب علما.
وهذا القدر [من التنبيه] كاف إذ هو من الكلام الغث ويكفي التنبيه في مثل هذا المقام.
٧٥٨- فإذا ثبت ذلك اختتمناه بأمر نجعله فاتحة الغرض وقلنا لا بد أن يكون لذلك العلم وجه عند ناصبه ولأجله يفتي به ويلزم العمل بموجبه والمسئول يريد منه أن يبديه وكل ذلك مبني على أبطال الطرد فإذا لا بد من إثبات معنى في الأصل دينا أو جدلا وقد اضطربت الاراء في السبل التي تتضمن إثبات علة الأصل.
مسالك الباحثين في إثبات علة الأصل.
ونحن نذكر مسالك النظار في ذلك مسلكا، مسلكا ونذكر في كل مكان ما يليق به إن شاء الله تعالى.
٧٥٩- فمما اعتمده المحققون وارتضاه الأستاذ أبو إسحاق إثبات علة الأصل بتقدير إخالته ومناسبته الحكم مع سلامته عن العوارض والمبطلات ومطابقته الأصول وعبر الأستاذ [عنه] في تصانيفه بالاطراد والجريان ولم يعن الطرد المردود فإنه من أشد الناس على الطاردين ولكنه عرض بالإخالة وقرنه باشتراط الجريان وعني بالجريان السلامة [عن] المبطلات.
٧٦٠- فإن قيل: إذا أبدى المعلل وجها مرتضى في الإخالة قبل وقيل له ليس كل مخيل علما وليس كل استصلاح وجها مرتضى في الأحكام فمن أين زعمت أن ما أبديته من قبيل ما يعتد عليه إذ الإخالات منقسمة ووجوه الاستصلاح منتفية والشرع لا يرى تعلق الحكم بجميعها ولم تضبط الرواة مسالك الظنون للصحابة وأنحائهم فإذا بطل دعوى التعلق بكل مصلحة ولم يتبين لنا ما اعتمده الأولون فكيف تدل نفس الإخالة.
قلنا: قد يتبين لنا أنهم ﵃ في الأزمان المتطاولة والآماد المتمادية ما كانوا ينتهون إلى وجوه مضبوطة بل كانوا يسترسلون في الاعتبار استرسال.
[ ٢ / ٢٩ ]
من لا يرى لوجوه الرأي انتهاء ويرون طرق النظر غير محصورة ثم كان اللاحقون يتبعون السابقين ولا يعتنون بذكر وجوه في الحصر لا تتعدى فعلمنا بضرورة العقل أنهم كانوا يتلقون معاني ومصالح من موارد الشريعة يعتمدونها في الوقائع التي لا نصوص فيها فإذا ظنوها ولم يناقض رأيهم فيها أصل من أصول الشريعة أجروها واستبان أنهم كانوا لا يبغون العلم اليقين وإنما كانوا يكتفون بأن يظنوا شيئا علما.
فإذا ظهرا الإخالة وسلم المعنى من المبطلات وغلب الظن كان ذلك من قبيل ما يتعلق به الأولون قطعا.
٧٦١- وأنا أقرب في ذلك قولا [فأقول]: إذا ثبت حكم في أصل وكان يلوح في سبيل الظن [استناد] ذلك إلى أمر ولم يناقض ذلك الأمر شيء فهذا هو الضبط الأقصى الذي لا يفرض عليه مزيد.
فإذا أشعر الحكم في ظن الناظر بمقتضى استنادا إليه فذلك المعنى هو المظنون علما وعلة لاقتضاء الحكم فإذا ظهر هذا وتبين أن الظن كاف وتوقع الخطأ غير قادح ولا مانع من تعليق الحكم كان ذلك كافيا بالغا.
٧٦٢- ومما يعضد به الغرض أن كل حكم أشعر بعلة ومقتضى ولم [يدرأه] أصل في الشرع فهو الذي يقضي بكونه معتبر النظر فإن الشارع ما أشار إلى جميع العلل واستنبط نظار الصحابة ﵃ وكانوا يتلقون نظرهم مما ذكرته قطعا.
فإن قيل: فالإخالة مع السلامة هي الدالة إذا.
قلنا: لا ولكن إذا ثبتت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ذلك بمسلك نظر الصحابة ﵃ فالدليل إجماعهم إذا كما تقدم في إثبات القياس على منكريه.
٧٦٣- فإن قيل: قد ثبت من رأيكم أنه لا يخلو واقعة عن حكم الله تعالى ما دامت أصول الشريعة محفوظة وثبت أن النظر ليس مسترسلا في وجوه المصالح كلها ومآخذ الأحكام مضبوطة والوقائع المتوقعة لا ضبط لها فكيف يستند ما لا نهاية له إلى المتناهي؟ وهذا سؤال عسر جدا.
ونحن نقول: أولا: انضباط المآخذ مسلم والحكم بأن حكم الله يجرى في.
[ ٢ / ٣٠ ]
كل واقعة مسلم مع انتفاء النهاية.
والسبيل فيه أن كل فن من فنون الأحكام يتعارض فيه نفى وإثبات ثم لا محالة لا يلفى أصل يعارضه نقيض له إلا والنهاية تنتفي عن أحد المتقابلين لا محالة.
وبيان ذلك بالمثال: أن الأعيان النجسة [مضبوطة محصورة والذي ليس بنجس لا نهاية له فكل ما ثبتت نجاسته] اتبع النص فيه وكل ما أشكل أمره فإن كان في وجوه النظر ما يقتضي إلحاقه بالأعيان النجسة ألحق بها وإن لم يظهر وجه يقتضى ذلك التحق بما لا نهاية له من الطاهرات فينتظم من هذه الجملة في النفي والإثبات ما لا نهاية له وكذلك القول في جميع [مسالك] الأحكام وهذا من نفائس الكلام وسنقرره على أحسن الوجوه إن شاء الله تعالى في كتاب الاجتهاد وهذا منتهى الغرض في إثبات علة الأصل بطريق الإخالة.
٧٦٤- وأما ما اعتمده الشافعي وارتضاه ولا معدل عنه ما وجد إليه سبيل فهو دلالة كلام الشارع في نصبه الأدلة والأعلام فإذا وجدنا ذلك ابتدرناه ورأيناه أولى من كل مسلك [ثم] ذلك يقع على وجوه.
منها ما يقع على صيغة التعليل صريحا كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١.
ومنها: ما يتضمن التعليل ويشعر به إشعارا ظاهرا وهو يقع على وجوه نضرب أمثلتها.
فمنها: قوله ﵇ لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا [يبس]؟ " فقال السائل: نعم، فقال ﵇: "فلا إذا" ٢ فجرى ذلك منه متضمنا تعليلا بنقصان الرطب عن وزن التمر عند الجفاف.
وقد تكلم بعض من لا يعد من أهل البصيرة بالعربية على هذا الحديث فقال معنى الحديث أنه إذا نقص فلا يباع الناقص بالتمر الذي لم ينقص وأكد هذا عند نفسه بأن قال "إذا" يتعلق بالاستقبال والفعل المضارع المتردد بين الحال والاستقبال إذا تقيد "بإذا" تجرد للاستقبال وانقطع عن احتمال الحال وكذلك جملة نواصب الأفعال المضارعة إذا تعلقت بها فإنها تمحضها للاستقبال فقوله: "إذا" تصرف النهي إلى الاستقبال عند فرض النقصان في الرطب.
_________________
(١) ١ آية "٧" سورة الحشر. ٢ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣١ ]
٧٦٥- وهذا قول عرى عن التحصيل من وجوه:
منها: أن السائل سأله عن بيع الرطب بالتمر في الحال فيبعد أن يضرب عن محل السؤال ويتعرض للاستقبال وكان قد شاع في الصحابة ﵃ تحريم ربا الفضل فرد الجواب إليه والإضراب عن محل السؤال غير لائق بمنصب الرسول ﵇ ثم لم يجر لفعل مستقبل ذكر في الحديث فلما جرى السؤال متعلقا بصيغة المصدر فإنه ﵇ سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال ﵇ بعد مراجعة السائل وأخذ جوابه "فلا إذا" ١ و"إذا" قد تستعمل على أثر جمل ليس فيها لفعل مستقبل ذكر وقد يستعمل متصلا بالفعل غير عامل فيه فإنه يجري عند النحويين مجرى ظننت فإن تقدم واتصل بالفعل عمل كقولك في جواب كلام إذا أكرم زيدا وإن توسط جاز إلغاؤه عن العمل وجاز أعماله كقولك [زيدا إذا أكرمه ويجوز أكرمه بالرفع وإن أخرته لم يجز إعماله كقولك] زيد أكرمه إذا بالرفع لا غير وإذا لم يعمل كان كالتتمة للكلام والصلة الزائدة التي لا احتفال بها ولا وقع لها في تغير معنى وتخصيصه باستقبال عن حال ولكنه إذا اتصل بكلام مصدر بالفاء اقتضى تسبيبا وتعليلا كما قال ﵇: "فلا إذا" ثم السر في ذلك أن الرسول ﵇ استنطق السائل بالعلة وما كان يخفى ﵇ أن الرطب ينقص إذا يبس فلما نطق السائل وقع تعليل الرسول ﵇ مرتبا على نطق السائل على [جفاف] الرطب معناه إذا علمت ذلك فلا إذا.
٧٦٦- ومما يجري تعليلا صيغة تتضمن تعليق الحكم باسم مشتق.
فالذي أطلقه الأصوليون في ذلك أن ما منه اشتقاق الاسم علة للحكم في موجب هذه الصيغة كما قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ٢ فاقطعوا أيديهما وكما قال: ﴿لزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣ فتضمن سياق الآيتين تعليل القطع والحد بالسرقة والزنا.
وهذا الذي أطلقوه مفصل عندنا فإنا نقول: إن كان ما منه اشتقاق الاسم مناسبا للحكم المعلق بالاسم فالصيغة تقتضي التعليل كالقطع الذي شرع مقطعة للسرقة والجلد المثبت مردعة عن فاحشة الزنا وفي الايتين قرائن تؤكد هذا منها قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ٤ وقوله.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ آية "٣٨" سورة المائدة. ٣ آية "٢" سورة النور. ٤ آية "٣٨" سورة المائدة.
[ ٢ / ٣٢ ]
تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ١ وإن لم يكن ما منه اشتقاق الاسم مناسبا للحكم فالاسم المشتق عندي كالاسم العلم.
وتعلق أئمتنا في تعليل ربا الفضل [بالطعم] بقوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" ٢ فوقف على إثبات كون [الطعم] مشعرا بتحريم التفاضل وإلا فالطعام والبر بمثابة واحدة ولو علق الحكم [بهما] .
٧٦٧- وإذا ثبت بلفظ ظاهر قصد الشارع في تعليل حكم بشيء فهذا أقوى متمسك به في مسالك الظنون فإن المستنبط إذا اعتمد إيضاح الإخالة وإثبات المناسبة وتدرج منه إلى تحصيل الظن فإن صحب الرسول ﵇ كانوا ﵃ يعلقون الأحكام بأمثال هذه المعاني.
فالذي يتضمنه ونظنه أبعد في الإشعار بأن ما استنبطه منصوب الشارع من لفظ منقول عن الرسول ﵇ مقتض للتعليل.
٧٦٨- والقول الوجيز أن ما يظهر من قول الرسول ﵇ في نحو وجهة يتقدم على ما يظهر من طريق الرأي لما تقرر من تقديم الخبر على القياس المظنون فإذا تطرق إلى كل واحد منهما الظن وانحسم القطع تقدم الخبر لمنصبه واستأخر الرأي وصيغ التعليل ظاهرة في قصد صاحب اللفظ إلى التعليل.
وقد ذكرت في كتاب التأويل: أنه إذا قصد الشارع تعميم حكم ولاح ذلك وظهر في صيغة كلامه لم يسغ مدافعة مقتضى العموم بقياس مظنون وقد ذكرنا من هذه الجملة في كتاب التأويل ما نحن الآن فيه وأوضحنا أن ما يظهر قصد التعليل فيه وإن لم يكن نصا فلا يجوز إزالة ظاهر التعليل بقياس لا يستند إلى تعليل الشارع ظاهرا فإنا لو فعلنا ذلك كنا مقدمين ظن صاحب الرأي على ما ظهر فيه قصد الشارع وهذا محال.
وإن استند قياس من يحاول إزالة ظاهر التعليل إلى ظاهر آخر في التعليل يخالف ما فيه الكلام فينظر إذ ذاك في الظاهرين نظرنا في المتعارضين كما سيأتي في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.
٧٦٩- فإن قيل: قد علل رسول الله ﷺ وجوب الوضوء على المستحاضة بكون.
_________________
(١) ١ آية "٢" سورة النور. ٢ سبق الكلام عليه.
[ ٢ / ٣٣ ]
الخارج دم عرق فإنه قال ﵇: "توضئي فإنه دم عرق" ١ فاقتضى ذلك وجوب الوضوء بخروج الدم من كل عرق.
قلنا: قال بعض أصحابنا ما ذكره ﷺ تعليل في محل مخصوص فإنها سألت عن دم يخرج من مخرج الحدث فجرى جوابه ﵇ حكما وتعليلا منزلا على محل السؤال وكان السؤال عن خروج الدم من محل الحدث ومعظم ما يجري على صيغ التعليل في ألفاظ الشارع لا يكون فيه تعرض للمحل بل يكون طلب المحل محالا على الطالب الباحث وكذلك تلفى تعليلات القرآن كالسرقة والزنا وغيرهما.
والجواب المرضى عندنا: أن رسول الله ﷺ لم يقصد إيجاب الوضوء والاعتناء بتعليله وإنما غرضه نفى وجوب الغسل [ورفع] حكم الحيض عند اطراد الاستحاضة ولما اشتبه على السائلة أن الخارج حيض أم لا قصدت السؤال عما أشكل عليها فأبان ﷺ أن الخارج ليس بالحيض الذي يزجيه الرحم وإنما هو عرق وحكمه الوضوء وهذا بين من فحوى كلامه ﵇.
٧٧٠- فإن قيل: لم تركتم تعليل رسول الله ﷺ تخيير المعتقة بملكها نفسها حتى تقضوا على حسب ذلك بأنها تخير وإن اعتقت تحت حر فإنه ﵇ قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري"، وهذا تعليل الخيار بانطلاق حجر الرق وهو يجري في العتق تحت الحر جريانه في العتق تحت العبد؟
قلنا: قال المحدثون: لا نعرف هذا اللفظ فعلى ناقله التصحيح ثم إن صح فسبيل الكلام عليه أنه لم يرد تعليل الخيار بملكها نفسها فإنه لو أراد أنها ملكت نفسها تحقيقا لما احتاجت إلى الخيار في محل النكاح.
قال القاضي: إن ملكت محل النكاح فليس [للخيار] معنى وإن ملكت غير مورد النكاح لم يشعر ذلك بالخيار في محل النكاح فالمراد إذا ترديد العبارة عن ثبوت الخيار لها كما يقال لمن ثبت له حق فسخ عقد ملكت الفسخ فافسخ فمعنى.
_________________
(١) ١ البخاري في الوضوء ٦٣ والحيض ٨ ومسلم في الحيض ٦٢، ٦٣ وأبو داود في الطهارة ١٠٧، ١١٠ والترمذي في الطهارة ٩٣، ٩٦ والنسائي في الطهارة ١٣٣، ١٣٤ وابن ماجة في الطهارة ١١٥، ١١٦ ومالك في الطهارة ١٠٤ وأحمد ٦/٨٢،١٨٧، ١٩٤، ٤٩٤.
[ ٢ / ٣٤ ]
الحديث إذا ملكت [الخيار] فاختاري وكانت أعتقت تحت عبد فهذا وجه الكلام.
٧٧١- ثم إنا نجري ذكر هذه الأمثلة تهذيبا للأصول وتدريبا فيها وإلا فحق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهبا مخصوصا في المسائل المظنونة الشرعية فهذا غاية ما أردناه في هذا الفن.
السبر والتقسيم.
٧٧٢- ومما أجراه القاضي وغيره من الأصوليين في محاولة إثبات علل الأصول السبر والتقسيم١.
ومعناه على الجملة: أن الناظر يبحث عن معان مجتمعة في الأصل ويتتبعها واحدا، واحدا ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به إلا واحدا يراه ويرضاه وهذا المسلك يجري في المعقولات على نوعين: فإن كان التقسيم العقلي مشتملا على النفي والإثبات حاصرا لهما فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت.
وإن لم يكن التقسيم بين نفى وإثبات ولكنه كان مسترسلا على أقسام يعددها السابر فلا يكاد يفضي القول فيها إلى علم.
وقصارى السابر المقسم أن يقول: سبرت فلم أجد معنى سوى ما ذكرت وقد تتبعت ما وجدته.
فيقول الطالب: ما يؤمنك أنك أغفلت قسما لم تتعرض له فلا يفلح السابر في مطالب العلوم إذا انتهلا الكلام إلى هذا المنتهى.
٧٧٣-[فأما السبر] في المسائل الشرعية الظنية فإن دار بين النفى والإثبات ولاح المسلك الممكن في سقوط أحد القسمين كان ذلك سبرا مفيدا كما [سنبين] الآن معنى السبر وجدواه.
_________________
(١) ١ إذا لم تثبت العلة لا بنص ولا بإجماع تحول المجتهد إلى استنباط العلة بالسبر التقسيم ومعنى السبر الاختيار ومعنى التقسيم هو أن المجتهد يحصر الأوصاف التي يراها صالحة لأن يكون علة للحكم ثم يكر عليها بالفحص والاختيار والتأمل فيبطل منها ما يراه غير صالح للإبقاء ويستبقى منها ما يراه صالحا لأن يكون علة حتى يصل بعد هذا الإلغاء والإبقاء إلى أن هذا الوصف دون العلة "الوجيز" ص ٢١٣.
[ ٢ / ٣٥ ]
وإن كان التقسيم الظني مرسلا بين معان لا يضبطها حصر كما ذكرناه في المعقولات ورددناه فيها فقد قال بعض الأصوليين: إنه مردود في المظنونان أيضا فإن منتهاه إحالة السابر الأمر على وجدانه.
وهذا غير سديد فإن هذا الفن من التقسيم إنما يبطل في القطعيات من حيث لا يفضي إلى العلم والقطع وإذا استعمل في المظنونات فقد يثير غلبة الظن فإن المسألة المعروفة بين النظار إذا كثر بحثهم فيها عن معانيها ثم تعرض السابر لإبطال ما عدا مختاره فقال السائل: لعلك أغفلت معنى عليه التعويل.
قيل: هذا تعنت فإنه لو فرض معنى لتعرض له طلاب المعاني والباحثون عنها والذي تحصل من بحث السابرين ما نصصت عليه والغالب على الظن أنه لو كان للحكم المتفق عليه علة لأبداها المستنبطون المعتنون بالاستثارة فتحصل من مجموع ذلك ظن غالب في مقصود السابر وهو منتهى غرض الناظر في مسائل الظنون.
٧٧٤- وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى السبر وتنويعه وما يفيد منه وما لا يفيد فنرجع الآن إلى غرضنا في إثبات معنى الأصل فنقول:
قد عد القاضي السبر من أقوى الطرق في إثبات علة الأصل وهذا مشكل جدا فإن من أبطل معاني لم يتضمن إبطاله لها إثبات ما ليس يتعرض له بالبطلان فإنه لا يمتنع أن يبطل ما لم يتعرض له أيضا فإنه لا يتعين تعليل كل حكم فعد السبر والتقسيم مما تثبت به العلل بعيد لا اتجاه له.
والذي يوضح المقصد في ذلك: أنه لو انتصب على معنى ادعاه المستنبط دليل فلا يضر أن يفرض لذلك الحكم علة أخرى وارتباط الحكم بعلل لا امتناع فيه وإنما تتعارض العلل إذا تناقضت موجباتها فيمتنع الجمع بينها فإذا كانت متوافقة متظاهرة لم تتناقض.
فيتبين أن إبطال معان تتبعها السابر لا أثر له في انتصاب ما أبقاه ولو أقام الدليل على كلمة معنى لم يتوقف انتصابه معنى موجبا للحكم على تتبع ما عداه بالإبطال فلا حاصل على هذا التقدير للسبر والتقسيم في إثبات علل الأصول.
٧٧٥- والآن ينشأ من منتهى هذا الكلام أمور خطيرة في الباب.
منها: أنه لو ثبت اتفاق القايسين على كون حكم في أصل معللا ثم اتجه.
[ ٢ / ٣٦ ]
للسابر إبطال كل معنى سوى ما رآه وارتضاه فلا يمتنع والحال هذه أن يكون السبر مفيدا غلبة الظن في انتهاض ما لم يبطل علما.
ومستند ثبوته في التحقيق الإجماع على أصل التعليل ولكن [ثبت] الإجماع على الأصل مبهما وأفضى السبر إلى التعيين فحصل منه ومن الإجماع ما أراده المعلل.
فإن قدر مقدر إبطال ما أبقاه السابر وقد استتب له مسلك الإبطال فيما سواه كان مقدرا محالا مؤديا إلى نسبة أهل الإجماع إلى الخلف [والباطل] .
٧٧٦- فإن قيل: كيف يكون إجماع القايسين حجة وقد أنكر القياس طوائف من العلماء قلنا الذي ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة فإنهم مباهتون أولا على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواترا ومن لم يزعه التواتر ولم يحتفل بمخالفته لم يوثق بقوله ومذهبه.
وأيضا: فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة فهؤلاء ملتحقون بالعوام وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم وإنما غاية التصرف التردد على ظواهر الألفاظ فهذا منتهى ما اتصل الكلام به.
[ ٢ / ٣٧ ]