٧٧٧- ومما يتصل بذلك: القول في اجتماع العلل للحكم الواحد.
وقد اضطرب الأصوليون في هذا: فذهب طوائف إلى أنه لا يعلل حكم بأكثر من علة واحدة.
وذهب الجماهير إلى أنه لا يمتنع تعليل حكم بعلل.
وذهب المقتصدون إلى أن ذلك لا يمتنع [على الجملة] لا عقلا ولا شرعا فإن الدم يجوز أن يعزى استحقاقه إلى جهات ومقتضيات كل مقتض لو انفرد بنفسه لاستقل في إثارة الحكم هذا لا امتناع فيه.
وأما إذا ثبت الحكم مطلقا لأصل وكان أصل تعليله وتعيين علته لو ثبت تعليلا موقوفا على استنباط المستنبط فيمتنع أن تفرض علتان يتوصل إليهما بالاستنباط وللقاضي إلى هذا صغو ظاهر في كتاب "التقريب" [وهو] اختيار الأستاذ أبو بكر بن فورك ونحن نذكر ما يتمسك به كل فريق:
[ ٢ / ٣٧ ]
٧٧٨- فأما من جوز وضعا واستنباطا تعليل حكم بعلل فمسلكه واضح وطريقة لائح وإنما الاعتناء بالتنبيه على مسالك الآخرين.
فمما تعلقوا به أن قالوا: أجمع أهل القياس على اتحاد علة الربا واتخذ كل فريق إبطال ما يدعيه الاخرون المخالفون ذريعة إلى إثبات ما يدعيه علة ولو كان يسوغ إثبات حكم بعلل لكان هذا المسلك غير متجه ولا مفيد والذي يحقق ذلك أنهم أجمعوا على التعلق بالترجيح وإنما ترجح العلل إذا تعارضت ولو كان لا يمتنع اجتماعها لكان الترجيح لغوا فيها فإن من ضرورة الترجيح الاعتراف باستجماع كل علة شرائط الصحة لو قدرت منفردة فإذا تناقضت يرجح بعضها على بعض وإذا لم يمتنع اجتماعهما لم يكن للترجيح معنى.
٧٧٩- ومن جوز تعليل حكم بعلتين لم يبعد أن تكون إحداهما أولى من الأخرى والترجيح لا يفيد إلا تلويحا في ظهور بعض العلل.
والكلام على هذا من أوجه:
أحدها: أن تعليل ربا الفضل ليس مقطوعا به عند المحققين وليس منكر تعليله منتسبا إلى جحد القياس ومن عرف مسالك كلامنا في "الأساليب" تبين ظهور ميلنا إلى اتباع النص وإلى إثباتنا الربا في كل مطعوم بقوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" ١ وربا الفضل في النقدين لا يتعداهما ولا ضرورة تحوج إلى ادعاء علة قاصرة وقد أجريت مسألة الربا على التزام اتباع مذهب الشافعي ومحاذرة مخالفته في تعليله تحريم ربا الفضل في الأشياء الأربعة بالطعم المتعدى في محل النص.
٧٨٠- وأنا الآن أبدى اختياري في منع تعليل ربا الفضل وأبدأ القول في النقدين فأقول: قد وضح إبطال الوزن في النقدين ولم يبق إلا النقدية والعلة القاصرة لا تثمر مزيدا في الحكم ولا تفيد جدوى في التكليف فإن الحكم ثابت بالنص.
ومن قال بالعلة القاصرة أبداها وانتحاها حكمة في حكم الشرع [ولسنا] نبعد ذلك ولكن يتعين في [ادعاء] العلة القاصرة أن يكون المدعى مشعرا بالحكم مناسبا له مفضيا بالطالب إلى التنبيه على محاسن الشريعة والتدرب في مسالك المناسبات وشرط ذلك الإخالة لا محالة وليست النقدية مشعرة بتحريم ربا الفضل على ما قررت.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٨ ]
في "الأساليب" فقد خرجت النقدية عن كونها حكمة [مستثارة] ومسلكا من محاسن الشريعة ولم يتعلق بها حكم زائد على مورد النص وبطل ما ادعى متعديا ولاح سقوط التعليل في النقدين.
وأما الأشياء الأربعة فقد أوضحنا أن الطعم ليس مخيلا بالتحريم وبينا أن قول النبي ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" الحديث لا يتضمن تعليلا بالطعم ما لم يقرر المستدل بالخبر كون الطعم مخيلا مناسبا وحققنا أن المشتق إذا لم يشعر بإخالة حل محل اللقب والسبر قصاراه إبطال ما يدعيه الخصم علة وليس في إبطال مدعى الخصم إثبات لغيره ولم يثبت بالإجماع كون تحريم ربا الفضل معللا وكيف يستقيم دعوى الإجماع في تعليله وقد أنكر ابن عباس ﵁ تحريم ربا الفضل؟
٧٨٢- وذهب طوائف من القايسين إلى منع التعليل مع الاعتراف بالحكم والترجيح باطل مع تجويز ارتباط الحكم بعلل.
فلم يبق إلا طريقة تكلفتها في "الأساليب" وهي أن الرسول ﵇ أباح ربا الفضل في الجنسين وحرمه في الجنس الواحد فدل ذلك على ارتباط حكم التحريم بالمقصود من هذه الأجناس والمقصود منها الطعم لا الكيل والوزن فإن هذه الأجناس لا تقتني لتكال أو توزن وإنما تتخذ لينتفع بها ثم عد رسول الله من كل جنس فذكر البر لأنه يطعم قوتا والشعير يقتات ويدخر وينتفع به من وجوه والتمر قد يقتني والملح يراد لتطييب الأطعمة واصلاحها فكأنه ﷺ ذكر الأجناس الغالبة من الأطعمة ونبه بذكرها على ما يجمعها وهو الطعم ثم أبان برفع الحرج عند اختلاف الجنس [التعلق] بالمقاصد وطردت هذا في مسألة النقدين على هذا الوجه.
فهذا وإن صح فهو من فن قياس الدلالة وهو عندي من أبواب الشبه على ما استقصى القول فيه إن شاء الله تعالى.
٧٨٣- ولكن إنما يستقيم التشوف إلى مثل ذلك لو جرى في الباب سليما وقد رأينا ربا النساء محرما في الجنسين فلو كان التعلق بالمقصود صحيحا للزم طرده في ربا النساء إذ وقوع البر في الذمة ليس ممتنعا إذا لم يكن رأس مال السلم مطعوما فلم امتنع إسلام الشعير في البر مع تفاوت المقاصد؟ وباب ربا النساء فرع ربا الفضل فإذا جرى تعليل في ربا الفضل وجب أن يناسب ربا النساء فيما يليق به.
[ ٢ / ٣٩ ]
فإذا لا إخالة ولا تنبيه من الشارع ولا شبه بين العقاقير والفواكه وبين الأشياء الأربعة.
فقد بطل قياس الدلالة وفسد التعلق بالترجيح وأغنى ذكر [النقدين] فيما يتعلق بالحكم وأغنى ذكر الطعام عن تكلف استنباط علة فالوجه التعلق بالنهي عن بيع الطعام بالطعام.
وإذا حاول الخصم تخصيصا لم يجد دليلا يعضد به تأويلا فثبت الظاهر وقد امتنع تخصيصه أيضا على الخصم وإذا رووا في حديث عبادة بن الصامت وكذلك ما يكال ويوزن فهو موضوع مختلق باتفاق المحدثين.
٧٨٤- وإذا قال من لم يزد على الأشياء الستة لو كان تحريم التفاضل في كل مطعوم لكان ذكر الطعام أوجز وأوقع وأعم وأجمع فذكره أصنافا مخصوصة يشعر بقصر الحكم عليها.
فيقال لهؤلاء: لا ينفع ما ذكرتموه مع صحة النهي عن بيع الطعام بالطعام وليس في ذكر بعض الأطعمة ما يتضمن تخصيص اللفظ العام في الطعام إذ الألقاب لا مفهوم لها وقد ذكرنا في أثناء الكلام وجها وأوضحنا أنه لا يمتنع حمل ذكر الشارع لها على إبانة اطراد تحريم الربا في جميع ما يطعم مع انقسامه إلى القوت وغيره.
فتبين قطعا أن الربا يجري في كل مطعوم للخبر الوارد فيه وهو وارد في النقدين للنص فيهما.
وسبيل المسئول في المسألتين أن يذكر الحكم ويتمسك بالخبر ويحوج الخصم إذا حاول إزالة الظاهر إلى دليل فإذا ابتدر إلى ذكر طريقة في القياس نتبعها بالنقض وهذا جرى معترضا في الكلام.
٧٨٥- وقد عاد بنا الكلام إلى أن ما استشهد به من منع ربط حكم بعلتين من تخاوض العلماء في علة الربا باطل في مسلك الأصول فإنا أوضحنا أن ما استشهدوا به مما لا يعلل عندنا والكلام في التفصيل مع منع أصل التعليل فاسد حايد عن المقصد ثم لا يمتنع لو قيل بتعليل الربا أن يجمع القايسون في أصل معين على اتحاد العلة فيه ثم يتنافسوا في طلبها وهذا الإجماع لو فرض في صورة مخصوصة لا يتضمن القضاء بمنع ارتباط حكم في صورة أخرى بعلتين أو بعلل فلا تعلق إذا فيما استشهدوا به من علة الربا.
[ ٢ / ٤٠ ]
وبما يتمسك هؤلاء بأن يقولوا المتبع في إثبات القياس والعمل به سيرة الصحابة ﵃ وقد صح عنهم تعليق الحكم بالمعنى الفرد المستثار من الأصل الواحد فاتبعوا فيه.
وأما ربط الحكم بعلتين مستنبطتين من أصل واحد بحيث يجري كل واحد منهما في مجاري اطرادهما وينفرد بمجاري أحكامهما فلم يثبت في مثل هذا نقل ولو كان مثل هذا سائغا ممكن الوقوع لا تفق في الزمان المتمادي ولنقله المعتنون [بأمر الشريعة] ونقل السبر فإذا لم ينقل ذلك دل على أنه لم يقع [وإذا لم يقع] في الأمد الطويل تبين أن الحكم الواحد لا يعلل إلا بعلة واحدة متلقاة من أصل واحد.
فهذا لا حاصل له فإن أصحاب الرسول ﵇ ما كانوا يجرون على مراسم الجدليين من نظار الزمان في تعيين أصل والاعتناء بالاستنباط منه وتكلف تحرير على الرسم المعروف المألوف في قبيله وإنما كانوا يرسلون الأحكام ويعقلونها في مجالس الاشتوار بالمصالح الكلية فلو كانوا لا يبدون علة في قضية إلا معتزية إلى أصل معين ثم صح في البحث عن نقل الرواة ما ذكره هذا المعترض لكان كلاما.
٧٨٦- ومما ارتبك في الخائضون في هذه المسألة أن الذين سوغوا تعليق الأحكام بعلل تعلقوا بتحريم المرأة الواحدة بعلة الحيض والإحرام للصلاة والصيام وقالوا قد يجب قتل الرجل بأسباب كل واحد منها لو انفرد لثبت علة على الاستقلال.
وقال من يخالف هؤلاء إنما يناط بالمحل تحريمات ولكن لا يظهر أثر تعددها وقد يتكلف المتكلف فيجد بين كل تحريمين تفاوتا وهذا بين في القتل فإن من استحق القتل قصاصا وحدا فالمستحق قتلان ولكن المحل يضيق على اجتماعهما ولو فرض سقوط أحدهما لبقى الثاني ولا يكاد يصفو تعليق تحقيق حكم واحد بعلتين تصورا فهذا منتهى المطالب في النفى والإثبات.
٧٨٧- والذي يتحصل عندنا في ذلك أن الحكم إذا ثبت في أصل ولاح للمستنبط فيه معنى مناسب للحكم فيحكم في مثل ذلك مع سلامة المعنى المظنون منتهضا عن المبطلات بكون الحكم معللا ويتبين له أن ربط الحكم بهذا المعنى الفرد لائح منحصر في مطالب الشريعة ويجوز تعليق الحكم بمثل هذا المعنى فإنه لم يصح عن أصحاب رسول الله ﷺ ضبط المصالح التي تنتهض عللا للأحكام ولا إطلاق تعليق الحكم بكل مصلحة تظهر للناظر وذي رأى.
فمسلك الضبط: النظر في مواقع الأحكام مع البحث عن معانيها فإذا لاحت.
[ ٢ / ٤١ ]
وسلمت تبين أنه معنى متلقى من أصول الشريعة وليس حايدا عن المآخذ المضبوطة.
فهذا هو المسلك الحق في درك وقوع المعنى في ضبط الشرع ولهذا رد الحذاق [الاستدلال الذي لا يستند] إلى أصل فإن صاحبه لا يأمن وقوعه في مصلحة لا يناط حكم الشرع بمثلها ولو فرض في أصل معنيان فصاعدا لم يترتب عليهما استفادة الضبط ولم يأمن المستنبط وقوع أحدهما خارجا عن حصر الشرع وضبطه وليس واحد من المعنين بهذا التقدير أولى من الثاني فمن هذه الجهة يتعارضان فلا يمتنع ترجيح أحدهما على الثاني.
٧٨٨- فإن قال قائلون: بم تنفصلون عن الحائض المحرمة الصائمة؟
قلنا: قد قدمنا جوابا عن هذا سديدا عندنا فإنا نقدر اجتماع تحريمات وآية ذلك أنا ألفينا التحريم قد استقل به الحيض المحض والمفروض إذا في حكم أصول تجتمع تعليلها وتزدحم أحكامها.
٧٨٩- ولباب هذا الفصل سيأتي في الاستدلال فلا يعتقدن المرء [بأن هذا] اختيارنا في هذه المسألة حتى يقف على ما نراه في الاستدلال رأيا وإن أبى الطالب استعجال الصواب في هذه المسألة فليثق بامتناع علتين لحكم واحد.
والدليل القاطع فيه قبل الانتهاء إلى المباحثة عن أسرار الاستدلال أن ذلك لو كان ممكنا وقد طال نظر النظار واختلاف مسالك الاعتبار في المسائل وما اتفقت مسألة إلا والمختلفون فيها يتنازعون في علة الحكم تنازعهم في الحكم ومن تدبر موارد الشريعة ومصادرها اتضح له ما نقول على قرب.
٧٩٠- فمن أمثلة ذلك مسألة الربا ومن ادعى أنها مختصة من بين سائر المسائل باتفاق الإجماع على اتحاد العلة فيها فقد أحال الأمر على إبهام والمنصف لا يستريب في أن خوض النظار في مسألة الربا كخوضهم في غيرها من المسائل ولما ثبت الخيار للمعتقة تحت الرقيق وكان ذلك مجمعا عليه والإجماع مستند إلى الحديث ثم اختلف العلماء في إثبات الخيار للمعتقة تحت الحر ومنشأ اختلافهم في ذلك من اختلافهم في تعليل الخيار في حق المعتقة تحت الرقيق فاعتل أبو حنيفة ﵀ بأنها ملكت نفسها وزعم أن ذلك يجري في حق المعتقة تحت الحر وأبطل الشافعي ﵀ هذا التعليل واعتل بالضرار على ما يحرره أصحابه وكذلك الإفتاء في كل مسألة يبحث الناظر عنها.
[ ٢ / ٤٢ ]
٧٩١- ونحن نقول بعد هذا التنبيه: تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس ممتنعا عقلا وتسويغا ونظرا إلى المصالح الكلية ولكنه ممتنع شرعا وآية ذلك أن إمكانه من طريق العقل في نهاية الظهور فلو كان هذا ثابتا شرعا [لما كان] يمتنع وقوعه على حكم النادر والنادر لا بد أن يقع على مرور الدهور فإذا لم يتفق وقوع هذه المسألة وإن لم يتشوف إلى طلبه طالب لاح كفلق الإصباح أن ذلك ممتنع شرعا وليس ممتنعا عقلا ولا بعيدا عن المصالح وهذه نهاية لا تتعدى في هذا الفن وإنما نشأ هذا الكلام كله من قولنا في السبر والتقسيم.
٧٩٢- والآن كما عاد بنا الكلام إليه فإذا أبطل السابر أشياء نص عليها فأخرجها عن كونها عللا ولم يبق إلا واحد اتجه عند ذلك وجهان من الكلام:
أحدهما: تعين ما بقي للتعليل به.
والثاني: بطلانه أيضا والتحاق الحكم بما لا يعلل كما سنفصل ذلك إن شاء الله تعالى وهذا التردد فيما بقي يدل على أن السبر المجرد إذا انتهى إلى معنى واحد ووقف عنده لم يدل على تعينه [للتعليل] وإن كان ذلك المعنى غير مخيل فهو يبطل أيضا بكونه طردا فلينجر السبر عليه وليتخذ السابر هذا مسلكا في إبطال ما أبقاه وليحكم بأن الحكم غير معلل ولو استمكن الناظر من إبداء الإخالة في معنى من المعاني مع التزام السلامة لبطل التعليل بغيره من المعاني من غير أن يتجشم سبرا.
٧٩٣- فإن قيل: لو أبدى الخصم معنى آخر مخيلا قلنا هذا لا يكون أبدا وإن صح فيما أبداه أشعرنا بالاختلال للإخالة الأولى إذ لو فرض جريان الإخالة فيهما أدى إلى تعليل حكم بعلتين ولو كان ذلك سائغا لاتفق وقوعه.
٧٩٤- ويبقى وراء هذا موقف آخر وهو: تجويز تقابل مخيلين مع ترجيح أحدهما على الثاني وهذا من أدق مواقف النظر في الترجيح ولا ينبغي للإنسان أن يتعب نفسه في هذا التقدير فإن أرباب النظر وإن ذكروا في مسألة الربا طرق الترجيح فذلك شعبة من الكلام في المسألة ومعظم الاعتناء بإبطال كل فريق علة من يخالفهم ولكن إجراؤهم الترجيح يدل على اعتقادهم امتناع اجتماع العلل.
٧٩٥- فقد نجز مرادنا من هذا الفصل وقد ابتدأناه ابتداء من يجوز اجتماع العلتين وأردنا أن نفيد الناظر بهذا المسلك كيفية النظر ووجوه ازورار الطرق حتى يقر الحق في نصابه ويتبين تقرير المختار عندنا والتنصيص على لبابه.
[ ٢ / ٤٣ ]