٨٦- منها: اللغة من لغي يلغى إذا لهج بالكلام وقيل لغي يلغا والكلام هو المفيد والمفيد جملة معقودة من مبتدأ وخبر وفعل أو فاعل والكلم جمع كلمة كالنبق والنبقة واللبن واللبنة وهي تنطلق على ما يفيد وعلى مالا يفيد والكلم الذي ينتظم الكلام [منه] اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.
٨٧- فالاسم كقولك: رجل ودابة وكل مادل على معنى سمى به ثم.
[ ١ / ٤٧ ]
الأسماء تنقسم إلى متمكن وإلى غير متمكن فأما غير المتمكن فهو الذي يحتاج الناظر إلى فكر في إلحاقه بقبيل الأسماء كقولك أين وكيف ومتى وما في معناها وهي كلها مبنيات لا يدخلها الإعراب لمشابهتها الحروف١ والمتمكن مالا يستراب في كونه اسما وهو ينقسم إلى ما يسمى الأمكن وهو ما ينصرف ويجر٢ ومعنى الانصراف قبول الجر والتنوين٣ وما لا ينصرف يسمى متمكنا ولا يجر٤ ولا ينون.
٨٨- والأفعال صيغ دالة على أحداث أسماء مشعرة بالأزمان والأحداث هي المصادر وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال كالتبر للصور المصوغة.
ثم الأفعال٥ مبنية خلا المضارع والمضارع ما يلحق أوله إحدى الزوائد الأربع.
الهمزة والياء والتاء والنون في قولك أفعل تفعل يفعل نفعل.
٨٩- والحروف صلات بين الأسماء والأفعال وهي كلها مبنية ثم إنها تنقسم أربعة أقسام:.
_________________
(١) ١ ينقسم هذا الشبه أقسام: الأول: شبهه له في الوضع كأن يكون الاسم موضوعه على حرف واحد كالتاء في"ضربت" أو حرفين كـ "أنا" في "أكرمنا". فالتاء في"ضربت" اسم لأنه فاعل وهو مبني لأنه أشبه حرف في الوضع في كونه على حرف واحد وكذا "نا" اسم لأنه مفعول وهو مبني لشبهه بالحرف في الوضع في كونه على حرفين. الثاني: شبه الاسم له في المعنى وهو قسمان: أحدهما ما أشبه حرفا موجودا والثاني ما أشبه حرفا غير موجود. فمثال الأول: متى فإنها مبنية لشبهها الحرف في المعنى فإنها تستعمل للاستفهام نحو: "متى تقوم؟ " وللشرط نحو: "متى تقم أقم" وفي الحالتين هي مشبهة لحرف موجود لأنها في الاستفهام كالهمزة وفي الشرط كـ"أن".ومثال الثاني "هنا" فإنها مبنية لشبهها حرفا كان ينبغي أن يوضع فلم يوضع وذلك لأن الإشارة معنى من المعاني فحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها كما وضعوا للنفي "ما" وللنهي "لا" وللتمني "ليت" وللترجي "لعل"، ونحو ذلك فبنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفا مقدرا. الثالث: شبهه له بالحرف في النيابة عن الفعل وعدم التأثر بالعامل وذلك كأسماء الأفعال تحو "دراك زيدا".فدراك مبني لشبه بالحرف في كونه يعمل فيه غيره كما أن الحرف كذلك. الربع: شبه الحرف في الافتقار اللازم وذلك كالأسماء الموصولة نحو "الذي" فإنها مفتقرة في سائر أحوالها إلى الصلة فأشبهت الحرف في ملازمة الافتقار فبنيت: "شرح ابن عقيل" ١/٣٠-٣٤. ٢ ويجر: يعني بالكسرة على الأصل في الأسماء أن تجر من بالكسرة. ٣ التنوين: عبارة عن نزن ساكنة تلحق آخر الاسم لفظا وتفارقه خطأ للاستغناء عنها عند الضبط بالقلم. ٤ ولا يجره: يعني بالكسوة على الأصل وإنما يجر بالفتحة نيابة عنها. ٥ الأفعال مبنية: يقصد بها الماضي والأمر لآن الأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر.
[ ١ / ٤٨ ]
أحدهما: ما لا يغير اللفظ والإعراب ويغير المعنى كقولك زيد منطلق ثم تقول هل زيد فالإعراب على ما كان وقد تغير المعنى من التحقيق إلى الاستفهام.
والثاني: ما يغير اللفظ والإعراب ولا يغير المعنى تقول زيد في الدار ثم تقول إن زيدا في الدار فقد تغير الإعراب والمعنى بحاله.
والثالث: ما يغير اللفظ والمعنى تقول زيد خارج ثم تقول لعل زيدا خارج فالإعراب قد تغير وتغير المعنى من التحقيق إلى الترجي.
والرابع: مالا يغير اللفظ ولا المعنى وهي الزوائد قال الله ﷾: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ﴾ ١ معناه فبرحمة من الله.
ثم تكلموا في أمور هي محض العربية ولست أرى ذكرها ولكن أذكر منها ما تكلم فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف كثيرة الدوران في الكتاب والسنة وبالله التوفيق.
مسألة:
٩٠- ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله ﷾: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ٢ يتضمن ذلك وهذا خلف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جنى في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول مسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب.
وقال الشافعي ﵀ تدخل الباء بمعنى "على" قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ٣ أي على دينار.
وقال سيبويه٤ ﵀ وترد بمعنى أجل قال الله ﷾: ﴿وَلَمْ.
_________________
(١) ١ آية "١٥٩" سورة آل عمرا. ٢ آية "٧٦ سورة المائدة. ٣ آية "٧٥" سورة آل عمران. ٤ سيبويه هو: أبو بشر عمرو بن عثمان مولى بني الحارث بن كعب. وسيبويه بالفارسية معناه: رائحة التفاح. أخذ النحو عن الخليل ويونس وعيسى بن عمر حتى برع فيه. مات سنة "١٨٣" له ترجمة في: أخبار النحويين ص "٤٨" وأنبا الرواة ٢/٣٤٦، ومرآة الجنان ١/٣٤٨.
[ ١ / ٤٩ ]
أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ١ أي ولم أكن لأجل دعائك شقيا وقال غيره هي بمعنى "في" أي في دعائك.
وقد يكون زائدا لا معنى له تقول رضيت به ورضيته ومعناه الظاهر الإلصاق في مثل قولك مررت بزيد ومن أحكامه تعدية الفعل اللازم تقول قمت وقمت به وذهبت به وهذا قياس جار [مطرد] .
مسألة:
٩١- خاض الفقهاء في الواو العاطفة وأنها هل تقتضي ترتيبا٢ أو جمعا٣ فاشتهر من مذهب الشافعي ﵀ المصير إلى أنها للترتيب.
وذهب أصحاب أبي حنيفة ﵀ إلى أنها للجمع.
٩٢- وقد زل الفريقان فأما من قال: إنها للترتيب فقد احتكم في لسان العرب فإنا باضطرار نعلم من لغتها ولسنها أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك تقديم رؤية زيد وقد يعلم الناطق والمخاطب أن رؤية عمرو كانت متقدمة ويحسن نظم الكلام كذلك.
ومن أصدق الشواهد في إبطال ادعاء الترتيب أن العرب استعملت الواو في باب التفاعل فقالت تقاتل زيد وعمرو ولو قالت تقاتل زيد ثم عمرو لكان خلفا.
فإن قيل إذا قال الزوج للتي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة ولم تلحقها الثانية ولو كانت الواو تقتضي جمعا للحقتها الثانية كما تطلق تطليقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وهذا تلبيس لا يتلقى من مثله مأخذ اللسان والسبب في أن الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا لصدر الكلام والكلام الأول تام فبانت به وإذا قال أنت طالق طلقتين فالقول الأخير بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له فكأن الكلام بآخره فهذا وجه الرد على من يرى الواو.
_________________
(١) ١ آية "٤" سورة مريم. ٢ ترتيبا: يعني الأول قبل الثاني فإذا قلت: حضر زيد وعمرو يكون مجيء زيد قبل عمرو ٣ أو جمعا: يعني فيعطف بها المتقارنان نحو: "جاء محمد وعلي" إذا كان مجيئهما معا ويعطف بها السابق على المتأخر نحو: "جاء علي ومحمود" إذا كان مجيء محمود سابقا على مجيء علي ويعطف على بها المتأخر على السابق نحو: "جاء علي ومحمد" إذا كان مجيء محمد متأخر عن مجيء علي.
[ ١ / ٥٠ ]
مرتبة وأما من زعم أنها للجمع فهو أيضا متحكم فإنا على قطع نعلم أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك أنه رآهما معا.
فإذا مقتضى الواو العطف والإشتراك وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب.
نعم قد ترد في غير غرض المسألة بمعنى الجمع إذا قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ومنه قول الشاعر١:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم.
فلا تكون الواو عاطفة في ذلك فإن أردت العطف قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن وأنت تعني النهي عن كل واحدة منهما والمعنى لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن وترد الواو في باب المفعول معه بمعنى "مع" تقول استوى الماء والخشبة وجاء البرد والطيالسة قال سيبويه ﵀ قد ترد [الواو] بمعنى إذ وهي التي تسمى واو الحال قال الله ﷾: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ٢ أي إذ طائفة [﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾] .
٩٣- فأما الفاء فإن مقتضاها التعقيب٣ والتسبيب٤ والترتيب٥.
_________________
(١) ١ هذا البيت من كلمة لأبي الأسود الدؤلي الذي ينسب إليه وضع علم النحو وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد استشهد به جماعة منهم: سيبويه "١/٤١٤" ونسبه للأخطل وابن هشام في: "أوضح المسالك" ٢/١٧٠ وفي "شذور الذهب" ص "٢١٢ و٢٧٧" و"القطر" ص "٧٩" وابن عقيل ٢/٢٦٢. ٢ آية "١٥٤" سورة آل عمران. ٣ التعقب: يعني أن الثاني بعد الأول بلا مرحلة فإذا قلت حضر عمرو فزيد. فقد عنيت أن زيدا جاء بعد عمرو ولم يكن بينهما مهلة. ٤ ويشترط في "الفاء" إذا كانت للسببية أن تسبق بنفي محض كقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ وقولك: "ما تأتينا فتحدثنا، أو طلب، وهو على ثمانية أقسام: الأول: الأمر، كقوله: يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سلمان فنستريحا الثاني: النهي نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ . الثالث: التخصيص نحو: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ . والرابع: التمني نحو: ﴿لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ . الخامس: الترجي نحو: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ . السادس: والدعاء كقوله: رب وفقني فلا أعدل عن سنن الساعين في خير سنن السابع: الاستفهام كقوله: هل تعرفون لباناتي فأرجو أن تقضى فيرتد بعض الروح للجسد الثامن: العرض كقوله: يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما قد حدثوك فما راء كمن سمع "قطر الندى" ص "٧١ - ٧٦". ٥ الترتيب: يعني إن الثاني بعد الأول.
[ ١ / ٥١ ]
ولذلك تستعمل جزاء تقول إن تأتني فأنا أكرمك وإذا جرى جزاء فهو الذي عنيناه بالتسبيب ثم من ضرورة التسبيب الترتيب والتعقيب.
وقد ترد الفاء مورد الواو للعطف والتشريك وأكثر ما يلفى كذلك في أسماء البقاع كقول١ امرىء القيس٢:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
فأما "ثم" فمن العواطف ولكن للترتيب مع التراخي وبالله التوفيق.
مسألة تحوى مراسم الأصوليين في معاني الحروف:
ونحن نذكر فيها لمعا مفيدة يستقل بها من لم يحط بالعربية.
٩٤- فمنها "ما" وقد تكون حرفا وقد تكون اسما.
فأما ما يقع حرفا فينقسم إلى "ما" له معنى وإلى ما ليس له معنى.
فأما ما له معنى فهو "ما" النافية وهي تدخل على الاسم والفعل تقول ما قام زيد [وما زيد قائم] .
وإن اتصلت "ما" بالإبتداء أو الخبر فأهل الحجاز يرون إحلالها محل ليس فيرفعون بها الاسم وينصبون الخبر وهي لغة القرآن قال الله ﷿: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٣ وبنو تميم لا تعمل ما النافية لأنها تدخل على الاسم والفعل وقياس "ما" يدخل على البابين أعني الاسم والفعل ألا يعمل في واحد منهما.
وأما ما ليس له معنى فما الكافة لعمل ما يعمل دونها تقول أن زيدا منطلق.
وإنما زيد منطلق وما الزائدة في مثل قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٤.
وأما ما وقع اسما فينقسم إلى منكوروموصول أما المنكور ففي الاستفهام والشرط والتعجب تقول: ما تفعل؟ وأنت مستفهم معناه أي شيء تصنع؟.
_________________
(١) ١ المعلقات بشرح الزورني ص "٣". ٢ امرؤ القيس بن حجر أشهر شعراء الجاهلية وأشرفهم أصلا وأرفعهم منزلة. تاريخ آداب اللغة ١/٩٣-٩٨. ٣ آية "٣١" سورة يوسف ٤.آية "١٥٩" سورة آل عمران
[ ١ / ٥٢ ]
وأما الشرط فتقول ما تفعل أفعل والتعجب كقولك ما أحسن زيدا قال سيبويه تقديره شيء حسن زيدا.
وأما ما ليس بمنكور فهو الموصول الذي لا يقوم بنفسه دون صلته وصلته جملة من مبتدأ وخبر١ [أو فعل وفاعل] ٢ وهو بمعنى الذي تقول أعجبني الذي تصنع وأعجبني ما تصنع.
وقد تقع "ما" ظرفا زمنيا في مثل قولك آتيك ما أكرمتني أي مدة إكرامك أياي.
وقد تقع مصدرا قال الله ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ٣ معناه وبنائها فيقع الفعل معه بتأويل المصدر.
٩٥- وأما "أو" فهي للتردد والتشكك تقول رأيت زيدا أو عمرا.
٩٦- و"أم" في معناه إلا أنه قد يقع في وضع الكلام مقرونا بالإستفهام تقول أزيدا رأيت أم عمرا ولا تقول رأيت زيدا أم عمرا ولا أرأيت زيدا أو عمرا.
وتحقيق الفصل بينهما أن "أم" إذا استعلمت في قضية الاستفهام فمطلقها قاطع بوقوع أحد الشيئين اللذين ردد السؤال فيهما وإنما يسأل عن عين الواقع.
والكلام في الباب يمثل بأي فإذا قلت أزيدا رأيت أم عمرا كان معناه أيهما رأيت وأما "أو" فليس ذلك من حكمه ويجوز أن يعتقد من يقول أرأيت زيدا أو عمرا أنه لم ير واحدا منهما واستقصاء ذلك يتعلق بفن العربية.
وقد تكون "أو" بمعنى التخيير في الجنس كما تقول جالس الحسن أو ابن سيرين معناه جالس هذه الطبقة من أهل الخير.
وذهب بعض الحشوية٤ من نحوية الكوفة إلى أن "أو" قد ترد بمعنى الواو العاطفة واستشهدوا بقوله ﷾: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ وهي التي يقال لها: الجملة الاسمية. ٢ وهي التي يقال لها: الجملة الفعلية وهذه الجملة لا محل لها من الإعراب. ٣ آية "٥" سورة الشمس. ٤ سبق التعريف بهذه الفرقة. ٥ آية "١٤٧" سورة الصف
[ ١ / ٥٣ ]
وقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ١ وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٢ وهذا "زلل" عظيم عند المحققين فلا تكون "أو" بمعنى الواو قط وقوله جل وعلا أو يزيدون عند أصحاب المعاني كالزجاج٣ والفراء٤ وغيرهما محمول على تنزيل الخطاب على قدر فهم المخاطب والتقدير وأرسلناه إلى عصبة لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو يزيدون.
وعليه خروج قوله تعالي: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٥ والرب ﷿ لا يتعاظمه أمر ولكن المعنى إن الإعادة أهون في ظنونكم فإذا اعترفتم بالإقتدار على الإبتداء والإعادة أهون عندكم فلم منعتموها؟.
وفي هذا المعنى قوله تعالى: في خطاب موسى وهارون ﵉ إذ بعثهما إلى فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٦ والترجي لا يليق بحكم علام الغيوب ولكن المعنى كونا على رجائكما في تذكيره إذ لو أطلعهما على الغيب في إبائه لما شمرا في الدعوة.
وقوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ٧ تقرب "أو" فيه من التخيير في قول القائل جالس الحسن٨ أو ابن سيرين٩ وقوله تعالى: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ١٠ يتجه فيه ما ذكرناه.
_________________
(١) ١ آية "٦" سورة المرسلات. ٢.آية "٢٤" سورة الإنسان. ٣ الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج سمي بذلك لأنه كان يخرط الزجاج تلقى العلم على المبرد وكان يدفع له الأجر بمشقة لقلة ذات يده مات سنة "٣١١" له ترجمة في طبقات الأدباء "٣٠٨" و"الفهرست" "٦٠" ومعجم الأدباء. ٤ الفراء هو: يحيى بن زياد الفراء الديلمي من موالي بني أسد في الكوفة أخذ عن الكسائي وكان إماما ثقة له شأن عظيم في اللغة قال أبو العباس: لولا الفراء لما كانت اللغة مات سنة "٢٠٧" له ترجمة في: وفيات الأعيان ٢/٢٢٨ وطبقات الأدباء "١٢٦" والفهرست "٦٦" ومعجم الأدباء ٢٠/٩. ٥ آية "٢٧"سورة الروم. ٦ آية "٤٤" سورة طه. ٧ آية "٦" سورة المرسلات. ٨ الحسن هو: ابن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد مولى زيد بن ثابت وقيل جابر بن عبد الله وقيل: أبو اليسر قال سليمان التميمي: الحسن شيخ أهل البصرة مات سنة "١١٠" له ترجمة في: وفيات الأعيان ١/١٢٨ والعبر ١/١٣٦ وشذرات الذهب ١/١٣٦. ٩ ابن سيرين هو: محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة البصري مولى أنس بن مالك قال ابن سعد: ثقة مأمون عال رفيع فقيه إمام كثير العلم والورع مات سنة "١١٠" له ترجمة في: وفيات الأعيان ١/٤٥٣ وشذرات الذهب ١/١٢٨ والعبر ١/١٣٥ وحلية الأولياء ٢/٢٦٣. ١٠ آية "٢٤" سورة الإنسان.
[ ١ / ٥٤ ]
وقال الزجاج١ هو على مذهب التكريرالمؤكد والآثم هو الكفور بعينه وقد تكون "أو" بمعنى إلى في قولك لا أفارقك أو تقضيني حقي معناه إلى أن تقضيني حقي.
٩٧ - وأما "هل" فمعناه الإستفهام و"هل" تدخل على الاسم والفعل تقول هل قمت هل زيد في الدار وقد تكون هل بمعنى قد قال المفسرون في قوله ﷾: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٢ معناه قد أتى على الإنسان وقد تكون بمعنى التقرير قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحسان إِلَّا الإحسان﴾ ٣ وإذا اتصل به "لا" كان بمعنى الحث والتحريض تقول هلا جئتنا وأنت تبغي الحث على المجىء.
٩٨- وأما "لا" فمقتضاه النهي ثم قد تكون للتبرئة فتتصل إذا باسم منكور مبني على الفتح ولا ينون ويدل إذ ذاك على نفى الجنس تقول لا ريب في الأمر ولا رجل في الدار.
وتقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض تقرير نفي اشتمل الكلام عليه قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ٤ معناه ما منعك أن تسجد ولكن لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفي فكان في حكم التأكيد للمنع حتى كأنه تكرير له ولا تزاد "لا" إلا لهذه الشريطة.
فإن قيل "لا" زائدة في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ٥ وليس في الكلام نفى تؤكده لا قيل هو رد لقول الكفار ودعاويهم وقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ افتتاح القسم وفي الشاذ لأقسم.
٩٩- وأما "لو" فتدل على امتناع الشيء لامتناع غيره تقول لو جئتني جئتك أي امتناع مجيئى لامتناع مجيئك.
وقد تكون بمعنى "إن" قال الله ﷾: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ٦ معناه وإن أعجبتكم.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ آية "١" سورة الإنسان. ٣ آية "٦٠" سور الرحمن. ٤ آية "١٢" سورة الأعراف. ٥ آية "١" سورة القيامة. ٦ آية "٢٢١" سورة البقرة.
[ ١ / ٥٥ ]
وقد تفيد معنى التقليل كقوله ﷺ:١ "اتقوا النار ولو بشق تمرة" وقوله ﷺ لخاطب الواهبة نفسها٢ "التمس ولو خاتما من حديد".
١٠٠- وأما "لولا" فهي لامتناع الشيء بسبب وجود غيره تقول: لولا زيد لأكرمتك أي امتنع إكرامي إياك لوجود زيد عندك.
وقد تكون بمعنى "هلا" قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ ٣ معناه هلا نفر.
١٠١- وأما "من" فحرف جار خافض لا يدخل إلا على اسم ومعناه التخصيص والتبعيض تقول أخذت الدراهم من الكيس.
وقد يرد مؤكدا للتعميم واستغراق الجنس قال سيبويه٤ ﵀ إذا قلت ما جاءني رجل فاللفظ عام ولكن يحتمل أن يؤول فيقال ما جاءني رجل بل رجلان أو رجال فإذا قلت ما جاءني من رجل اقتضى نفى جنس الرجال على العموم من غير تأويل.
وقد تكون بمعنى "على" قال الله ﷾: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ ٥ أي على القوم.
١٠٢- و"عن" بمعنى من إلا في خصائص "ثلاثة" منها أن من للانفصال والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل تقول أخذت من مال زيد لأنك فصلته "عنه" وأخذت عن علمه ولهذا اختصت الأسانيد بالعنعنة.
و"من" لاتكون إلا حرفا و"عن" قد تكون اسما تدخل "من" عليه تقول أخذت من عن الفرس جله.
١٠٣- وأما "إلى" فحرف جار وهو للغاية قال سيبويه ﵀ إن اقترن.
_________________
(١) ١ البخاري ٢/١٢٦ و٤/٢٤ ٨/٨ ١٤٠ ١٤٤ ٩/١٨١ ومسلم في الزكاة "٦٨" والنسائي ٥/٧٥ والدارمي ١/١٩٠ وأحمد ٤/٢٥٦ و٢٥٨ و٢٥٩ و٣٧٧. ٢ البخاري ٧/٢٢ وأبو داود "٢١١١" والترمذي "١١١٤" والنسائي ٦/٣٣٦ ومالك "٥٢٦". ٣ آية "١٢٢" سورة التوبة. ٤ سبقت ترجمته. ٥ آية "٧٧" سورة الأنبياء
[ ١ / ٥٦ ]
"بمن" اقتضى تحديدا ولم يدخل الحد في المحدود فتقول بعتك من هذه الشجرة إلى تلك الشجرة فلا يدخلان في البيع.
وإذا لم تقترن "بمن" فيجوز أن يكون تحديدا ونجوز أن تكون بمعنى مع قال الله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ١ إِنَّهُ معناه مع أموالكم وقال جل وعز: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٢ أي مع الله ومنه قوله ﷾: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٣ [معناه: مع المفراق] .
و"من" تدخل على الزمان والمكان تقول من مكة إلى المدينة ومن الجمعة إلى الجمعة.
١٠٤- وأما "مذ ومنذ" فيختصان بالزمان ولا يدخلان على المكان واستعمالهما في الزمان أفصح من استعمال "من" تقول منذ أسبوع أنتظره وهو أحسن من قولك من أسبوع٤.
وإذا استعملت "من" قرينة "إلى" لم تقم "عن" مقامها أصلا فإن قيل زيد أفضل من عمر من أي قبيل قلنا هو لاقتضاء الغاية والمعنى ساوى.
زيد عمرا في فضله وابتدأ زيد زيادة عليه في الفضل كما تقول سرت من البصرة إلى بغداد ولهذا لا تستعمل "عن" في الباب.
١٠٥- وأما "على" فلفظه تقع اسما وفعلا وحرفا فأما الفعل فمن علا يعلو وأما الاسم فتقول أخذته من على الفرس وأما الحرف فتقول دخلت على فلان ودخل علي.
١٠٦- وأما "حتى" فعلى أوجه قد تكون بمعنى الغاية٥ تقول أكلت.
_________________
(١) ١ آية "٢" سورة النساء. ٢ آية "٥٢" سورة آل عمران. ٣ آية "٦" سورة المائدة. ٤ أعلم أن "مذ، ومنذ" يدلان على معنى "من" إن كان ماضيا نحو: "ما رأيته مذ يوم الخميس" و"ما كلمته منذ شهر". ويكونان بمعنى "في" إن كان ما بعدهما حاضرا نحو: "لا أكلمه مذ يومان". "لا ألقاه منذ يومنا". فإن وقع بعد "مذ" أو "منذ" فعل أو كان الاسم الذي بعده مرفوعا فهما اسمان. "التحفة السنية" ص "١٢٦". ٥ وهو غالب.
[ ١ / ٥٧ ]
السمكة حتى رأسها تعني إلى رأسها فقد أنبأت أنك لم تأكل رأسها.
وتكون بمعنى العطف: تقول: أكلت السمكة حتى رأسها معناه ورأسها.
وتكون بمعنى الاستئناف تقول: أكلت السمكة حتى رأسها أي ورأسها مأكول وقد أنشسد البيت المشهور على الوجوه الثلاثة وهو قول القائل١:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها.
وقد تكون بمعنى إلى: مثل أن تقول: لا أفارقك حتى تقضيني حقي أي إلى أن تقضيني حقي.
١٠٧- وأما "إي" فمعناه أجل قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ ٢.
١٠٨- وأما بل فللاستدراك واستئناف الكلام تقول ما رأيت زيدا بل عمرا.
١٠٩- وأما "نعم وبلى" فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام يشتمل على نفى كقوله ﷾: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٣ قال سيبويه لو قالوا نعم لكان نفيا للربوبية.
وأما "نعم" فللإثبات فإذا قال قائل: أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا كنت رأيته: نعم.
_________________
(١) ١ قال الشيخ محيي الدين شيخ شيخنا البن في تعليقه على "قطرة الندى" ص ٣٤٢-٣٤٣: "حكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن هذا البيت من كلام أبي مروان النحوي" وقال ابن هشام في "القطر" ص "٣٤٢- ٣٤٣": "حتى للغاية والتدريج ومعنى الغاية: آخر الشيء ومعنى التدريج: أن ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا إلى أن يبلغ الغاية وهو الاسم المعطوف ولذلك وجب أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه إما تحقيقا كقولك: "أكلي السمكة حتى رأسها" أو تقديرا كقولك: "ألقى الصحيفة إلخ البيت". قال: فعطف نعله بحتى وليست جزءا مما قبلها تحقيقا لكنها جزء تقديرا لأن معنى الكلام ألقى ما يثقله حتى نعله".أهـ. ٢ آية "٥٣" سورة يونس. ٣ آية "١٧٢" سورة الأعراف.
[ ١ / ٥٨ ]
١١٠- وأما "من" فلا تكون إلا اسما "بخلاف" ما فإنه قد يكون اسما وقد يكون حرفا كما سبق ثم "من" قد يكون موصولا وقد يكون منكورا.
أما المنكور فيكون استفهاما في قولك من في الدار ويكون شرطا في قولك من جاءني أكرمته وأما الموصول فمثل قولك: رأيت من عندك معناه الذي عندك.
١١١- فأما إذا فهو للجزاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم١: "أينقص الرطب إذا يبس؟ "، قالوا: نعم، قال: "فلا إذا".
١١٢- وأما "أي" فيكون جزءا مما يضاف إليه فإذا قلت أي الثياب عندك فأي من الثياب وهو اسم معرب يعمل فيه ما بعده إلا حروف الجر فإنها لا تعمل فيه تقول أيهم أكرمت وعرفت أيهم جاءك قال الله جل وعز: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ ٢.
فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها فحرصنا على التنبيه على مقاصد قويمة عند أهل العربية مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ آية "١٢" سورة الكهف.
[ ١ / ٥٩ ]