٥٧٣- نصدر هذا الفصل بذكر صور المرسلات ثم ننقل المقالات ونشير إلى عمدة كل فريق ونختتم الكلام بالمرتضي المختار عندنا.
فمن صور المراسيل أن يقول التابعي:٢ قال رسول الله صلى الله عله وسلم فهذا إضافة إلى الرسول ﵇ مع السكوت عن ذكر الناقل عنه٣ وهذا يجري في الرواة بعضهم مع بعض في الأعصار المتأخرة عن عصر رسول الله ﷺ.
وإذا قال واحد من أهل عصر: قال فلان وما لقيه ولا سمى من أخبر عنه فهو ملتحق بما ذكرناه.
ومن الصور أن يقول الراوي: أخبرني رجل عن رسول الله ﷺ أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه٤.
ومن الصور أن يقول: أخبرني رجل عدل موثوق به رضا عن فلان أو عن
_________________
(١) ١ المراسيل: جمع المرسل، وهو في اللغة مأخوذ من الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] . أي سلطانهم عليهم ولم نمنعهم منهم ويقال أرسلت الطائر إذا أطلقته من غير تقييد فكان المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو مخصوص معروف "الوسيط" ص "٢٨٠". ٢ سواء أكان كبير أم صغير والمراد بالتابعي الكبير كم لقي كثير من الصحابة وجالسهم وكانت جل روايته عنهم كسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عدي بن الخيار وقيس بن أبي حازم وأمثالهم والصغير: هو من لم يلق من الصحابة إلا اليسير أو لقي جماعة ولكن جل روايته عن التابعين كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي حازم وأمثالهم. ٣ كأن يقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله عليه وسلم. ٤ قال العراقي: والأكثرون على أنه متصل في سند مجهول.
[ ١ / ٢٤٢ ]
رسول الله ﵇.
ومن صور المراسيل: إسناد الأخبار إلى كتب رسول الله ﷺ وإنما التحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب ولو ذكر من يعزو الخبر إلى الكتاب ناقله وحامله التحق الحديث [بالمسندات] فهذه صور المراسيل.
حكم العمل بالمراسيل وقبولها.
٥٧٤- وأبو حنيفة١ قائل بجميعها قابل لها عامل بها والشافعي٢ ﵄ لا يعمل بشيء منها ومتعلق أصحاب أبي حنيفة أن الراوي إذا كان في نفسه عدلا ثقة فروايته محمولة على وجه يقتضي القبول ولو عين من روى عنه وعدله وكان من أهل التعديل لقبل تعديله كما قبلت روايته فإذا أرسل الحديث جازما وأطلق الرواية باتة أشعر بنهاية الثقة.
٥٧٥- وقال بعض أئمة الحديث إذا قال التابعي: قال رسول الله ﷺ كان ذلك أولى من ذكره معينا منهم فإنه لا يحكم بإثبات قول رسول الله ﷺ مع السكوت عن ذكر من نقله إلا مع انتفاض قلبه عن الشبهات وطرق الريب وإذا ذكر معينا فكأنه لا يتقلد صحة الرواية وإنما يكل الأمر إلى الناظرين فيمن روى عنه.
٥٧٦- ومما تمسك به القائلون بالمراسيل أن أخبار أصحاب رسول الله ﷺ مقبولة وإن كان في بعضها إرسال لا سيما أخبار الذين كانوا صبية في عهد رسول الله ﷺ ثم وفرت حظوظهم من العلوم بعد انقلاب رسول الله إلى ﵀ ﷺ كابن عباس٣ وابن الزبير٤ وغيرهما ﵃ ثم كانت أخبارهم مقبولة في الصحابة والتابعين مع القطع بأن معظمها مراسيل ونحن نتتبع ذلك على ما ينبغي عند ذكرنا ما نختاره إن شاء الله تعالى.
٥٧٧- وأما الشافعي ﵁ فإن استدل على رد المراسيل بأن الراوي.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبقت ترجمته. ٣ سبقت ترجمته. ٤ ابن الزبير هو: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبو بكر. كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من قريش. حضر واقعة اليرموك وشهد خطبة عمر بالجابية وبويع له بالخلافة له عقيب موت يزيد سنة "٦٤" وقيل: "٦٥". له ترجمة في: تهذيب التهذيب ٥/١٨٧-٣٧٣.
[ ١ / ٢٤٣ ]
إذا لم يذكر من روى له فهو مجهول في حقوقنا وقبول خبر من نجهله ولا نعرفه مستجمعا للصفات المرعية لا وجه له وربما علم الراوي تعديل من روى الحديث ولو ذكره لغيره لعرف المخبر عنه ما لم يعرفه فإذا الإضراب عن ذكر الراوي يخرم الثقة ويطرق إلى القلوب التردد فإذا سمى الراوي من حدثه وعدله وطرد الناظرون الجرح إن وجدوه واستمر الزمن ولم يعثر على [سبب] جارح فيحصل به الثقة وإذا لم يسم المروى عنه فليست العدالة مقطوعا بها لأن معتمدها أمور ظاهرة وأسباب الجرح أخفى منها والتعديل على الإبهام مع تركه تسمية المعدل لا يتضمن الثقة في حق غير المعدل هذا معتمد الشافعي ويقوى كلامه جدا في بعض الصور كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى.
٥٧٨- وما اعتمده أصحاب أبي حنيفة ﵁ أولا يعارض هذا المسلك فيوهنه.
وما ذكروه من أمر الصحابة ﵃ وإرسالهم الحديث فقد قال القاضي منتصرا للشافعي: ثبوت الاحتجاج بما أطلقه أحداث أصحاب رسول الله ﷺ من الروايات مع ترددها بين الإسناد والإرسال لا يثبت الاحتجاج بما تحقق الإرسال فيه إلا من جهة القياس والأقيسة الظنية المعنوية منها والشبهية يقتضي ما يصح منها على السبر العمل ولا يسوغ استعمالها في القطعيات في النفى والإثبات.
حاصل التمسك بذلك اعتبار ما تحقق فيه الإرسال بما تعارض فيه احتمال الإسناد والإرسال فقد بطل على ما زعم هذا المسلك.
٥٧٩- فإذا وضح اعتبار ما تمسك به النفاة والمثبتون فقد جاز أن نوضح المختار قائلين: وقد ثبت أن المعتمد في الأخبار ظهور الثقة في الظن الغالب فإن انخرمت اقتضى انخرامها التوقف في القبول وهذا الأصل مستندة الإجماع الذي ثبت نقله من طريق المعنى استفاضة وتواترا فإذا سبرنا ما ردوه وما قبلوه يحصل لنا من طريق السبر أنهم لم يرعوا صفات تعبدية كالعدد والحرية وإنما اعتمدوا الثقة المحضة [فلتعتبر هذه قاعدة في الباب] .
ومساقها يقتضي رد بعض وجوه الإرسال وقبول بعضها فإذا قال الراوي سمعت رجلا يقول: قال فلان فليس في هذا المسلك من الرواية ما يقتضي الثقة فالوجه القطع بردها وإن قال سمعت رجلا موثوقا به عدلا رضا يقول سمعت.
[ ١ / ٢٤٤ ]
فلانا وكان الراوي من يقبل تعديله لعدالته واستقامة حالته وعلمه بالجرح والتعديل ودرايته فهذا يورث الثقة لا محالة.
٥٨٠- وليست الثقة على قضية واحدة بل هي على أنحاء ولها مبتدأ ومنتهى ووسائط بينهما ويبعد أن يشترط في الراوي أن يعرفه كل من يبلغه خبر مسند حتى يسنده إليه وإذا استحال اشتراط هذا لزم على الاضطرار تعديل حال من يلتزم موجب الإخبار على تعديل الأئمة المشهورين وعرفانهم فإذا قال أخبرني الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة وكذلك إذا قال الإمام الراوي قال رسول الله ﷺ فهذا بالغ في ثقته بمن روى له فليطرد الطارد ما ذكرناه طردا وعكسا في صور الإرسال وليحكم في رده وقبوله بموجب الثقة.
٥٨١- ثم مخالفة الشافعي في أصول الفقه شديدة وهو ابن بجدتها وملازم أرومتها ولكني رأيت في كلام الشافعي ما يوافق مسلكي هذا وتقر به الأعين.
قال ﵀: مرسلات ابن المسيب١ حسنة وشبب بقولها والعمل بها وقال في كتاب الرسالة العدل الموثوق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته.
وقد تعرض القاضي لتفصح كلام الشافعي في هذا الفصل فقال قوله مراسيل ابن المسيب حسنة لست أدري ما الذي يحسنها؟ وقد بلغت عن هذا الحبر أنه قال في بعض مجموعاته تتبعت مراسيل سعيد فألفيت معظمها مسندا من غير طريقه.
وهذا فيه نظر فإن التمسك بإسناد من أسند وعليه إحالة العمل والقبول لا على المراسيل فأما العمل إن لم يكن على وفاق فلا وقع له وإن كان على وفاق فالتمسك [بالإجماع] فهذا معترضه على الشافعي.
٥٨٢- والذي لاح لي أن الشافعي ليس يرد المراسيل ولكن يبغي فيها مزيد تأكيد بما يغلب على الظن من جهة أن الإرسال على حال يجر ضربا من الجهالة في المسكوت عنه فرأى الشافعي [أن يؤكد الثقة] فليثق الناظر بهذا المسلك الذي ذكرته فعلى الخبير سقط وقد عثرت من كلام الشافعي على أنه إن لم يجد إلا المراسيل مع
_________________
(١) ١ ابن المسيب هو: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أبو محمد. قال قتادة: ما رأيت أحد قط أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب. مات سنة "٩٤" وقيل: "٩٣" له ترجمته في: تذكرة الحفاظ ١/٥٤، والعبر ١/١١٠، والنجوم الزاهرة ١/٢٢٨.
[ ١ / ٢٤٥ ]
الاقتران بالتعديل على الإجمال فإنه يعمل به فكأن إضرابه [عن] المراسيل في حكم تقديم المسانيد عليها وهذا إذا اقترن المرسل بما يقتضي الثقة وهذا منتهى القول في ذلك والله أعلم.
٥٨٣- وقد سمى الأستاذ أبو بكر بن فورك ﵀ قول التابعي قال رسول الله ﵇ وقول تابع التابعي: قال الصحابي - منقطعا وسمى ذكر الواسطة على الإجمال مرسلا مثل أن يقول التابعي قال رجل: قال رسول الله ﷺ وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا وليس ذلك متعلقا بفرق معنوي وإنما هو ذكر ألقاب في الباب ذكرناها حتى يطلع الناظر عليها إذا وجدها في كلام الأئمة والقول في الرد والقبول على ما تفصل وتحصل.
[ ١ / ٢٤٦ ]