١٢٢٧-[كل ما] قدمناه في تعارض النصوص.
وأما إذا تعارض ظاهران يتطرق التأويل إلى كل واحد منهما فتتسع مسالك الترجيح فإن مبنى التعلق بالظاهر على غلبات الظنون وهي حرية بالترجيحات.
فإذا تعارضا وتأيد أحدهما بمزية ثقة في الراوي أو العدد في الرواة فالوجه التمسك بما تأيد بهذه الجهات وليس كالنصين فيما قدمناه فإنا تحققنا [من] طرق الماضين أنهم في غلبات الظنون كانوا يبغون ترجيح ظن على ظن.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وإنما توقفنا في تعارض النصوص من جهة أن معارضة النص بالنص يوهي التعلق به واقتضاؤه إياه يزيد على ما يتعلق به الترجيح وأيضا فإنا لم نتحقق مثالا في تعارض النصيين مع ترجيح أحدهما بمزية البينة والعدد ولم ينقل لنا مسلك الأولين في مثل ذلك حتى نتخذه معتبرا.
[وأما ما] يتعلق بالظنون [فقد] استبنا على قطع استرسال الأولين في الاستمساك بما يتضمن مزية في تغليب الظن فإذا تعارض ظاهران ولم يكن أحدهما في الثبوت والتعرض للتأويل بأولى من الثاني ولم يتطرق إلى أحدهما ما يوجب تغليب الظن فتعارضهما والحالة هذه كتعارض النصين على ما تقدم.
مسألة:
١٢٢٨- إذا تعارض ظاهران أحدهما من الكتاب والآخر من السنة فقد اختلف أرباب الأصول.
فقال بعضهم: يقدم كتاب الله تعالى وقال آخرون: تقدم السنة وقال آخرون: هما متعارضان.
١٢٢٩- فأما من قدم الكتاب فمتعلقه قول معاذ١ إذ قال: "أحكم بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله فإن لم أجد اجتهد رأيي" ٢ واشتهر في أصحاب النبي ﷺ الابتداء بالكتاب ثم طلب السنة إن لم يجدوا متعلقا من الكتاب.
١٢٣٠- ومن قدم السنة احتج بأن السنة هي المفسرة للكتاب وإليها الرجوع في بيان مجملات الكتاب وتخصيص ظواهره وتفصيل محتملة.
١٢٣١- والصحيح عندنا الحكم بالتعارض فإن الرسول ﵇ ما كان يقول من تلقاء نفسه شيئا وكل ما كان يقول فمستنده أمر الله تعالى وما ذكره معاذ فمعناه أن ما يوجد فيه نص من كتاب الله تعالى فلا يتوقع فيه خبر يخالفه فمبني الأمر فيه على تقديم الكتاب ثم آي الكتاب لا تشتمل على بيان الأحكام والأخبار أعم وجودا [منها] ثم طرق الرأي لا انحصار لها فجرى الترتيب منه بناء على هذا في الوجود.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٩٦ ]
ونحن فرضنا المسألة في ظاهرين ليسا نصين وكذلك ما ادعاه من ابتدار الصحابة الكتاب فهو منزل على ما ذكرناه.
فأما كون السنة مفسرة فلا تعلق [فيه] فإنا نقول أن روى تفسيرا للكتاب فلا خلاف في قبوله وتنزيل الكتاب عليه ومعظم التفاسير منقولة آحادا وليس هذا من غرضنا وكذلك لو كان الخبر الذي نقله الأثبات نصا في معارضه ظاهر فالنص مقدم على الظاهر من الكتاب والسنة.
وقد ذكرنا هذا في تخصيص العموم وأشرنا إلى خلاف فيه والذي ذكرناه الآن هو المختار.
١٢٣٢- وقال القاضي ﵀: إن تعارض ظاهر خبر نقله الآحاد فهما متعارضان وهذا لست أراه كذلك فإن الظاهرين متساويان في تطرق التأويل إلى كل واحد منهما والكتاب يختص [بثبوته على جهة القطع] ولا أعرف خلافا [أنه] إذا تعارض ظاهران من الأخبار أحدهما منقول تواترا والآخر منقول آحادا فالمتواتر يقدم فليكن الأمر كذلك في تقديم الكتاب على السنة.
مسألة:
١٢٣٣- قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ١ الآية وهذه الآية من آخر ما نزل ولا خلاف أنها ليست منسوخة.
وقد تعلق مالك ﵀ بموجبها ونزل مذهبه عليها فحرم ما اقتضت الآية تحريمه وأحل ما عداه ورأى الشافعي ﵀ التعلق بأخبار نقلها الآحاد وترك موجب الآية لها.
منها: أنه ﵇ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير٢ وحرم الفواسق٣ وحرم الحمر الأهلية٤ والأخبار في تحريمها
_________________
(١) ١ آية "١٤٥" سورة الأنعام. ٢ الترمذي "١٤٧٧"، وأحمد "١/١٤٧، ١٩٤، ٢٢٤، ٢٨٩"، والبيهقي "١/٢٥"، "٥/٣٣٨"، وابن شيبة "٥/٣٩٩"، والحاكم "٢/٤٠". ٣ البخاري في "الصيد" "٧"، ومسلم في "الحج" ٧١، ٧٣"، والترمذي في "الحج" "٢١" والنسائي في "المناسك" "١١٦، ١١٧"، وأحمد "١/٢٥٧". ٤ البخاري في "الذبائح" "٢٨"، ومسلم في "الصيد" "٣٣، ٢٥، ٢٧، ٣٠، ٣١، ٣٧" والترمذي في "النكاح" "٢٩"، والصيد "٩"، والأطعمة "٦" والنسائي في "الصيد" "٣١" وابن ماجه في "الذبائح" "١٣" وأحمد "٢/٢١".
[ ٢ / ١٩٧ ]
بعد التحليل في الصحاح.
وتقديم أخبار الآحاد على نص الكتاب مشكل في غير محل الإجماع وليس القرآن في مرتبة الظواهر في هذا الغرض ولكنه يشتمل على النفي والإثبات والإبقاء والاستثناء وهذا أبعد في التأويل من الأخبار التي رويت في معرض المناهي.
وصيغ النهي ليست نصوصا في التحريم والتنزيه غالب في كثير من المطعومات.
١٢٣٤- والذي اعتمده الشافعي في الكلام على الآية تنزيلها على [سبب] في النزول يدل عليه ما قبل الآية التي فيها الكلام وما بعدها وذلك أنه قال: زعمت اليهود أن الشحوم محرمة وذكر تفاصيلهم في البحيرة والسائبة ونسبوا النبي ﵇ إلى أنه بغير حكم الله تعالى من تلقاء نفسه وأباح طوائف من الكفار الميتة وجادلوا المسلمين فيها وكانوا يقولون: تستحلون ما تقتلون ولا تستحلون ما يقتله الله تعالى وأباح آخرون الخنزير والدم فأنزل الله تعالى أنه لم يحرم إلا ما أحلوه وأنهم مراغمون لما أنزل الله تعالى على نبيه ﵇ وتجري الآية على مذهب من يقول لمن يخاطبه لم تأكل اليوم حلاوى؟ فيقول المجيب: لم آكل اليوم إلا الحلاوى.
١٢٣٥- وهذا [استكراه] عندي في الكلام على الآية ولكن يعضده عندي ما هو مجمع عليه في أمور ومذهب مالك مسبوق بالإجماع فيها فإنا لا نشك في اجتناب أصحاب النبي ﵇ أكل الحشرات وغيرها واعتقادهم أنها بمثابة المحرمات وكذلك الخمر محرمة وليس لها ذكر في هذه الآية ونزولها مسبوق يتحريم الخمر فإذا ظاهر الآية متروك بالإجماع ولا يعتد [مع تحققه] بخلاف مالك بعده فينتظم من ذلك الآية على ما ذكره الشافعي.
مسألة:
١٢٣٦- إذا ورد عام وخاص في حادثة وتسلط الخاص [على العام] إجماعا وورد مثله عام وخاص فالوجه تنزيل العام على موجب الخاص.
ومثال موضع الخلاف والوفاق ما نصفه الآن أما المتفق عليه فتنزيل قوله
[ ٢ / ١٩٨ ]
قوله ﵇: "في الرقة ربع العشر" ١ على قوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" ٢ والحديث الأول يعم القليل والكثير والحديث الثاني يخص الزكاة بالنصاب فهذا متفق عليه وسببه أن المقيد من الخبرين نص في نفي الزكاة عما قصر عن خمس أواق والخبر الأول ظاهر غير مقصود والغالب على الظن أن المراد بيان قدر الزكاة.
١٢٣٧- فأما ما أختلف العلماء فيه وهو [في] معنى ما وصفناه فقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" ٣.
فلم يعتبر أبو حنيفة النصاب وتعلق بظاهر قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" ٤ وقال الشافعي أقصى الممكن منه تسليم ظاهره.
على أن الأمر على خلاف ذلك فإنه لا يخفى على الفاهم أن الغرض من مساق الحديث الفصل بين العشر وبين نصف العشر فإنه ﵇ قال: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر"٥ وخمسة أوسق نص فلا عذر لأبي حنيفة في تركه.
وضرب الشافعي ما [في الورق] من الخبرين مثالا ورأى ما ذكره مسلكا قطعيا وألحق الشافعي بهذا الفن قوله ﵇: "في أربعين شاة، شاة" ٦ مع قوله: "في سائمة الغنم الزكاة".
وهذا دون القسم الأول فإن اشتراط السوم متلقى من المفهوم ونفي الزكاة عما
_________________
(١) ١ مالك في "الزكاة" باب "١١"، حديث "٢٣". ٢ مسلم في "الزكاة" " "٦" والنسائي "٥/٣٦" والبيهقي "٤/٨٤" وابن خزيمة "٢٢٩٨، ٢٢٩٩". ٣ البخاري في "الزكاة" "٤/٣٢"، والبيوع "٨٣" والمساقاة "١٧" ومسلم في "الزكاة" "١،٣، ٤، ٦" والبيوع "٧١"، وأبو داود في "الزكاة" "٢" والبيوع "٢٠، ٩٨، ٢٩٦" والترمذي في "الزكاة" "٧"، والنسائي في "٥" وابن ماجه في "٦"، والدارمي في "الزكاة "١، ٢"، وأحمد "٢/٩٢، ٢٣٧، ٤٠٢". ٤ سبق تخريجه. ٥ سبق تخريجه. ٦ مالك في "الزكاة" حديث "٢٣".
[ ٢ / ١٩٩ ]
دون خمسة أوسق منصوص عليه على وجه لا يقبل التأويل.
مسألة:
- ١٢٣٨ إذا تعارض عمومان من الكتاب [أو السنة] فظاهرهما التناقض والتنافي مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ١ فهذا ظاهر في وضع السيف فيهم حيث يثقفون.
وقال في آية أخرى حَتَّى: ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ ٢ فظاهر الآية أخذ الجزية من كل كافر كتابيا كان أو وثنيا.
وقال ﵇: "خذ من كل حالم دينارا" ٣.
وظاهر هذا جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير تفصيل.
وقال ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" ٤ وظاهر هذا أن الجزية لا تؤخذ وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإسلام.
١٢٣٩- وقال بعض الفقهاء فيما ذكرناه وأمثاله: الوجه الجمع بين الظاهرين في المقدار الممكن فنأخذ الجزية من أهل الكتاب لآية الجزية ونضع السيف فيمن ليس متمسكا بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل.
وزعم هؤلاء أن هذا يتضمن استعمال مقتضى كل واحدة من الآيتين وكذلك القول في الخبرين وهؤلاء يرون تصرفا في الظواهر مستقلا بنفسه غير محتاج إلى إقامة دلالة.
١٢٤٠- وهذا مردود عند الأصوليين فالظاهر إذا تعارضهما إلا أن يتجه تأويل وينتصب عليه دليل كما أوضحنا سبيل ذلك في كتاب التأويلات.
وما ذكره الفقهاء من الجمع احتكام لا أصل له ولو لم يقم عليه دليل لكان
_________________
(١) ١ آية "٥" سورة التوبة. ٢ آية "٢٩" سورة التوبة. ٣ الإرواء "٥/٩٥/١٢٥٤" وعزاه إلى الشافعي وقال: صحيح. ٤ البخاري في "الإيمان" "١٧" ومسلم في "الإيمان" "٣٢" وأبو داود في "الزكاة" "١" والترمذي في "الإيمان "١، ٢"، والنسائي في "الزكاة" "٣"، وابن ماجه في "الفتن" "١" وأحمد "١/١١، ٧٨" "٢/٣١٤".
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ذلك الممسك متضمنا تعطيل الظاهرين وإخراجهما من حكم العموم من غيره دليل وليس أحد الظاهرين أولى بالتسليط على الثاني من الآخر وكل عموم خص فلا بد من عضد تخصيصه بدليل ونحن إنما نخص الجزية بالكتابيين بأخبار وآثار مسطورة في كتب الفقه.
والغرض من هذا الفصل إجراء الظاهرين على تعارضهما من غير أن يجعل أحدهما دليلا في تخصيص الثاني ثم يجعل الثاني دليلا في تخصيص الأول وهذا لا سبيل إليه.
ولكن اتجه في كل ظاهر تخصيص افتقر ذلك التخصيص إلى دليل غير الظاهرين وإن لم يتجه تعلقنا بالترجيح إن وجدناه فإن لم نجد نزلنا عن التعلق بالظاهرين.
مسألة:
١٢٤١- إذا تعارض ظاهران وأحدهما وارد على سبب خاص والثاني غير مطلق وارد على سبب.
أما من قال بتخصيص اللفظ العام بمورده فلا شك أنه يخصصه به.
وأما من رأى التمسك بالعموم دون السبب فإذا تعارض عمومان كما وصفناه والتفريع على أن الاعتبار بعموم اللفظ فإنه يوهيه ويحطه عن رتبة عموم اللفظ المطلق والترجيح يغلب على الظن من منشأ الدليل.
واللفظ العام يغلب على الظن حمله على مقتضى شموله فإذا عارضه لفظ آخر ينحط عنه في غلبة الظن آخر عن الأول.
وهذا هو السر الأخفى في الترجيحات فلا وجه للترجيح من طريق النظر في النصوص إلا أن يحمل ذلك على عمل المجمعين والظاهر يقوى وقع الترجيح فيها وهو متضح في طريق النظر فإن المتعلق فيه غلبة الظن وقد تحقق من الأولين في تعارض الظواهر الاستمساك بالأظهر فالأظهر.
مسألة:
١٢٤٢- إذا تعارض ظاهران وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في [صيغة التعميم] فهو مرجح على العام الذي عارضه وليس فيه اقتضاء التعليل والسبب فيه أن التعليل.
[ ٢ / ٢٠١ ]
في صيغة العموم من أقوى الدلالات على ظهور قصد التعميم حتى ذهب ذاهبون إلى أنه نص ممتنع تخصيصه فإن قدر نصا فلا شك في تقديمه على الظاهر المعرض للتأويل وإن اعتقد ظاهرا فهو مرجح على معارضه لاختصاصه بما يوجب تغليب الظن.
١٢٤٣- وكشف الغطاء في هذا عندنا وهو مما أراه سر هذه الأبواب ولم نسبق بإظهاره فنقول إذا صدر من الشارع كلام غير مقيد بسؤال ولا حكاية حال ولاح قصد التعميم من إجرائه الحكم الذي فيه العموم مقصودا [لكلامه] [فما] يقع كذلك فاللفظ في المتماثلات نص وليس من الظواهر والضابط فيه أنما لا يخلو عن ذكر المتكلم وعلمه وقت قوله واللفظ في الوضع يتناوله وقد لاح بانتفاء التقييدات وقرائن الأحوال قصد التعميم فلو تخيل متخيل قصر اللفظ على بعض المسميات المتماثلة لكان ذلك عندنا خلفا وتلبيسا وإنما يسوغ الخروج عن مقتضى اللفظ وضعا فيما يجوز تقدير ذهول المتكلم عنه وهذا في حكم التعميم بناء عظيم.
وتمام الغرض فيه بذكر معارض لذلك على المناقضة فنقول مستعينين بالله تعالى:
١٢٤٤- لو ظهر لنا خروج معنى عن قصد المتكلم وكان سياق الكلام يفضي إلى تنزيل غرض الشارع على قصد آخر فلست أرى التعلق بالعموم الذي ظهر فيه خروجه عن قصد الشارع وهو كقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر" ١ فالكلام مسوق لتعيين [العشر ونصف العشر فلو تعلق الحنفي بقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر"، ورام تعليق العشر بغير الأقوات فلسنا نراه متعلقا بظاهر فهذا طرف.
١٢٤٥- ولو نقل لفظ ولم يظهر فيه قصد التعميم ولا تنزيل الكلام على مقصود آخر فهذا هو الذي أراه ظاهرا وهو الذي يتطرق التخصيص إليه.
١٢٤٦- وقد رأى القاضي التعلق بالقسم الأول الذي أخرجته عن الظواهر على رأي المعممين ثم قال: هذا يعارضه أدنى مسلك في الظن ويتسلط عليه التأويل والتخصيص والرأي عندي فيه قد قدمته.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
والدليل عليه: أن الشارع إذا كان مقصوده بيان العشر ونصف العشر لو أخذ يفصل الأجناس وهو يبغي غيرها يعد ذلك تطويلا نازلا عن الوجه المختار في اللغة العالية فتقدير التعميم يشير إلى أنه [لو لم] يرد العموم لفصل الأجناس ولو فصلها لكان مائلا عن الوجه الأحسن في النظم.
وإذا تمهد هذا الأصل فالذي ذكره الأصحاب من أن علة الشارع لا تنقض محمول على تقدير ما قصد التعميم فيه نصا فليفهم الناظر ذلك وليقف عليه عند هذا وقفة باحث.
مسألة:
١٢٤٧- وإذا تعارض ظاهران وقد تطرق التخصيص إلى أحدهما فالمذهب الذي ذهب إليها المحققون أن الذي لم يتطرق إليه تخصيص مرجح.
فأما المعتزلة فإنهم قضوا بأن اللفظ الذي خص في بعض المسميات صار مجملا في الباقي ولا يعارض المجمل ظاهرا.
وأما أهل الحق وإن لم يحكموا بالإجمال فإنهم يرون تعميم اللفظ في الباقي أضعف في حكم الظن من اللفظ الذي لم يجر فيه تخصيص فإذا لاح وجه في غلبة الظن من منشأ ظهور الظاهر كان ذلك ترجيحا مقبولا.
مسألة:
١٢٤٨- إذا تعارض ظاهران أو نصان وأحدهما أقرب إلى احتياط فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأحوط مرجح على الثاني وزعموا أن الذي يقتضيه الورع وإتباع السلامة هذا واحتجوا بأن قالوا: اللائق بحكمة الشريعة ومحاسنها الاحتياط فإذا تعارض لفظان غلب على الظن أن الذي نقله صاحب الاحتياط صدق وكأن القواعد تغلب على الظن ذلك وتؤازر الرأي في ذلك.
١٢٤٩- وقال القاضي: لا مستروح إلى هذا ولا معنى للترجيح بالسلامة وما ذكره هؤلاء من شهادة الأصول وإثارتها تغليب الظن يعارضه أن العدل الذي نقل الثاني لا يتهم ولا يظن به العدول عن قاعدة الاحتياط إلا بثبت واختصاص بمزية حفظ.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقد يتخيل أن ما جاء به الأخر بناه على ما [رآه] من ظاهر الاحتياط وحمل عليه نظم لفظه من غير ثبت في النقل ثم قال القاضي: لا وجه للترجيح وإن انقدح ما ذكرناه آخر فيما لا يوافق الاحتياط انخرمت الشهادة كما ذكرناها أولا فالوجه التعارض.
مسالة:
١٢٥٠- إذا تعارض لفظان متضمن أحدهما النفي ومتضمن الثاني الإثبات فقد قال جمهور الفقهاء: الإثبات مقدم.
وهذا يحتاج إلى مزيد تفصيل عندنا: فإن كان الذي [نقله النافي] إثبات لفظ عن الرسول ﵇ مقتضاه النفي فلا يترجح [على ذلك] اللفظ الذي متضمنه الإثبات لأن كل واحد من الراويين متثبت فيما نقله.
وهو مثل أن ينقل أحدهما أن الرسول ﵇ أباح شيئا وينقل الثاني أنه قال لا يحل وكل ناف في قوله مثبت.
فأما إذا نقل أحدهما قولا أو فعلا ونقل الثاني أنه لم يقل ولم يفعل فالإثبات مقدم لأن الغفلة تتطرق إلى المصغي المستمع وإن كان محدا والذهول عن بعض ما يجري أقرب من تخيل شيء لم يجر له ذكر.
مسألة:
١٢٥١- إذا تعارض ظاهران أو نصان أحدهما يوافق المعروف المعتاد والآخر ما جرى به العرف فالقول في هذا كالقول في موافقة أحد المنقولين للاحتياط ومخالفة الآخر إياه وقد مضى فيه قول بالغ.
والمختار التعارض في المسألتين.
فهذا الذي ذكرناه كلام بالغ في ترجيح الألفاظ النصوص منها والظواهر ومن أحاط بها وأحكم أصولها لم يخف عليه مدرك الكلام فيما يرد عليه من أمثالها.
[ ٢ / ٢٠٤ ]