٥١٦- ذكر الأئمة ﵃ تقاسيم الأخبار وقالوا: إنها ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بصدقه، والثاني: ما يقطع بكذبه، والثالث: مالا يقطع فيه بواحد منهما.
٥١٧- فأما ما يقطع بصدقه فمنه ما يوافق المعقول ثم المعقول ينقسم إلى ضروري مهجوم عليه وإلى نظري يوصل إليه صحيح النظر فأما الخبر عن الضروري فكقول القائل الضدان لا يجتمعان وكإخبار المخبر عن المحسوسات ونحوها من البدائه وأما الخبر عن النظري فكقول القائل العالم حادث مفتقر إلى صانع مختار إلى غير ذلك.
٥١٨- ومما يتخالج في الصدر من هذا القسم أن المعترض قد يعترض فيقول خير المخبر في الفنون التي ذكرتموها ليس مقتضيا صدقا وإنما السبيل المفضى إلى درك.
[ ١ / ٢٢٢ ]
المخبر به نظر العقول في ضرورتها والأمر في ذلك قريب فإن الغرض منه عد ما يوصف بالصدق من الأخبار وما ذكرنا بهذه الصفة ومما يحكم بصدقه ما يقتضي اطراد العادة موافقته وهو الخبر المتواتر الذي سبق وصفه ووضح أن تلقى الصدق منه مستند إلى مستقر العادة والقرائن العرفية.
٥١٩- وذكر الأستاذ أبو إسحاق ﵀ قسما آخر بين التواتر والمنقول آحادا وسماه المستفيض وزعم أنه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة ومثل ذلك المستفيض وما يتفق عليه أئمة الحديث.
وهذا الذي ذكره مردود عليه فإن العرف واطراد الاعتياد لا يقضي بالصدق فيه ولا نرى وجها في النظر يؤدي إلى القطع بالصدق نعم ما ذكره مما يغلب على الظن الصدق فيه فأما أن يفضي إلى العلم به فلا.
٥٢٠- وقال الأستاذ أبو بكر [بن فورك ﵀]: الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصدقه وفصل ذلك في بعض مصنفاته فقال إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا حكم بصدقه.
٥٢١- قال القاضي: لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا فإن تصحيح الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر فإذا استجمع خبر من ظاهره عدالة الراوي وثبوت الثقة به وغيرها مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة ولا وجه إذا للقطع بالصدق والحالة هذه.
ثم قيل للقاضي: لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول؟ فقال مجيبا: لا يتصور هذا فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل.
٥٢٢- ومن أقسام الصدق مدلول المعجزة والتحق به صدق النبي وصدق كل من صدقه النبي ﵇.
٥٢٣- فأما القسم الثاني من الأقسام الثلاثة [فهو] ما يقطع بكونه كذبا وهو [متنوع فمنه ما يخالف المعقول ضرورة أو نظرا وهو مناقض لما يوافق المعقول] في القسم الأول.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ومنه ما يجري على وجه يكذبه حكم العادة وهذا يتفنن فنونا منها:
أن يخبر آحاد بوقوع حادثة عظيمة حكم العادة فيها أن تشيع لو وقعت فإذا لم تشع تبين كذب المخبرين وهي كإخبار أقوام من الآحاد عن مقتلة هلك فيها أمم في البلدة على قرب من العهد وكالإخبار عن دخول ملك صقعا فهذا وما في معناه حكم العرف فيه الشيوع وهذا من الأصول العظيمة التي تستند إليها أمور خطيرة وتتوجه فيها غائلة هائلة ونحن نعددها ونأتي بمجامعها إن شاء الله تعالى.
٥٢٤- فمما نبينه على ذلك إيضاح بهت الروافض في ادعاء النص على علي كرم الله وجهه في الإمامة فإن هذا لو كان لما خفي عن أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به المرأة على مغزلها ولأبداه مخالف أو موالف وبهذا المسلك يتبين بطلان قول من يقول إن القرآن الكريم قد عورض فإن ذلك لو جرى لما خفي وبه يتبين فساد قول العيسوية إذ قالوا في التوراة إن موسى آخر مبعوث فإن ذلك لو كان لذكره أحبار اليهود في زمن رسول الله ﷺ ولما أبدوا عنه معدلا إلى تحريف [نعت] رسول الله ﵇ وتبديل الأقرن بالأبلج والأدهم بالأشقر إلى غير ذلك من تحريفاتهم.
٥٢٥- والقول الواضح في ذلك أن مسلك العلم بصدق الخبر المتواتر على ما سبق وصفه أن المخبرين لا يتواطئون عند زوال القرائن الضابطة والإيالات الحاملة على التواطؤ ويئول مستند القول إلى مطرد العرف وهذا المسلك بعينه مطرد في شيوع الفنون التي ذكرناها.
٥٢٦- ثم ما يقضى العرف فيه بالشيوع ينقسم فمنه ما يثبت على الشيوع عند الوقوع وينقله المخبرون تواترا زمنا ثم [يتناقص] اهتمام النقلة بنقله حتى ينتهي إلى نقل الآحاد وقد يفضى طول الأمد إلى دروسه ومنه ما يتمادى زمان التواتر فيه إذا قامت في النفوس دواعي نقله.
والقسم الأول يمثل بدخول ملك بلدة أو ما ضاهاها والقسم الثاني يمثل بالأمور الدينية فإن همم أصحاب الدين متوفرة على نقل الجليات فيه فإن وهي فبالحري أن يتداعى إلى الأخبار الدينية الدروس.
٥٢٧- ومما يتعلق بذلك أن الجمع العظيم إذ تواطئوا على الكذب لأمر إيالي فإن كذبهم يستبين على ممر الزمان في [حكم] العرف وينكشف الغطاء فيه على قرب.
[ ١ / ٢٢٤ ]
٥٢٨- فهذه الأصول مهدناها وبينا ما يستند من أمور الدين إليها ونحن نوجه الآن أسئلة يتعين الاعتناء بالبحث عنها ونذكرها أولا ثم نتعقبها بالكلام عليها إن شاء الله.
٥٢٩- فمنها: أن حجة الوداع كانت من أظهر الوقائع وقد اختلف الرواة في حج رسول الله ﷺ فنقل طائفة أنه أفرد ونقل اخرون أنه قرن.
ومنها: أن انشقاق القمر كان من أعظم الآيات ثم لم يثبت النقل فيه تواترا على أنه أمر ديني.
ومنها: وهو أعوصها إفراد الإقامة وتثنيتها فإن بلالا كان يقيم بعد الهجرة إلى انقلاب رسول الله ﷺ إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس مرات ثم اختلف النقلة فيه وغاية بعض العلماء أن يثبت ظهور رواياتهم ومحل الإشكال أنه كيف لم ينقل تواترا؟
٥٣٠- فهذه الأسئلة يتعين الاعتناء بالانفصال عنها وتنزيلها محالها:
فأما إحرام رسول الله ﵇ فسبب التردد في نقله أنه ﷺ كان على تردد في أمره وقيل: إنه مطلقا ينتظر الوحي فنزل عليه جبريل أن يجعله حجا هكذا رواه جابر بن عبد الله وهو أحسن الرواة سياقا للرواية وهذا إلى علم الصحابة بأن الإفراد والقرآن جميعا مسوغان ولا يبعد في حكم العادة عدم الاعتناء بالأفضل والأكمل ولا يمتنع أن يلتحق بما ذكرناه في أثناء الكلام وهو ما يقتضى العرف إشاعته أولا مع إفضاء الأمر إلى الدروس على [قرب] وليس هذا ببعيد في السبر.
وبالجملة ما ذكرناه من حكم الشيوع متلقى من ضرورات العقول فليس فيه مراء فإن عورضنا بواقعة وجهل السائل فيها جريانها على خلاف الأصل الممهد لم يقبل ذلك منه قطعا واعتقد في الواقعة خروجها عن حكم القاعدة ومباينتها لها في وجه ثم الخيرة إلينا أن أحببنا اقتصدنا على إجمال ذلك وإن أحببنا تكلفنا محملا يقتضي الخروج عن حكم العرف ولا سبيل إلى تشكيك الأنفس في [الضروريات] بسبب تخييلات وإلزامات.
٥٣١- فأما انشقاق القمر فذهب بعض علماء الإسلام إلى أن معنى قوله تعالى:
[ ١ / ٢٢٥ ]
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ١ أنه سينشق عند قيام الساعة وشهد لذلك ذكره مقترنا باقتراب الساعة والشيء إذا تناهى قربه يقام الماضي فيه مقام المستقبل قال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ٢ معناه سيأتي أمر الله وقد مال الحليمي٣ إلى هذا المذهب ويمكن أن يقال انشقاق القمر آية ليلية لعله جرى والخلق نيام والمتيقظون في أكنان لا يترقبون القمر وإن لحظة لاحظ وفاقا فغير بدع أن [يحمله] على تشعب في أشعة البصر وانعراج عن الاستداد فهذا وجه التكلف فيه فإن وقع الانشقاق فلا محل لعدم الشيوع فيه إلا ما ذكرناه والتعويل على ما سبق من أن الأمر الضروري لا تخرمه التخييلات.
٥٣٢- وأما أمر الإقامة وهو من أغمض الأسئلة فإنها من الشعائر الجلية المتكررة فلم ينقدح عند القاضي وجه في عدم الشيوع إلا أنه قال لعله كان يثنى مرة ويفرد أخرى فلم يشع واحد منهما وهذا قد يعترض عليه وجوب الشيوع في أن بلالا ﵁ كان يفعل تارة هكذا وتارة هكذا ثم المعتمد عندي [في ذلك] أن الصحابة ﵃ هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالإشاعة فإذا أشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا تنضم إليه بدع ثارت مع [تواتر] من أصحاب سلطنة واقتهار فإنه جرى من آخر أيام على كرم الله وجهه إلى قريب من مائة سنة دواه تشيب النواصي واستجرأ على تغيير ما كان منوطا بالأمراء وكانت الجماعة وإقامة شعائرها من أهم ما يهتم به الأمراء فلعل الشيوع على حكم العادة كان قد أثبت ثم ألهى الناس عنه ما أحدثه النابغون وحقنا أن نحكم الأصول فيما نأتي ونذر ولا نسلك بمسلك الحقائق ذبا عن مذهب.
٥٣٣- فإن زعم زاعمون أن ما ذكرتموه يتوجه في النص على علي ﵁ قلنا: لو كان لظهر يوم السقيفة فإن خلافة أبي بكر ﵁ ما كانت أيدت بشوكة قاهرة وإنما كان الأمر فوضى وهذا واضح وأيضا فإن [أمر] الولايات من أخطر الأشياء في العادات ولا تتشوف النفوس لنقل شيء تشوفها إلى ما يتعلق بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتتهالك النفوس في الملاحم وهذا مطرد في أحكام العادات وفي عرف أهل الديانات والولايات.
_________________
(١) ١ آية "١" سورة القمر. ٢ آية "١" سورة النحل. ٣ سبقت ترجمته.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وأما الإقامة فشعار مسنون ليس بالعظيم الوقع في العرف والشرع وقد يمر بالناس أيام لو روجعوا عن كيفية الإقامات في الجماعات لم يذكروها.
٥٣٤- ومما يلزم من هذا الفن اضطراب الرواة في أن رسول الله ﷺ فتح مكة عنوة وصلحا وهذا قريب [فإن أصل] دخوله ﵇ مع أكمل العدد والعدد منقول متواترا ولا شك أنه ﵇ لم يلق قتالا والأمر وراء ذلك تقديرات تختبط فيها النقلة فلم يلزم مع تمادى الأمر وطول الزمن استمرار حكم الشيوع فيها.
وقد نجز ما حاولناه في هذا القسم إذ قلنا: كل خبر يخالفه حكم العرف فهو كذب.
٥٣٥- ومما [نذكره] من أقسام الكذب أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة فيقطع بكذبه وهذا مفصل عندي:
فأقول: إن تنبأ متنبئ وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهو كاذب فإن مساقه مفض إلى تكليف ما لا يطاق وهو الأمر [بالعلم] بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما كلف الخلق اتباعي ولكن أوحى إلى فلا يقطع بكذبه.
٥٣٦- فإن قيل: من أصلكم القول بالكرامات الخارقة للعادات فإذا أخبر المخبر أن جبلا يقلع له من أصله فهذا إخبار يخالف حكم العرف والعادة ويلزم منه أن يقال: أخبرنا مخبر ونحن في كن أن الجبل المظل القريب منا قد يقلع الآن ينبغي أن يجوز صدقه الآن حملا على الكرامة وهذا يهدم أحكام العرف وما يتلقى [منه] .
قلنا: هذا مما نستخير الله فيه فلا وجه للتشكيك في كذب هذا المخبر وإنما تجوز الكرامات وقوعا عند عموم انخراق العادات ومصير الأمر إلى حالة لا يستبعد أهل العادة صدق المخبر فيما يخبر عنه فلينعم المنتهى إلى هذا الفصل نظره وليتدبر غائلته بالبدل.
٥٣٧- فأما القسم الثالث: فهو الذي لا يقطع فيه بالصدق ولا الكذب وهو الذي نقله الاحاد من غير أن يقترن بالنقل قرينة تقتضي الصدق أو الكذب.
[ ١ / ٢٢٧ ]
على ما سبقت الإشارة إلى القرائن فهذا الصنف لا يفضى إلى العلم بصدق المخبر [ولا] يقطع بكذبه أيضا.
ونحن نستعين بالله ونستفتح الآن القول في أخبار الآحاد والله الموفق للسداد أخبار الآحاد.
مسألة:
٥٣٨- ما ذهب إليه علماء الشريعة ومفتوها وجوب العمل عند ورود خبر الواحد على الشرائط التي سنصفها ثم أطلق الفقهاء القول: بأن خر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل [منهم] والمقطوع به: أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد فإن ما هو مظنون في نفسه يستحيل أن يقتضي علما مبتوتا فالعمل بخبر الواحد مستند إلى الأدلة التي سنقيمها على وجوب العمل عند خبر الواحد وهذا تناقش في اللفظ ولست أشك أن أحدا من المحققين لا ينكر ما ذكرناه.
وذهب طوائف من الروافض إلى أن خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل وهؤلاء أنكروا الإجماع إذا لم يكن في المجمعين قول الإمام القائم في هذيان طويل. وقد مال إلى ذلك بعض المعتزلة.
٥٣٩- ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد: فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به [وذهب] الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات العقل ثم افترق هؤلاء من وجه آخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به وقال اخرون: لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف وقد أكثر الأصوليون وطولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين.
٥٤٠- والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول ﵇ كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله ﵇ على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا.
[ ١ / ٢٢٨ ]
به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر ولا يدفع المتواتر إلا مباهت فهذا أحد المسلكين.
والمسلك الثاني: مستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار رسول الله ﷺ وكانوا يبتدرون التعويل على نقل الأثبات والثقات بلا اختلاف فإن فرض مزاع بينهم فهو آيل إلى انقسامهم قسمين: فمنهم من كان يتناهى في البحث عن العدالة [الباطنة] ولا يقنع بتعديل العلانية وربما كان يضم إلى استقصائه تحليف الراوي ومنهم من كان لا يغلو في البحث فأما اشتراط التواتر فعلى اضطرار نعلم أنهم [ما كانوا] يرونه فإن أنكر منكر الإجماع فسيأتي إثباته على منكريه في أول كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى فهذا هو المعتمد في إثبات العلم بخبر الواحد.
٥٤١- وأما الرد على من يزعم أن تكليف العمل [بخبر الواحد] يستحيل في العقل فهين فقد تكرر مرارا أن إطلاق الاستحالة يتردد بين أن يستحيل وقوعه وجودا كاستحالة اجتماع الضدين ونحوها وهذا ساقط فإن تقدير اتباع العمل عند اتفاق أمر يغلب على الظن غير مستحيل قطعا والواحد منا يكتسبه في حق مأموره وعبده والمحالات يستحيل تقدير وقوعها شاهدا وغائبا فهذا قسم.
وقد نقول: ليس يستحيل تقدير وقوعه استحالة اجتماع الضدين ولكن يستحيل وقوعه لما فيه من استفساد الخلق وهذا ينجر الآن إلى الصلاح والأصلح والاستفساد والاستصلاح وكل ذلك مرتب على التقبيح والتحسين العقليين وقد سبق القول فيهما في صدر هذا المجموع.
٥٤٢- على أنا [إن] رمنا انتقالا عن هذه المحاجة فليس يتجه لهم ادعاء نقيض الاستصلاح فإنه لا يمتنع في العقل أن يقع في علم الله تعالى أن الخلق لو كلفوا اتباع غلبات الظنون لصلحوا ولو تركوا سدى إلى وجدان اليقين لفسدوا أو كادوا فقد بطل جميع ما ذكروه وإذا تقرر الجواز عقلا وقد قامت الدلالة السمعية كما تقدم ذكره لم يبق مضطرب يلوذ الخصم به.
فإن قيل: ليس في العقل ما يوجب العمل بخبر الواحد وليس في كتاب الله تعالى ناص عليه ولا مطمع في التواتر والإجماع مع قيام النزاع ويستحيل أن يثبت.
[ ١ / ٢٢٩ ]
خبر الواحد بخبر الواحد وإذا انحسم المسلك العقلي والسمعي فقد حصل الغرض.
قلنا: بنيتم كلامكم على أمرين أنتم منازعون فيهما أحدهما أنكم قلتم لم يستند العمل بخبر الواحد إلى التواتر وقد أوضحنا استناده إليه والثاني أنا نقلنا إجماع الصحابة ﵃ على العمل بخبر الواحد فقولكم: أن لا إجماع خطأ ونحن تمسكنا بإجماع سابق على مسائل الخلاف وإن تمسكوا بأن في إيجاب العمل [بخبر الواحد] ادعاء العلم بوجوبه بخبر الواحد فقد تكلمنا عليه وبينا القول فيه فهذا لباب المسألة ومقصودها المنتخل المحصل.
٥٤٣- ولكنا نذكر وراء ذلك عيونا من شبهات المخالفين حتى يشتمل الكلام على المسلك الحق واستيعاب جماهير وجوه القول استدلالا وسؤالا وانفصالا وقد يستدلون بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١ والمخبر الذي ليس معصموما عن الخطأ وإمكان [تعمد] الكذب [لا] يتضمن خبره علما فهو بحكم [القرآن] مما لا يجوز اقتفاؤه واحتذاؤه وهذا مما لا يسوغ التمسك به فإن مضمون الآية النهي عن اقتفاء الظنون من غير ضبط متأيد بمراسم الشارع وليس الغرض الإضراب عن كل ما ليس معلوما فالمقصود إذا النهي عن المجازفة في الظنون ثم غاية المتمسك بالآية أن يسلم له عموم معرض للتأويل ولا يجوز التعلق بالظواهر فيما يبتغي القطع فيه فالجواب الحق أن المتبع هو الدليل القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد وقد قدمنا ما فيه مقنع في ذلك وذلك الدليل هو المقتفى لا الخبر وفيه غنية وقد تقرر هذا مرارا.
٥٤٤- وربما يعودون إلى استبعاد تعليق الأمور الخطيرة بأقوال مخبرين لا يمنع أن يعتمدوا الكذب أو يزلوا من غير قصد.
فإذا روى واحد ظاهر العدالة خبرا مقتضاه سفك دم فالاستمرار على حقن الدم وانتظار قاطع فيه أغلب على الظن وأرجح في مسلكه وقد تكلمنا على ذلك وأوضحنا أن المعتمد هو الخبر المتواتر من سيرة رسول الله ﷺ أو إجماع الأمة وهما يفيدان العلم على قطع ثم ما ذكروه منقوض عليهم بشهادة الشهود في تفاصيل القضاء فإن الأمور الخطيرة تربط بها وإن كانت لا تفضي إلى القطع وهي متلقاة.
_________________
(١) ١ آية "٣٦" سورة الأسراء.
[ ١ / ٢٣٠ ]
بالقبول وكذلك قول المفتى مقبول وإن كان متعرضا لما ذكروه في مضطرب الأوهام فقد سقط معلوهم فإن اعتذروا عن الشهادات والفتوى وزعموا أنها مستندة إلى الإجماع فهذا قولنا في خبر الواحد.
مسألة:
٥٤٥- ذهبت الحشوية١ من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب.
فنقول لهؤلاء أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطئ فإن قالوا لا كان ذلك بهتا وهتكا وخرقا لحجاب الهيبة ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه.
والقول [القريب] فيه أن قد زل من الرواة والأثبات جمع لا يعدون كثرة ولو لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته والأمر بخلاف ما تخيلوه.
فإذا تبين إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال ثم هذا في العدل في علم الله تعالى ونحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع.
مسألة:
٥٤٦- ذهب الجبائي٢ إلى أن خبر الواحد لا يقبل بل لا بد من العدد وأقله اثنان وهذا الذي قاله غير متلقى من مسالك العقول فإنها لا تفرق بين الواحد والاثنين وإمكان الخطأ يتطرق إلى اثنين تطرقه إلى الواحد فيتعين عليه أن يسند مذهبه هذا إلى سبيل قطعي سمعي وهو لا يجده أبدا.
٥٤٧- وما ذكرناه من [التمسك] بكتب الرسول ﵇ ورسله يجري عليه فإنه كان لا يتكلف جمع رسولين إلى كل صوب بل كان يبعثهم ويحملهم نقل الشريعة على ما تقتضيه الأحوال مفردين ومقترنين وهذا بين.
وكذلك مسلك الإجماع فإنا نعلم قطعا أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يعملون في الوقائع بالأخبار التي ترويها الاحاد من جملة الصحابة ولا نستريب أنه لو
_________________
(١) ١ تقدمت. ٢ سبقت ترجمته.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقعت واقعة واعتاص مدرك حكمها فروى الصديق ﵁ فيها خبرا عن الصادق المصدوق ﵇ لابتدروا العمل به ومن ادعى أن جملة الأخبار التي استدل بها أصحاب رسول الله ﷺ في أحكام الوقائع رواها أعداد فقد باهت وعاند وخالف ما المعلوم الضروري بخلافه.
٥٤٨- فإن قيل: أليس كان على يستظهر برواية العدد؟ وروى أن أبا موسى١ الأشعري لما استأذن على عمر٢ ولم يأذن له انصرف ورده عمر وعاتبه في انصرافه وقال هلا وقفت فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول٣: "الاستئذان ثلاثة فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا "، فقال: إن جئت بمن يشهد لك وإلا أوجعت طهرك ضربا فجاء بأبي سعيد٤ الخدري فشهد له.
ولما التبس على أصحاب رسول الله ﷺ أمر الجدة في الميراث [قال] المغيرة٥ بن شعبة: "أشهد أن رسول الله ﵇ أطعم الجدة السدس"٦ قال أبو بكر٧: لا، أو تأتي بمن يشهد لك: فكان ذلك من أبي بكر اشتراط عدد في الرواة.
٥٤٩- قلنا: أما على كرم الله وجهه فلم ينقل عنه اشتراط العدد ولكنه كان يحلف بعض الرواة وهذا رأى انفرد به استظهارا وأما ما جرى للصديق والفاروق ﵄ فمحمول على الاستظهار لريبة معترضة وأحوال مقتضية
_________________
(١) ١ أبو موسى الأشعري هو: عبد الله بن قيس بن سليم، وكان ﵁ قارئا صيتا، وكان النبي ﷺ يكرمه ويجله، وولاه الولايات. مات سنة "٤٤". له ترجمة في: أسد الغابة ٦/٣٠٦، والإصابة ٢/٣١٥، والنجوم الزاهرة ١/١٩٢. ٢ سبقت ترجمته. ٣ مسلم في: الأدب ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧" والترمذي "٢٦٩٠". ٤ أبو سعيد بن مالك بن سنان الخزرجي كان من مشهوري الصحابة وفضلائهم المكثرين في الرواية وكان معدودا في أهل الصفة، مؤثرا للفقراء، محالفا للصبر. مات سنة "٧٤". له ترجمة في: أسد الغابة ٦/١٤٢، وتاريخ بغداد ١/١٨٠، والنجوم الزاهرة ١/١٩٢. ٥ المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي الكوفي أبو عبد الله. اسلم عام الخندق، وشهد ما بعدها، وكان من أعيان الصحابة يضرب بريه ودهائه الأمثال. مات سنة "٥٠" أو "٥١". له ترجمة في: الرياض المستطابة ص "٢٥٣-٢٥٤". ٦ الترمذي في الفرائض "١٠"، وابن ماجه في الفرائض "٤"، ومالك في الفرائض "٤"، وأحمد ٥/٢٧، ٧ أبو بكر هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو القرشي التيمي، كان أول من أسلم من الرجال، وثبت له أفضل الفضائل بصحبة الهجرة، بويع له بعد وفاة النبي صلى الله عيه وسلم، وكانت بيعته إجماعا. مات سنة "١٣". له ترجمة في: أسد الغابة ٣/٣٠٩، وشذرات الذهب ١/٢٧، ومروج الذهب ٢/٣٠٥.
[ ١ / ٢٣٢ ]
مزيد تغليب على الظن وهذا جرى منهم على شذوذ وندور كدأب القضاة في بعض الحكومات إذا استدعوا مزيدا على الأعداد المرعية في البينات فمن ادعى أن ذلك كان أصلا عاما في جميع الروايات والرواة فقد ادعى نكرا وقال هجرا.
ثم ما ذكره يؤدي إلى رد معظم الأحاديث إذا تطاولت العصور وتناسخت الأزمان والدهور فإنه شرط في النقل عن كل راو وراويين والأعداد إذا تضاعفت أربت عند طول الأعصار على عدد التواتر.
وهذا منتهى القول في العدد والكلام في بقية الكتاب يتعلق بفصول فصل في صفة الرواة وفصل مشتمل على التعديل والجرح وفصل في الإسناد والإرسال وآخر في كيفية التحمل وآخر في كيفية الرواية.
[ ١ / ٢٣٣ ]