٥٥٠- العقل والإسلام١ والعدالة٢ معتبرة وأصحاب أبي حنيفة٣ وإن قبلوا شهادة الفاسق لم يجسروا أن يبوحوا بقبول رواية الفاسق فإن قال به [قائل] فقوله مسبوق بإجماع من مضى على مخالفته.
٥٥١- فأما البلوغ فقد اختلف الأصوليون في اشتراطه وتردد الفقهاء في ذلك أيضا وعليه بنوا اختلافهم المشهور في قبول قوله في رؤية الهلال والقاضي يرى رد روايته وهو المختار عندنا.
والدليل عليه أن أصحاب رسول الله ﷺ ما راجعوا الصبيان الذين كانوا يخالطون رسول الله ﵇ ويلجون على ستوره مع مسيس حاجتهم إلى من يخبرهم عن دقائق أحوال رسول الله ﷺ وراء الحجب فلم يؤثر عن أحد من الحكام والمفتين.
_________________
(١) ١ فلا تقبل رواية الكافر بالإجماع سواء أعلم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لم يعلم، ولا يعقل أن تقبل روايته؛ لأن في قبولها تنفيذا لقوله على المسلمين، وكيف، تقبل رواية من يكيد للإسلام. "أصول الحديث" ص"٢٣٠". ٢ هي صفة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، فتحصل ثقة النفس بصدقه، ويعتبر فيها اجتناب الكبائر وبعض الصغائر كتطفيف حبة، وسرقة لقمة، واجتناب المباحات القادحة في المروءة كالأكل في الطريق، والبول في الشوارع، وصحبة الأرذال، والإفراط في المزاح. "أصول الحديث" ص "٢٣١، ٢٣٢. ٣ سبقت ترجمته.
[ ١ / ٢٣٣ ]
إسناد حكمه في قضية إلى رواية صبي والذين اعتنوا [بجمع] الروايات وتأليف المسندات لم ينقلوا عن صبي أصلا والذي يعضد الطريقة أن معولنا في إثبات العمل بأخبار الاحاد إرسال رسول الله ﷺ كتبه ورسله وبعثه ولاته وإجماع الصحابة ولا مأخذ سوى هذين:
فأما المأخذ الأول: فلم يبعث ﵇ رسولا صبيا ولم يحمله أداء بيان حكم الشريعة وأما الإجماع: فعلى ما سبق تقريره وليس في العقول ما يرشد إلى القبول والرد.
٥٥٢- ثم ذكر القاضي طريقة لطيفة فقال: الصبي إن كان غير متكامل التمييز فلا شك في ردهم روايته وإن كان مميزا فقد بلغه أنه غير مؤاخذ بالكذب ولا يزعه عن الهجوم عليه وازع وهذه الصفة منه تؤمنه عن اللائمة ومحذور المعتبة [فبالحري] أن يجريه على الخلف وفي النفوس على الجملة صغو بين إلى التحريف ونقل الأعاجيب فإذا الصبا أولى بأن ينتهض ردا للرواية من الفسق وما ذكرناه يغنى عن التمسك برد أقاريره وألفاظ عقوده فإن هذا من القياس الفقهي فلا يثمر قطعا.
ونحن نرى القطع برد روايته وفي كلام القاضي في بعض مصنفاته تشبيب بإلحاق هذه المسألة بالمظنونات وهذا ظاهر رأى الفقهاء والذي نراه القطع بالرد كما تقدم.
مسألة:
في رواية المستور الذي لم يظهر منه نقيض العدالة ولم يتفق البحث الباطن عن عدالته١.
٥٥٣- تردد المحدثون [في روايته] والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته وهو المقطوع به عندنا.
والمعتمد فيه الرجوع إلى اجماع الصحابة فإنا نعلم منهم بمسلك الاستفاضة والتواتر أنهم كانوا لا يقبلون روايات المجان والفسقة وأصحاب الخلاعة ولو
_________________
(١) ١ يعني: لم ينقل فيه جرح ولا تعديل. ثم إذا نقل فيه جرح أو تعديل، ولم يترجح أحدهما على الآخر فهو أيضا مستور.
[ ١ / ٢٣٤ ]
ناداهم إنسان برواية لا يبتدروا العمل [بروايته ما لم يبحثوا عن حالته ويطلعوا على باطن عدالته ومن ظن أنهم كانوا يعملون] برواية كل مجهول الحال فقد ظن محالا وظهور ذلك مغن عن [تقريره] وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية بإجماعهم [فإن لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور لم نجد متعلقا نتمسك به في قبول روايته] فكيف وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في المجهول المستور الحال؟
٥٥٤- والذي أوثره في هذه المسألة ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها بل يقال رواية العدل مقبولة ورواية الفاسق مردودة ورواية المستور موقوفة إلى استبانة حالته ولو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي وهذا هو المعلوم من عادتهم وشيمهم وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية وإنما هو توقف في الأمر فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز وهو في معنى الحظر فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة وهي التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استتبابها فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك.
٥٥٥- ولو فرض فارض التباس حال الراوي واليأس من البحث عنها بأن يروي مجهول ثم يدخل في غمار الناس ويعسر العثور عليه فهذه مسألة اجتهادية عندي والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهية.
٥٥٦- فإن قيل: أليس روى أن أعرابيا شهد عند رسول الله ﷺ على رؤية الهلال فأمر النبي ﵇ بالصيام ولم يبحث عن حال الأعرابي قلنا: لعله علمه وأحاط به علما فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض الاحتمالات فيه والمطلوب القطع.
٥٥٧- فإن قالوا: الأصل نقيض الفسق فليطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق قلنا: هذه دعوى عرية عن البرهان وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب فإنا نقول: الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ومن يخالف يزعم أن الرد منوط بظهور الفسق وعلى الجملة لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة فكل تفصيل رجع إلى الأصل فهو جار على السبيل المطلوب وكل ما لم نجد مستندا فيه ومتعلقه تخييل ظن فهو.
[ ١ / ٢٣٥ ]
مطرح والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة وقد قررنا سبيله فما ذكروه ليس قادحا فيه فلا يحتفل به.
٥٥٨- فإن قيل: ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن [بآحاد] المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك وإذا رددنا رواية المستور كان ذلك منافيا لتحسين الظن به قلنا هذا من الطراز الأول فلا احتفال به.
على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن فهذا فائدة تحسين الظن فأما أن يقال: [نبتدر] إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية بناء على تحسين الظن فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل والله الموفق.
[ ١ / ٢٣٦ ]