مسألة:
٦٠٠- ما ذهب إليه معظم الأصوليين أن رواية الخبر على المعنى من غير اعتناء باللفظ جائزة إذا كان الراوي المترجم عنه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه وامتنع من ذلك معظم المحدثين وشرذمة من الأصوليين.
٦٠١- والدليل على الجواز مع القطع وانتفاء الريب أمور:.
منها أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينقلون معنى واحدا في قصة واحدة بألفاظ مختلفة ولا محمل لذلك إلا اعتناؤهم بنقل المعنى وها قاطع في فنه ومما تواتر عنهم في ذلك أنهم كانوا يرددون العبارات في محاولة إفهام من لا يفهم وهذا بعينه تعرض للمعنى ومما يشهد له في ذلك أن الرسول ﵇ كان يحمل رسله تبليغ أوامره ونواهيه ولا يكلفهم حفظ ألفاظه ومن جحد ذلك فهو مباهت فكان أصحابه ﵃ يصرفون عنايتهم إلى الألفاظ التي يفهمون أنهم متعبدون بتحفظها كألفاظ التشهد وغيرها وكانوا لا يجرون جميع ما يسمعون من أوامر رسول الله ﷺ هذا المجرى.
والذي يحقق ذلك أنا على قطع نعلم أن الرسول ﵇ كان يقصد أن.
[ ١ / ٢٥٢ ]
تمتثل أوامره وكان لا يبغى من ألفاظه غير ذلك.
والذي يوضح ما قدمناه أنه ﵇ كان مبتعثا إلى العرب والعجم ولا يتأتى إيصال معنى أوامره إلى معظم خليقة الله ﷾ إلا بالترجمة ومن أحاط بمواقع الكلام عرف أن إحلال الألفاظ من ثقة محل الألفاظ أقرب إلى الاقتصاد من نقل المعاني من لغة إلى لغة.
فإن استدل من منع ذلك بما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال١: "نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها"، قلنا: هذا أولا من أخبار الاحاد ونحن نحاول الخوض في مخاض القطعيات وقد قال بعض المحققين من أدَّى المعنى على وجهه فقد وعى وأدى والتأويل الصحيح لو رمنا الكلام على الحديث أنه ﷺ أراد بذلك من لا يستقل بفهم المعنى على القطع وتتميم الحديث شاهد فيه فإنه عليه لسلام قال في آخره: "فرب حامل فقه غير فقيه [ورب] حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، فيشهد مساق الكلام على أن ما قاله فيه إذا كان يتوقع من الناقل زللا ولو ترجم.
مسألة:
٦٠٢- من سمع حديثا مشتملا على أحكام فهل له أن ينقل بعضها دون بعض بقدر مسيس الحاجة ولا يسوق الحديث على وجهه؟ اختلف العلماء في ذلك فمنع بعضهم الاقتصار على بعض الحديث وهذا قريب من التزام نقل اللفظ على وجهه وأجاز ذلك اخرون.
٦٠٣- والمرضى [عندنا] التفصيل فإن كان ما سكت الراوي عنه حكما يتميز عما نقله ولم يكن للمسكوت عنه تعلق بالمنقول وكان لا يختل البيان في المروى بترك بعض الحديث فيجوز تخصيص البعض بالنقل على هذا الشرط وإن كان يختل البيان في القدر المنقول بسبب ترك المسكوت عنه فهذا إخلال في النقل ممتنع.
٦٠٤- وقد تردد كلام الشافعي على خبرين ونحن نذكر سياق كلامه فيهما وبه يتم غرض المسألة قال الشافعي ﵀: نقل بعض النقلة عن ابن مسعود٢:
_________________
(١) ١ الترمذي "٢٦٥٨"، وابن ماجه "٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٦، ٣٠٥٦"، وأحمد ٤/٨٠، والطبراني ١٧/٤٩. ٢ ابن مسعود هو: عبد الله بن مسعود بن غافلة الهذلي نسبا الزهري حلفا الكوفي موثلا. كان من أهل السوابق، وكان سادسا أو في الإسلام، هاجر قديما إلى الحبشة، وشهد المشاهد كلها مات سنة "٣٢" أو "٣٣" له ترجمة في: أسد الغابة ٣/٣٨٤، والإصابة ٢/٣٦٠، وشذرات الذهب ١/٣٨، والنجوم الزاهرة ١/٨٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
أنه أتى رسول الله ﷺ بحجرين وروثة ليستنجي بها فرمى رسول الله ﷺ الروثة [وقال: "إنها رجس" ١ وروى بعض الرواة أنه رمى بالروثة] ثم قال ابغ لي ثالثا والسكون عن ذكر الثالث ليس يخل بنقل الرواية وبيان [أنها] رجس ولكن قد يوهم النقل على هذا الوجه جواز الاكتفاء بحجرين فلا يجوز مع هذا الإيهام الاقتصار على بعض الحديث ويحمل رواية المقتصر على أنه لم يبلغه غير ما رواه.
- ٦٠٥والذي أختاره في هذا المسلك أن الراوي إن قصد إثبات منع استعمال الروث ونقل ما يدل على ذلك من رمى رسول الله ﷺ الروثة وحكمه بأنها نجسة فهذا سائغ غير بعيد وإن لم يعلق روايته بقصده منع استعمال الروثة ولكنه استفتح الرواية غير متعلقة بغرض معين فلا يسوغ الاقتصار على ذكر رمى الروثة فإن ذلك يوهم جواز الاكتفاء بحجرين كما ذكر الشافعي [فهذا أحد الخبرين] .
٦٠٦- والخبر الثاني في هذا القبيل: حديث ماعز٢ في الرجم في مقابلة ما روى أن رسول الله ﷺ قال٣: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
قال الشافعي ﵀: هذا منسوخ بحديث ماعز فإن رسول الله ﷺ أمر برجمه ولم ينقل أنه جلده ثم استوفى الشافعي الكلام في صيغة الأجوبة عن أسئلة وجهها على ما نسوقها على وجهها قال فإن قيل لعله جلده ورجمه قيل له كانت قصة مشهورة من مشاهير القصص ولو جلد لنقل.
فإن قيل: رب تفصيل في القصة لا يتفق نقله ودواعي النفوس إنما تتوفر على نقل كليات الأقاصيص وقد صح في الحديث المقدم التصريح بالجلد فلا يعارضه التعلق بعدم النقل في حديث مع اتجاه وجه ترك النقل فيه.
_________________
(١) ١ البخاري في: الوضوء "٢١"، والترمذي في: الطهارة "١٣"وابن ماجه في: الطهارة"١٦"، وأحمد ١/٣٨٨ و٤١٨ و٤٢٧ و٤٥٠ و٤٦٥. ٢ ماعز هو: "ابن مالك الأسلمي. قال ابن حبان: له صحبة، وهو الذي رجم في عهد النبي ﷺ، ثبت ذكره في "الصحيحين" وغيرهما له ترجمة في: الإصابة ٣/٣٣٧/٧٥٨٧. ٣ مسلم في الحدود "١٢-١٤"، وأبو داود في: الحدود "٢٣"، والترمذي في: الحدود "٨"،وابن ماجه في: الحدود "٧"، والدارمي في: الحدود "١٩"، وأحمد ٣/٤٧٦ و٥/٣١٣ و٣١٧ و٣١٨ و٣٢٠ و٣٢١ و٣٢٧.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قال الشافعي مجيبا: الأمر كذلك والحق أحق أن يتبع ولولا أن أبا الزبير١ روى عن جابر:٢ أن رسول الله ﷺ رجم ماعزا ولم يجلده٣ لكنا [لا] نعارض الحديث الأول بقصة ماعز.
٦٠٧- قال القاضي: ما ذكره الشافعي يتأكد بالإجماع على ترك الجلد وليس ما ذكره القاضي مسلما ففي السلف من يجمع بين الجلد والرجم ولولا ذلك لما اعتني الشافعي بالكلام على الحديث ثم قال القاضي: وما أرى الحديث الأول إلا هفوة فإن من يقتل الأحجار أي معنى لجلده مائة وهو يدق بالأحجار إلى الموت؟ فلعل الراوي سمع الجلد في البكر فاطرد على ذكره في الثيب ولا نهاية لمواقع إمكان الغلطات في الروايات.
وهذا الذي ذكره القاضي لا يسوغ التعلق بمثله في رد روايات الثقات ولكن تقوى به مسالك التأويل وتظهر غلبات الظنون وهذا منتهى القول في ذلك.
مسألة:
٦٠٨- إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بنقل زيادة فيها فالزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها.
واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعا والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ [اتهام] مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول ﵇ فنقل بعضهم حديثا ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الاحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله ﷺ ومجالسه بين
_________________
(١) ١ أبو الزبير هو: محمد بن مسلم الأسدي المكي. روى عن جابر والعبادلة الربعة قال أحمد: هو أحب إلي من سفيان لأنه أعلم بالحديث منه. مات سنة "١٢٦". له ترجمة في: تهذيب التهذيب ٩/٣٩٠-٣٩٣/٧٢٩. ٢ جابر هو: ابن عبد الله بن حزم بن حرام بن سعد الأنصاري الخزرجي السلمي غزا مع النبي ﷺ، ولم يشهد بدرا ولا أحدا، وكان هو وأبوه وخاله من أصحاب العقبة. مات سنة "٧٣". له ترجمة في: أسد الغابة ١/٣٠٧، والإصابة ١/٢١٤، والنجوم الزاهرة ١/١٩٨. ٣ سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٥٥ ]
أصحابه كان [كذلك] ولو شرط نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث.
والذي يعضد ما ذكرناه أن [الشهادات] تبر في وجوه من التعبدات على الراويات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلا وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى وليس ما ذكرناه من فن القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهادا في تحقيق الثقة.
٦٠٩- قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في [القرآن] وبين رد الزيادة التي ينفرد بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القرآن أن ينقل استفاضة وتواترا فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الاحاد كان أولى.
٦١٠- وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما إذا صرحوا بنفى ما نقله عند إمكان إطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقا.
مسألة.
٦١١- كل أمر خطير ذي١ بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواترا إذا نقله آحاد فهم يكذبون فيه منسوبون إلى تعمد الكذب أو الزلل وقد أجرينا هذا في أدراج أحكام التواتر ووجهنا أسئلة مخيلة وانفصلنا عنها.
وقال أبو حنيفة بانيا على هذا: لا يقبل خبر الواحد فيما يعم٢ به البلوي فإن سبيل ما كان كذلك أن ينقل استفاضة.
٦١٢- ونحن نقول: رد أبو حنيفة أخبار الاحاد في تفاصيل ما يعم به البلوي وأسند مذهبه إلى ذلك وهذا زلل بين فإن التفاصيل لا تتوافر الدواعي بها على نقلها توافرها على الكليات فنقل الصلوات الخمس مما يتواتر فأما تفصيلها في الكيفية فلا يقضي العرف بالاستفاضة والدليل القاطع فيه أنه لو كان مما يتواتر لنقل
_________________
(١) ١ ذب بال: حال يهتم به شرعا. ٢ يعم به البلوى: يتكرر ويكثر وقوعه بين الناس فيحتاج الكثير منهم إلى معرفة حكمه.
[ ١ / ٢٥٦ ]
تواترا فإذا لم ينقل نقيضه مع القطع بأنه لا بد من وقوع أحدهما [دل] على أن ما ورد خبر الاحاد فيهمن قبيل ما لا يجب التواتر فيه على حكم الاعتياد.
وتمام البيان فيه أنا إنما نكذب المنفرد بالنقل في كلى متواتر قطعا لو وقع أو في تفصيل يقضي العرف التواتر فيه ثم لا بد أن يتواتر نقيض ما نقله المنفرد بنقله.
مسألة.
٦١٣- ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزلة الخبر الذي ينقله آحاد من الثقات ولهذا نفى التتابع واشتراطه في صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين ولم ير الاحتجاج بما نقله الناقلون من قراءة ابن مسعود في قول الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ١ متتابعات.
وشرط أبو حنيفة التتابع وتعلق بهذه القراءة ولا يكاد يخفى أولا على ذي بصيرة أن العمل بزيادة في القرآن بنقل الاحاد يناقض رد ما ينفرد به بعض الثقات من الزيادات في الأخبار التي لا تقتضي العادة نقلها متواترا.
٦١٤- والذي يحقق سقوط الاحتجاج بالقراءة الشاذة أمران أحدهما أن القرآن قاعدة الإسلام وقطب الشريعة وإليه رجوع جميع الأصول ولا أمر في الدين أعظم منه وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه لا سيما من الأمور الدينية فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر إلى نقل الاحاد ما دامت الدواعي متوفرة والنفوس إلى ضبط الدين متشوفة وهذا يستند إلى ما سبق تمهيده فيما يقتضي تواتر الأخبار فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان٢ بن عفان ﵁ على ما بين الدفتين واطرحوا ما عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم وابن مسعود لما شبب بنكر ناله من خليفة الله تعالى أدب بين ولم ينكر على عثمان في ذلك منكر وكل زيادة لا تحويها الأم ولا تشمل عليها الدفتان فهي غير معدودة في القرآن.
_________________
(١) ١ آية "٨٩" سورة المائدة. ٢ سبقت ترجمته.
[ ١ / ٢٥٧ ]
٦١٥- وأما ما يتعلق باختلاف القراءة في إعراب القرآن فليس مما يحوي المصحف المجمع عليه مخالفة له فإنه لم يثبت في المجموع في الأم قطع في التعرض لذلك فكان الأمر فيه محالا على نقل القراءة تواترا فإن خالج قلب من لم يعن بحفظ القرآن ريب في تواترها فذلك لأنه ليس من القراء والمرعى في التواتر ما يتلقى من أهل ذلك الشأن والتواتر ينقسم منه ما يعم الكافة لاشتراكهم في سببه كنقل الدول والبلدان ومنه ما يختص به طوائف وفرق لاختصاصهم بالاعتناء به.
٦١٦- ولا ينبغي أن ينسبنا الناظر والمنتهى إلى هذا المقام إلى تقصير فيما يتعلق بمحل الإشكال في نقل القرآن العظيم فإنه قطب عظيم لم يشف القاضي فيه الغليل١ في كتاب "الانتصار" وإن عد ذلك من أجل مصنفاته وفي نفسي أن أجمع من ذلك ما تقر به الأعين إن شاء الله تعالى وحظ هذه المسألة مما ذكرنا أن نقل الآحاد في القرآن يلتحق بنقل الاحاد فيما يقتضي العادة في التواتر وهذا كاف.
وقد نجزت مسائل الأخبار.
_________________
(١) ١ الغليل: حرارة العطش والمراد أنه لا يزيل الحيرة على طريق الاستعارة.
[ ١ / ٢٥٨ ]