٨٤٧- يحوي ما يعد منها وفاقا وما يختلف في عده منها ويتضمن بيان ترتيبها في الجلاء والخفاء. ونحن نذكر أجمع طريقة الأصحاب وأحواها ثم نذكر ما عندنا في معناها ومغزاها.
[ ٢ / ٦٠ ]
قالوا: أولها: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من طريق الفحوى والتنبيه المعلوم كإلحاق الضرب وأنواع التعنيف بالنهي عن التأفيف فهذا في الدرجة العليا من الوضوح.
وقد صار معظم الأصوليين إلى أن هذا ليس معدودا من أقسام الأقيسة بل هو متلقى من مضمون اللفظ والمستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه كالمستفاد من صيغته ومبناه ومن سمى ذلك قياسا فمتعلقة أنه ليس مصرحا به والأمر في ذلك قريب.
٨٤٨- والقسم الثاني: ما نص الشارع على تعليله على وجه لا يتطرق التفصيل والتأويل إليه أصلا وقد ثبت لفظ الشارع قطعا فإذا ثبت الحكم واستند إلى النص القاطع في تعليله فمن ألحق بالعلة المنصوصة المسكوت عنه بالمنطوق به كان قياسا.
قال الأستاذ أبو بكر هذا ليس بقياس وإنما هو استمساك بنص لفظ رسول الله ﷺ فإن لفظ التعليل إذا لم يقبل طرق التأويل عم في كل ما تجرى العلة فيه وكان المتعلق به مستدلا بلفظ ناص في العموم.
٨٤٩- القسم الثالث: إلحاقك الشيء المنصوص عليه لكونه في معناه وإن لم تستنبط علة لمورد النص وهو كإلحاقك الأمة بالعبد في قوله ﵇: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" ١ وهذا القسم مما اختلف في تسميته قياسا أيضا كما تقدم ذكره.
٨٥٠- والقسم الرابع: قياس المعنى: وهو أن يثبت حكم في أصل فيستنبط له المستنبط معنى ويثبته بمسلك من المسالك التي قدمناها [و] لم يصادفه غير مناقض للأصول فيلحق كل مسكوت عنه وجد فيه ذلك المعنى بالمنصوص عليه وقد تقدم استقصاء القول فيما يثبت به علل الأصول وشرط هذا القسم أن يكون المعنى مناسبا للحكم مخيلا مشعرا به على ما تقدم وهذا القسم هو الباب الأعظم في أقيسة الشرع وفيه نزاع القايسين وتعارض أقوالهم.
٨٥١- والقسم الخامس: قياس الشبه ونحن على قرب عهد بوصفه.
٨٥٢- وألحق ملحقون قياس الدلالة بهذه الأقسام [واعتقدوه] قسما سادسا ولا معنى لعده قسما على حياله وجزءا على استقلاله فإنه يقع تارة منبئا عن معنى وتارة شبها وهو في طوريه لا يخرج عن قياس المعنى أو الشبه فهذه تقاسيم كلية ذكرها.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٦١ ]
من حاول ترتيب الأقيسة.
- ٨٥٣ [والرأي] عندنا أن نجري الترتيب على خلاف ذلك فنقول مطلوب الناظر ينقسم إلى معلوم ومظنون.
فأما المعلوم: فلا معنى لذكر الترتيب فيه فإن [العلوم] لا تتفاوت عند وقوعها فإن فرض تفاوت في القرب وبعد المأخذ وطول النظر فهو من مقدمات العلوم وإلا فلا يتصور علم أبين من علم.
- ٨٥٤ والأقسام الثلاثة المقدمة من المعلومات ومن أنكرها كان جاحدا وقد استجرأ على جحد بعضها أقوام يعرفون بأصحاب الظاهر ثم إنهم تحزبوا أحزابا وتفرقوا فرقا فغلا بعضهم وتناهى في الانحصار على الألفاظ وانتهى به الكلام إلى أن قال: من بال في إناء وصبه في ماء لم يدخل تحت نهى الرسول ﵇ إذ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم".
وهذا عند ذوي التحقيق جحد الضرورات ولا يستحق منتحله المناظرة كالعناد في بدائه العقول.
ومما يحكى في هذا الباب ما جرى لابن سريج مع أبي بكر بن داود قال له ابن سريج أنت تلتزم الظاهر وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ١ فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين؟
فقال مجيبا: الذرتان ذرة وذرة فقال ابن سريج فلو عمل مثقال ذرة ونصف فتبلد وظهر خزيه وبالجملة لا ينكر هذا إلا أخرق ومعاند.
٨٥٥- وأما المظنون: فينقسم إلى قياس المعنى والشبه ثم قد يتردد بين القسمين ما يلتحق تارة بالمعنى وتارة بالشبه على ما نفصله.
٨٥٦- وأما قياس المعنى: فهو الذي يناسب كما سبق وصفه ثم هذا القسم في نفسه يترتب رتبا لا تقبل الضبط فمنها الجلي ومنها الخفي ثم الجلاء والخفاء فيها من ألفاظ النسبة فكل محتوش بطرفين جلي بالإضافة إلى ما دونه خفي بالإضافة إلى ما فوقه.
_________________
(١) ١ آية "٦" سورة الزلزلة.
[ ٢ / ٦٢ ]
والسر في ذلك يتبين بفرض تعارض معنيين لو قدر انفراد كل واحد منهما "بالإضافة" مستقلا لاقتضى حكما لاستجماعه عند استقلاله شرائط الصحة فإذا عارضه معنى مقتضاه نقيض مقتضاه كمعنيين يتعارضان في التحليل والتحريم فسيأتي سبيل النظر فيهما.
ويئول الكلام إلى حالتين إحداهما أن يرجح أحد المعيين على الثاني بوجه من وجوه الترجيح على ما سنشرح الترجيحات في كتابها.
٨٥٧- وتقاسيمها يضبطها في غرضنا شيئان:
أحدهما: أن يكون أصل المعنى في وصفه أوضح وأبين والآخر أبعد فهذا ترجيح من نفس المعنى.
والثاني: أن يعضد أحد المعنيين بما يؤيده ويعضده على ما سيأتي.
فإن اختص أحد المعنيين بالظهور في أسلوب النظر واحتاج مبدي المعنى الآخر إلى تكلف في إبدائه فيقال فيهما إن أحدهما أجلى من الثاني.
وهذا ممثل بالعقليات المفضيات إلى القطع [فالذي] يقرب من العلم البديهي إذا قيس بما يبعد عنه بعض البعد [كان أجلى] فهذان يضربان مثلين للجلي من المظنونان والخفي منها.
فما قرب من الأصول القطعية فهو الجلي بالإضافة إلى ما بعد من العلم فلتكن العلوم السمعية مستند الخفاء والجلاء والإنسان يعلم ثم يتجاوز محل العلم قليلا فيظن ظنا غالبا ثم يزداد بعدا فيزداد الظن ضعفا.
فهذا وجه التفاوت في الظنون.
وهو فيه إذا كان ظهور الترجيح من ظهور المعنى في نفسه ولو كان الترجيح في الاعتضاد فالمعنيان في أنفسهما متقاربان فأسباب العضد في أحدهما إذا رجحته على معارضه أثبت له رتبة الجلاء بالإضافة إليه ورجع حاصل القول إلى أن الجلاء والخفاء راجعان إلى الترجيحات والترجيحات يحصرها القرب من المعلوم والاعتضاد بالمؤيدات ثم لا يتأتى في ذلك ترتيب وحصر حتى يحصره بعد أو حد وإن كانت في الحقيقة مضبوطة معدودة فهذا قولنا في مراتب المظنونات المعنوية.
٨٥٨- ثم جمله أقيسة المعاني مقدمة على أعلى رتبة تفرض [في] الشبه والسبب فيه أن المقيس على أصل بمعنى مشابه له فيه وزائد عليه بالإخالة على الشبه على وجه.
[ ٢ / ٦٣ ]
لو صح الاستدلال لا ستقل دليلا دون أصله ثم بعد آخر مرتبة من مراتب المعاني لاستفتاح الأشباه وهي على مراتب ودرجات كما ذكرناه في ترتيب المعنويات.
٨٥٩- وقد اتخذنا المعاني المعلومة أصولا ورتبنا عليه المعاني المخيلة قربا وبعدا فنتخذ ها هنا كون الشيء في معنى أصله أصلا ونفرض النزول عنه إلى الأشباه فما قرب منه فهو مقدم على ما بعد عنه ثم كما يعتمد قياس المعنى الجلاء والخفاء في الإخالة فالشبه يعتمد أمرين:
أحدهما: وقوعه خصيصا بالحكم المطلوب وهو نظير الجلي الظاهر من نفس المعنى.
والآخر: اعتضاده بكثرة الأشباه وهذا يناظر اعتضاد أحد المعنيين بما يؤازره ويظافره.
وبيان ذلك بالمثال: أن كون الوضوء حكما غير متعلق بغرض يختص باشتراط قصد يصرفه إلى جهة امتثال الأمر إذ لا غرض ومهما لاح اختصاص الشبه فيكاد أن يكون مناسبا والجافي قسم المعنى ولكن الشبه لو التزمه [معنى] فقد يعسر عليه كرده على شرائط المعاني فيصير الإيماء إلى المعنى مقدما للشبه ومقربا وإن كان مسلك المعنى لا يستقل فيه.
وأما كثرة الأشباه فلا حاجة إلى ضرب مثال فيها وستأتي أبواب الترجيح حاوية لها منطوية عليها إن شاء الله تعالى.
٨٦٠- وقدم الأصوليون أشباه الأحكام على الأشباه الحسية وليس الأمر على هذا الإطلاق فأن الأمر يختلف بالمطلوب فإن كان المطلوب أمرا محسوسا فالشبه الحسي أخص به وأمس له كطلب المثل في الجزاء وإن كان المطلوب حكما فالشبه الحكمي حينئذ أقرب.
٨٦١- وأقصى الإمكان في هذا المجال الضيق [التنبيه] ودرك الحقائق موكول إلى جودة القرائح فإذا قارنها التوفيق بان المعنى والشبه فقياس الدلالة مقدم على الشبه المحض من جهة إشعاره بالمعنى.
وما يثبت الطرد والعكس مقدم على الشبه الذي لا يتصف بذلك فإن الطرد والعكس يجريان في مجال الظنون والحسيات مجرى ظهور لفظ الشارع والشبه يبعد من.
[ ٢ / ٦٤ ]
هذا فليتخذ الناظر هذه المراسم قدوته وإمامه.
ولو قيس المخيل السديد بالمطرد المنعكس فهو مقدم على المطرد المنعكس لتحققنا كون مثله معتمد الصحابة ﵃ ولتكلفنا إلحاق المطرد المنعكس به ومنه ثار الخلاف المتقدم في [أن] الطرد والعكس مما يسوغ الاحتجاج بهما أم لا؟
٨٦٢- وليعلم المنتهى إلى هذا الموضع أن المعنى قد يتناهى في الخفاء ويظهر للمجتهد جريان الطرد والعكس وإن عن للمجتهد في مثل هذا المجال تقديم العكس فلا بأس فإن المعنى إذا تناهى خفاؤه فإنه يكاد يخرج عن حكمنا بأن الصحابة ﵃ كانوا يحكمون به والظاهر في الانعكاس ملتحق بظواهر ألفاظ الشارع.
٨٦٣- ثم لا ينبغي أن يظن ظان أن القول في هذا ينتهي إلى القطع بل هو موكول إلى نظر النظار واجتهاد أصحاب الاعتبار وكيف لا يكون كذلك والتقديم والتأخير مستنده الترجيح ومنشأ الترجيح الظن.
وعلى هذا قد يعرض تقديم الشبه الجلي على المعنى الخفي والعلة فيه أنه إذا انتهى الخفي إلى مبلغ يحول الكلام في إخراجه [على جنس الإخالة والشبه الذي فيه الكلام لا ينقدح في إخراجه] عن قبيل الشبه قول فإذ ذاك ينظر الناظر [ويردد] رأيه في تقديم ما يقدم وتأخير ما يؤخر.
مسألة:
٨٦٤- قال القاضي ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير وإنما الظنون على حسب الاتفاقات.
وهذا بناه على أصله في أنه ليس في مجال الظن مطلوب هو تشوف الطالبين [ومطمع] نظر المجتهدين قال بانيا على هذا إذا لم يكن مطلوب فلا طريق إلى التعيين وإنما المظنون على حسب الوفاق.
وهذه هفوة عظيمة هائلة لو صدرت من غيره [لفوقت] سهام التقريع نحو قائله وحاصله يئول إلى أنه لا أصل للاجتهاد وكيف يستجيز مثله أن يثبت الطلب والأمر به ولا مطلوب وهل يستقل طلب دون مطلوب مقدر ومحقق فليت شعري من أين يظن المجتهد؟ فإن الظنون لها أسباب.
فمن أقدم إقدام من لا يعتقد تشوفا ولا تطلبا كيف يظن ثم فيما ذكره خروج.
[ ٢ / ٦٥ ]
عظيم عن ربقة الوفاق فإنا على اضطرار نعلم من عقولنا أن الأولين كانوا يقدمون مسلكا على مسلك ويرجحون طريقا على طريق وكيف يسنح للمجتهد مسالك فيرى بعضها أقرب من بعض ولو تمكنت بمبلغ جهدي من إخفاء هذا المذهب والسعي في انمحاقه لبذلن فيه كنه جهدي فإنه وصمة في طريق هذا الحبر وهو على الجملة هفوة عظيمة وميل عن الحق واضح.
[ ٢ / ٦٦ ]