١٣٢١- أحدث المتأخرون لقبا لباب من أبواب القياس وراموا بذلك التلقيب تمييز فن كثير في مسالك الأحكام جار على منهاج واحد وهو عند المحققين إذا صح يلتحق بقياس الشبه من وجه وقد يتأتى في بعض أمثلته وجه يلحقه بقياس المعنى واللقب الذي تواضعوا عليه هو قياس الدلالة وهو كقول الشافعي في الذمي من صح طلاقه صح ظهار كالمسلم.
١٣٢٢- والذي يقتضيه الترتيب تصدير الفصل بأن المستدل بهذا النوع يتوجه عليه سؤال المطالبة لا محالة كما ذكرنا قريبا منه [فيما تمحض] شبها فللمعترض أن يقول: وأي مناسبة بين الطلاق والظهار؟ ولم يجب أن يتساويا ثبوتا ونفيا؟ مع العلم بانقسام الأحكام إلى التساوي والتفاوت؟ فإن لم يبحث المطالب ويبدي وجها كان مقصرا.
١٣٢٣- ثم ينقدح في الخروج عن المطالبة مسلكان نجريهما ثم ننهي كل واحد منهما النهاية المطلوبة ثم مسلك الحق وراء الاستقصاء المقول والمنقول.
فإن قال المطالب: الطلاق مقتضاه التحريم والحل والكفر لا ينافي ذلك ومحل التصرف قابل له والظهار فيما ذكرته كالطلاق [ولا ينافي الكفر المنكر والزور كما لا ينافي التصرف في الطلاق] وإذا سلك هذا المسلك لم يبعد أن يكون ما ذكره جامعا بين الطلاق والظهار معنويا وقد يتمكن المطالب من منع يضاهي ما ذكرناه على ما يورده الفقهاء.
فهذا النوع إذا سلك صاحب هذا المسلك يلتحق بأقيسة المعاني.
١٣٢٤- والمسلك الثاني: في الخروج عن المطالبة ألا يخوض المطالب في التزام طريق المعاني المستقلة الجامعة من طريق المعنى وهذا القسم ينقسم قسمين:
أحدهما: أن يرد الأمر إلى طريق الاطراد والانعكاس وقد ذكرنا أن الطرد والعكس معتبر معتمد وقد قدمنا في ذلك قولا بالغا فليقل المطالب اقترن الطلاق [بالظهار] ثبوتا ونفيا واقترنا في الصبي ومن لا يعقل انتفاء فكذلك القول في اقترانهما ثبوتا وانتفاء باختلاف صفات المحل في البقاء في النكاح والبينونة عنه فهذا مسلك مرضى.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
١٣٢٥- والقسم الثاني من هذا القسم: أن يذكر المطالب بين ما استشهد به وبين المتنازع فيه شبها غير مخيل ولكنه يستقل في طريق الشبه فهذا مضطرب النظار فيما ذكرناه.
١٣٢٦- وأنا أقول: إذا تحقق وجوب الخروج عن المطالبة فلا يستقل بتمهيد قياس الدلالة إلا فطن دراك فإن المعلل لو سلك طريق [إبداء] المعنى فقد بين أن ما اعتمده وسكت عليه لم يكن كلاما [تاما] فإن إبداء المناسب إذا كان محتوما ولم يكن في الكلام الأول ذلك فسكوت المطالب بالدليل على [ما جاء] به يتضمن اعتقاد كونه مستقلا فإذا بين أن [التمام] في الجواب عن المطالبة فقد لاح أن ما أبداه مفتاح الحجة ومبدؤها وقد سكت عنه سكوت من يراه تاما مستقلا فهذا وجه.
١٣٢٧- والوجه الآخر: أنه جعل أصل قياسه المسلم فيما تمثلنا به.
والآن إذا أبدى معنى جامعا بين الطلاق والظهار فقد صار الطلاق أصلا للظهار وخرج الكلام الأول عن نظمه وترتيبه وإن أبدى وجها من الشبه بين الطلاق والظهار فقد التزم الجمع تشبيها وهو تتمة الكلام [كما] قدمناه في المعنى المستقل وينقدح فيه تغيير الترتيب والنظم كما تقدم فإذا لا بد من مناسبة فقهية أو شبهية وكلاهما ينافي المسلك الأول الذي اعتمده.
١٣٢٨- وإذا انتبه الناظر [للغائلة] التي ذكرناها فلا يظن أنها تشبيب برد هذا النوع من القياس فإنا من القائلين به ولكن الوجه في تمهيد هذا النوع ودفع المطالبة شيئان:
أحدهما: الطرد والعكس كما تقدم وفيه التغليب المطلوب وتقرير نظر الدلالة الأولى [من] غير مسيس حاجة إلى إتمام أو تعيين أصل بتقدير الصرف عن الاعتبار بالمسلم ويرد الأمر إلى اعتبار الظهار بالطلاق ومن اللطائف الجدلية في ذلك أن مطلق الشرط يشعر بالعكس فلا يكون من صاغ [العلة] على صيغة الشرط بإبداء الطرد والعكس مظهرا لما لم يتضمنه الكلام الأول.
والصحيح عندنا التحاق ذلك بالأشباه.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
١٣٢٩- ومن تتمة القول فيه: إن قياس المعنى إذا انعكس كان العكس فيه ترجيحا فإذا لم يلتزم المعلل المعنى وتمسك بالاطراد والانعكاس كان متمسكه شبها وكان قريبا من القسم الثاني الذي يستند إلى ضرب الأمثلة كما قدمناه في إلحاق القليل بالكثير في ضرب العقل على العاقلة.
١٣٣٠- ومما ينقدح في هذا النوع أن يقول المتمسك به:
الأصل المسلم وظهاره والفرع الكافر وظهاره والجامع بينهما شبه الطلاق فنفوذ الطلاق من المسلم والذمي شبه جامع بينهما في الظهار فغلب على الظن وهذا وإن كان يستمر شبها فكل شبه يعتضد كما ذكرت في تقاسيم الأشباه فإن تمكن الجامع من إبداء معتضد الشبه كما تقدم مفصلا كان حسنا وإن أراد الاجتزاء بالطرد والعكس عاد إلى المسلك الأول.
والأحزم في قياس الدلالة الاكتفاء بالطرد والعكس فهذا النوع من القياس يجري في الأغلب من المسائل التي يكون المعنى ممكنا فيها ولكن يطول الكلام في تقريره وتتسع العبارة في محاولة ضم نشره والمناظر المتحذق يبغي ضم أطراف الكلام وإرهاق الخصم بالمسلك الأقرب والسبيل المهذب إلى مضيق التحقيق في إيراد فرق يعسر إيراده على شرطه.
فلو تكلف المناظر الجمع بين الطلاق والظهار بمعنى مناسب لكثرت المطالبات في وجوه المناسبات ولم يأمن الجامع من التعرض للنقض ما لم يتناه في التصون والتحرز فيؤثر والحالة هذه جعل الطلاق وصفا ويربط الظهار به حكما ويتخذ المسلم أصلا ويجعل معتمده في إثبات الطريقة جريانها طردا وعكسا.
١٣٣١- ومما يتعين الإحاطة به في هذا الصنف [أن] المعنى المخيل حكم مناسب لحكم أو صورة تنبئ العبارة عنها وتقع مناسبة وقد يكون الجامع نفي حكم أو نفي مع ظهور المناسبة والسلامة عن المبطلات فإذا ظهرت الإخالة واتضحت السلامة قيل: معنى مخيل مناسب جامع مستند إلى أصل. فلو قال المطالب وراء ذلك: فلم زعمت أن الحكم الذي قدر وصفا يقتضي الحكم الذي فيه النزاع؟
كان الجواب الكافئ فيه إيضاح الإخالة مع استمرار السلامة فإن أراد المطالب إبداء فرق بين الحكم المجعول وصفا وبين محل النزاع لم ينتظم فيه كلام على صورة الفرق ونظمه.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
١٣٣٢- نعم قد يبدى كلاما يقدح في المناسبة ويتعين على المستدل قطع ما دونه واستقلال مناط الحكم المتنازع فيه بمناسبة وإخالة.
وبيان ذلك بالمثال: أنا إذا طلبنا مسلك المعنى وقلنا: كلمة تتضمن التحريم فيثبت حكمها في حق الذمي كالطلاق وكان معنى التحريم مع قبول المرأة له واتصاف الكافر بالاستمكان منه مناسبا للنفوذ.
فإذا قال الخصم: التحريم ينقسم إلى ما يقع تصرفا [محضا] في مورد النكاح غير متعلق بحق الله تعالى وإلى ما يتعلق بحق الله تعالى [وتحريم الظهار يتعلق بحق الله تعالى] والاستحقاق في في مورد النكاح قائم لم ينخرم والكافر لا يخاطب بما يقع حقا لله تعالى فقصد المعترض بهذا يرجع إلى [توهين] الإخالة في التحريم المطلق فيتعين الإجابة بطريقها وليس ما جاء به فرقا على نظمه المعروف.
١٣٣٣- فإذا قلنا في هذه المسألة: من صح طلاقه صح ظهار فنحن رابطون نفوذا بنفوذ ولكن في تصرفين مختلفين يتأتى جعل أحدهما [أصلا والآخر] فرعا ونصب الجامع بينهما وإذا أمكن الجمع تصور الفرق ولا يمكن الجمع بين حكم مناسب لشيء وبين ذلك الشيء فلما أمكن الفرق ظهرت المطالبة بالجمع وتميز هذا الصنف عما يتمحض فقها مناسا فكان القسم الذي فيه الكلام بين قياس المعنى من جهة مناسبة تصرف تصرفا على الجملة مع الجريان على السلامة وبين مسالك الأشباه من جهة تطرق المطالبة بالجمع وعدم التزام المعلل له.
والذي [يحيك في الصدر] أن المعنى إذا أمكن فهو [أولى] ونصبه في مراتب الأقيسة أعلى والتمسك بالأدنى مع الاستمكان من الأعلى لا [يتجه] في طرق الفتوى والنظر تدوار على تمهيد طرق الاجتهاد التي هي مستند الفتوى فسبيل الجواب عنه أن نقول:
١٣٣٤- إذا اشتملت المسألة المظنونة على مراتب من الأدلة متفاوتة فلا حرج على المستدل لو تمسك بأدنى المراتب وإنما يظهر تفاوت الرتبتين إذا تناقض موجب الحجتين فيقدم موجب الأعلى على الأدنى فأما إذا توافقت شهادات المراتب المختلفة على مقتضى الوفاق فلا معاب على من يتمسك بالأدنى وكذلك إذا اشتملت المسألة على خبر نص وقياس ولا يمتنع التمسك
[ ٢ / ٢٢٨ ]
بالقياس الموافق الخبر وإنما يمتنع التمسك بقياس يخالفه نعم إذا كان المطلوب في المسألة علما فلا وجه للتمسك بقياس لا يقتضي العلم.
١٣٣٥- وحاصل القول في هذا الفن إذا انتهى الكلام إليه يحصره أقسام.
أحدها: يطلب العلم وما كان كذلك فالمطلوب منه ما يفضي إلى العلم ولا حكم لتفاوت الرتب بعد استواء [الجميع] في الأفضاء إلى العلم.
١٣٣٦- والقسم الثاني: ما تتفاوت الرتب فيه ومتعلق جميعها ظنون.
والرأي عندنا تسويغ التمسك بالجميع على ما يراه المستدل.
ومنع بعض الجدليين التمسك بالأدنى مع التمكن من الأعلى وهذا فيه نظر إذا تميزت المراتب بالقواطع وإن كانت كل مرتبة في نفسها لا تقتضى علما فأما إذا كان تفاوت الرتب مظنونا فلا يمتنع وفاقا من التمسك بأدنى آحاد الرتب.
١٣٣٧- ومما يتعلق باستكمال الكلام في هذا الفصل أنه قد يتعلق ثبوت بنفي أو نفي بثبوت على مضاهاه قياس الدلالة وليس من قياس الدلالة في شئ وهو كقول القائل من لا يملك التصرف [يل] الوالى التصرف منه أو من يستقل بالتصرف لا يلي الوالى منه ما يستقل به.
فهذا إذا سلم يلتحق بأقيسة المعاني فإنه مناسب مخيل ولا ينتظم بين النفي والإثبات فرق.
١٣٣٨- وقياس الدلالة [يتميز] عن محض قياس المعنى بهذا فإنه لا يمتنع رسم [فرق] بين وصف قياس الدلالة والحكم المنوط به ويمتنع ذلك بين نفي التصرف وإثبات الولاية وإثبات التصرف ومنع نفي الولاية.
١٣٣٩- فهذا منتهى القول على قدر ما يليق بهذا المجموع في قياس الدلالة فإذا نجز قدر الحاجة في مراتب الأقيسة حان أن نرجع بناء الكلام إلى الترجيح فنقول.
[ ٢ / ٢٢٩ ]