فنقول والله المستعان:
٧١١- نحن نعلم قطعا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة والوقائع تترى والنفوس إلى [البحث] طلعة وما سكتوا عن واقعة صائرين إلى أنه لا نص فيها والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصا وظاهرا بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفة من بحر لا ينزف.
وعلى قطع نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعن لهم من غير ضبط وربط،
[ ٢ / ١٣ ]
وملاحظة قواعد متبعة عندهم وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله تعالى فإن لم يصادفوه فتشوا في سنن رسول الله ﷺ فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي.
٧١٢- والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف مذاهبهم في مواقع الظنون ومواضع التحري ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي وإنما كان بعضهم يعترض على بعض ويدعوه إلى ما يراه هو ولو كان الاجتهاد حائدا عن مسالك الشريعة لأنكره منهم منكر وإذا لاح المعنى فترديد العبارات عنه هين. ونحن نوضح المقصد بأسئلة وتخييلات وأجوبة عنها:
٧١٣- فإن قيل: قد صح من بعضهم التغليظ على بعض في مسائل كقول ابن عباس في رد العول مع من كان يكلمه وقولهم في الرد عليه وقد صح انتهاء القول إلى المباهلة [في] الأقاصيص المشهورة.
قلنا: لم ينكر أصل الاجتهاد أحد منهم وإنما كانوا ينتاظرون في الذب عن وجوه الاجتهاد والدعاء إلى غيرها من الاجتهاد وكانوا مجمعين على الأصل مختلفين في التعيين والتفصيل نحو اختلاف علماء الدهر.
٧١٤- فإن قيل: غايتكم في هذا ادعاء اجتهاد بعضهم وسكون الباقين وقد ذكرتم في مسائل الإجماع أنه لا ينسب إلى ساكت قول.
قلنا: هذا باطل من أوجه منها أنه لم يخل أحد من علماء الصحابة من الاجتهاد في مسائل وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة فقد صح النقل المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها أو أفتى بها ثم أحداث قاعدة في الشريعة تستند إليها الأحكام بل يصدر عنها معظم الشريعة مما لا يجوز السكوت عليه لو لم يكن ثابتا وإنما يسوغ السكوت عن المظنونات وليس من تكلم في القياس ردا وقبولا ممن يجترئ بالظن بل كل فريق قاطعون بما يذكرون ويعتقدون وقد ذكرنا مسألة الانتشار وأنه لا يجوز السكوت مع طول الزمان وتذاكر أهله ولو كان الأمر مظنونا فكيف يسوغ في مطرد العرف تصرف علماء الصحابة في مذاهب الاجتهاد على الدوام من غير فتور فيه ثم يسكت عنه من يعتقد بطلانه.
٧١٥- فإن قالوا: بم تنكرون على من يزعم أنهم كانوا يتلقون الأحكام من استنباطات من الظواهر والعمومات وفحوى الخطاب.
[ ٢ / ١٤ ]
قلنا: لا أصل لهذه المقالة وهي كمحاولة تسبيع الغزالة [فأنى تفي] الظواهر ومقتضياتها بالأحكام التي طبقت طبق الأرض والأقضية التي فاتت الحد والعد وقد أوضحنا بالنقل المتواتر عنهم أنهم كانوا يقدمون كل متعلق بنص وظاهر ثم كانوا يشتورون وراء ذلك ويثبتون الأحكام على وجوه الرأي واعتبار المسكوت عنه بالمنصوص عليه.
٧١٦- فقد تبين بمجموع ما ذكرناه إجماع الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم على العمل بالرأي والنظر في مواقع الظن ومن أنصف من نفسه لم يشكل عليه إذا نظر في الفتاوى والأقضية أن تسعة أعشارها صادرة عن الرأي المحض والاستنباط ولا تعلق لها بالنصوص والظواهر.
٧١٧- فإن قالوا: قد روى عن جمع من أئمة الصحابة رد الرأي والرد على القائلين به قال أبو بكر١ ﵁: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ "٢ وقال ابن مسعود٣ ﵁: "لو عملتم بالرأي لحللتم كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما أحل الله تعالى"٤ إلى غير ذلك من أفراد اثار فقد عورضوا بأضعافها وذكروا أولا إشارة الرسول ﵇ إلى القياس في الأخبار.
منها: ما روى أنه ﵇ سئل عن قبلة الصائم، فقال للسائل: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" ٥ فكان ذلك منه قياسا للقبلة على المضمضة وقال ﵇ لضباعة الأسدية وقد ذكرت له حجا على أبيها وسألته عن إمكان أدائه فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دينا أكنت تقضينه؟ " ٦ قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق بالقضاء"، وقول ابن مسعود٧ في حديث بروع٨ بنت واشق وقد كانت فوضت بعضها فردد ابن مسعود السائل شهرا ثم قال:٩ "إني أقول فيها [برأيي] .
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ صدره ابن ماجه في "الزكاة" باب "١١" وشرح السنة "٦/٦٦". ٣ سبقت ترجمته. ٤ الفقيه والمتفقه "١/١٨٢". ٥ كذا هنا "الأسدية" ولم أقف عليها. ٦ رواه بنحوه: البخاري "١٥١٣، ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٦٢٢٨، ٦٦٩٩"،ومسلم في "الصوم" "١١٤٨". ٧ سبقت ترجمته. ٨ بروع بنت واشق الرواسية الكلابية أو الأشجعية زوج هلال بن مرة لها ترجمة في "الإصابة" "٤/٢١٥/١٧٤". ٩ أبو داود في "النكاح" "٢١١٤" والترمذي في "النكاح "١١٤٥" وقال حسن صحيح والنسائي في "النكاح" "٤٥٠" وأحمد "١/٤٤٧"، "٢/١١"، "٢٨٠".
[ ٢ / ١٥ ]
فإن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمني ومن الشيطان أرى لها مثل مهر نسائها لا وكس١ فيه ولا شطط٢.
٧١٨- قال الإمام: ومن رام منا أن ننقل اجتهادات الصحابة بطريق الاحاد فقد [تكلف] أمرا عسرا فإن ما ثبت النقل فيه تواترا عسر النقل فيه من طريق الاحاد ومن أراد أن ينظم إسنادا عن الأثبات بالعنعنة أن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يصلي الفجر ركعتين لم يتمكن منه وهذا يناظر في المعقولات محاولة إثبات الضروريات والمحسوسات بطريق المباحثات فإنه معوز لا سبيل إليه وقد اضطررنا وكل منصف [معنا] إلى العلم بأن الذين [مضوا] كانوا يسندون جل الأحكام إلى النظر والرأي وكيف يطمع الطامع في معارضة ذلك بألفاظ محتملة ينقلها الاحاد ولو كانت نصوصا لما عارضت التواتر.
٧١٩- ثم ما تمسكوا به من قول الصديق٣ وابن مسعود٤ ﵄ لا حجة فيه فأما الصديق فإنه قيد كلامه بالرأي في كتاب الله تعالى وأراد به مخالفة المفسرين الذين إلى قولهم الرجوع وهذا ممنوع عندنا وقد قال رسول الله ﷺ: "من قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار" ٥ فلا حجة إذا فيما رووه عن الصديق ﵁.
وأما قول ابن مسعود فلا متعلق له فإن فيه ما يدل على أن الرأي المجرد لا يطرد إذ قد يلقاه من أصول الشرع ما يمنعه من الجريان فعلى كل ناظر ألا يتبع رأيه المحض حتى يربطه بأصول الشريعة ومن أعمل الرأي المجرد أحل وحرم على خلاف الشريعة فلا حجة إذا في قوله.
٧٢٠- واحتج الشافعي٦ ابتداء بحديث معاذ بن جبل٧ ﵄.
_________________
(١) ١ وكس: نقصان. ٢ سبقت ترجمته. ٣ سبقت ترجمته. ٤ سبقت ترجمته. ٥ الترمذي "٢٩٥٠، ٢٩٥١" وقال في الأول حسن صحيح وفي الثاني حسن وأحمد "١/٢٣٣، ٢٦٩" وشرح السنة "١/٢٥٧، ٢٥٨". ٦ واحتج أيضا بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال فهذا تمثيل الشيء بعدله. "إرشاد الفحول" "ص ٢٠١". ٧ معاذ بن جبل بن عمر أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي السلمي المدني كان من أعيان الصحابة وأفرادهم وإليه المنتهى في العلم والفتوى والحفظ والقرآن قال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم – عيه الصلاة السلام – أمة قانتا لله حنيفا مات في طاعون عمواس بالأردن سنة ١٨. له ترجمة في "أسد الغابة" "٥/١٩٤"، والإصابة "٣/٤٠٦"، والعبرة "١/٢٢"، وشذرات الذهب "١/٢٩".
[ ٢ / ١٦ ]
قال له الرسول ﵇ لما بعثه إلى اليمن ["بم تحكم يا معاذ؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال ﵊: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه رسول الله"] وهو مدون في الصحاح وهو متفق على صحته١ لا يتطرق إليه التأويل فإنه ﵁ انتقل من الوحي والتنزيل إلى سنة رسول الله ﷺ ثم انتقل منهما عند تقديره فقدهما إلى الرأي ولا يجوز أن يقال: أراد بالرأي رأي استنباط من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵇ فإن ذلك لو كان على هذا الوجه لكان متعلقا بالكتاب والسنة.
٧٢١- فإن قيل: خبر الواحد لا يقتضي العلم وإثبات القياس يقتضي أمرا مقطوعا قلنا قد ثبت عندنا بالقواطع العمل بخبر الواحد كما قد تقرر في صدر كتاب الأخبار وعرفنا من طريق التواتر أن رسول الله ﷺ لو أخبر معاذا أن العمل بالرأي سائغ وأخبر معاذ الذين أرسل إليهم أن النبي ﵇ أخبرني أن العمل بالرأي إذا لم تكن الواقعة في كتاب ولا سنة واجب كانوا يتبعونه ولو روى الصديق أو غيره من أئمة الصحابة على رؤوس الإشهاد أن الرسول ﵇ شرع القياس والعمل به لكان الذين لم يبلغهم ذلك يتلقونه بالقبول ويبتدرون إلى القياس ويسارعون إلى تمهيد قواعده وسبله وإذا كان القياس مغزاه العمل فالدال عليه دال على العمل فلا فرق بين أن يستند القياس إلى قاطع بدرجة وبين أن يستند إليه بدرجات.
٧٢٢- فهذا منتهى ما أردناه في إثبات [القياس وإثبات] تجويز التعبد بالقياس والرد على منكريه وإثبات وقوع ما أثبتنا جوازه وتتبع اعتراضات الحاحدين فيه ونحن نذكر بعد ذلك مسلك النهرواني والقاساني وابن الجبائي في تفصيل ما يقبل ويرد من النظر.
مسألة:
٧٢٣- ذهب النهرواني والقاساني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان:
أحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به ولهذا صيغ منها ربط. الحكم
_________________
(١) ١ أبو داود في "الأقضية" "١١"، وأحمد "٥/٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢".
[ ٢ / ١٧ ]
بالأسماء المشتقة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ١ وقوله ﷾: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢ فما منه اشتقاق الاسم في فحوى الكلام منصوب علما.
ومن هذا القبيل ما روى أنه سها فسجد وزنى ما عز فرجمه رسول الله ﷺ [فالفاء] تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك مشعر بالتعليل إلى غير ذلك مما يأتي مفصلا في ترتيب الأبواب فهذا أحد الأمرين.
وربما يلحقون بهذا الفحوى نحو قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٣ ففحوى النهي عن التأفيف يمنع ما يزيد عليه من التعنيف والضرب والإهانة.
٧٢٤- والأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه وهو كقوله ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" ٤ ثم قالوا لو جمع جامع بولا في كوز وصبه في الماء الراكد لكان في معنى البول في الماء.
وما عدا هذين من سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء.
٧٢٥- وأما أبو هاشم فقد قال بهذين الوجهين وزاد وجها ثالثا وقال إذا ثبت أن المكلف مطالب بشيء واعتاص عليه الوصول [إليه] يقينا فاعلم أنه مأمور يبذل المجهود [في طلبه] والتمسك بالأمارات المفضية إلى الظنون فيه ومثل هذا القول بوجوب طلب استقبال القبلة عند إشكال جهاتها فقال يتعين طلبها بالتمكن من جهة الظن ولما أوجب الله تعالى المثل في الجزاء ولم يبينه لنا تبينا أنه كلفنا طلب المثل لما قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ٥.
٧٢٦- فنقول ما اعترفتم به أنتم مساعدون عليه وهو يلتحق بقبيل النصوص والظواهر والمباحثة وراء هذه الجهات أفتزعمون أن الفتاوى والأقضية في الأعصار الخالية تنحصر في هذه الجهات؟ فإن قلتم بذلك فقد باهتم وعاندتم مدارك الضرورات فإن ما في النصوص إشعار بتعليله ملتحق بالظواهر وما نراه يبلغ في الكتاب والسنة مائة عدد وما يذكره أبو هاشم معوز النظير في موارد الشرع والأحكام.
_________________
(١) ١ آية "٣٨" سورة المائدة. ٢ آية "٢" سورة النور. ٣ آية "٢٣" سورة الإسراء. ٤ البخاري "١/٦٩" ومسلم في "الطهارة" "٩٥" وأبو داود "٦٩" والنسائي "١/٤٩" والترمذي "٦٨" وأحمد "٢/٢٥٩، ٢٦٥، ٢٤٦". ٥ آية "٩٥" سورة المائدة.
[ ٢ / ١٨ ]
الجارية في نوادر الوقائع قد عدت العد وجاوزت الحد فأين يقع ما ذكره مما جرت فيه فتاوى المفتين؟ وينجر الكلام إلى المسلك المقدم في المسألة الأولى فإن أبدوا شبهة لم يخل من الوقوع في أحد الشقين: إما أن يتعرض لمنع جواز التعبد بالقياس وقد مر القول فيه مستقصى وإما أن يتعرض لعدم الوقوع مع الاعتراف بالجواز وقد تقدم القول البالغ في ذلك فما استفاد هؤلاء بما أودوه إلا اعترافا بمسائل معدودة والدليل عليهم قائم فيما أنكروه.
٧٢٧- ثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه وأبدوا لهم صفحة الخلاف وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به وقالوا: لم قلتم إن ما عرض رسول الله ﷺ بتعليله في حق البعض فتلك العلة مطردة على الكافة مع القطع بأنها لا تدل لنفسها وإنما تدل بنصب ناصب إياها علما ولا يجب من نصبه علما في حق زيد انتصابه في حق عمرو ولو قال الرجل لمن يخاطبه: بع عبدي هذا فإنه سيء الأدب فإنه يبيعه بحكم الإذن فلو أساء عبد آخر أدبه لم يبعه جريا على تعليله بيع الأول بإساءة الأدب.
فإن قالوا: إذا قال الرجل لولده: لا تأكل هذه الحشيشة فإنها سم اقتضى ذلك نهيه عن تعاطي كل سم.
قلنا: ليس ذلك من حكم اللفظ ولكن ما أظهر من الإشفاق والحث على الحذار من مواقعة الضرر هو الذي اقتضى تعميم الأمر وقد قال المحققون لولا ما تحقق في سياق الخطاب من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١ من نهاية الحث على البر لما أبعدنا النهي عن التأفيف مع الأمر بضرب العنق وقد يأمر السلطان بقتل الرجل المعظم ويتقدم إلى الجلاد بألا يستهين به قولا وفعلا.
٧٢٨- والغرض مما نذكره يتبين الآن بأمر هو الشأن كله فنقول.
إن تجرد اللفظ عن القرائن فالقياس بماذا ولا مفزع في إثباته إلا ما اعتصمنا به في إثبات وجوب النظر فإن [تمسكوا به ساقهم إلى القول بوجوب النظر] فإن مواقع فتاوى [المفتين] ليست مختصة بما ذكروه وإن اقترنت باللفظ قرينة أوجبت التعميم.
والذي قبلوه إذا موجب اللفظ وقضية ظاهره وليس من أبواب النظر في ورد ولا صدر فال حاصل الكلام قولهم بتعيين الظواهر.
_________________
(١) ١ آية "٢٣" سورة الإسراء.
[ ٢ / ١٩ ]
٧٢٩- فإن قيل: أنتم لا تصححون أيضا كل نظر ومتعلقكم فيما تصححونه الإجماع من الأولين فلا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجعكم فيما تأتون وتذرون وتصححون وتبطلون وإلا فالأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف ينضبط لكم منها ما يصح وما يفسد فقد اعترفتم بأن لا مدرك غير التعلق بما صدر منهم وهذا سؤال مشكل لا يتأتى الجواب عنه في معرض الأجوبة عن الأسئلة ولكن القدر المتعلق بمقصود المسألة:
أنا نعلم ضرورة أن النظر الذي حكموا به زائد على ما اعترف هؤلاء به بأضعاف مضاعفة وآلاف مؤلفة فقد ثبت نظر أنكروه وليس من شرط توجه الكلام عليهم أن نذكر [مأخذنا] في التصحيح والإفساد ولو حاولنا ذلك لم نتوصل إليه إلا بذكر أسباب وتبويب أبواب ورب كلام لا يبينه إلا التفصيل.
وتفصيل ما يصح ويفسد [واستناد] كل دعوى فيها إلى الحق هو لباب القياس ونحن نضمن للناظر الموفق إلا يتنجز الكتاب وفي صدره غلة لم يشفها وعلة لم يداوها والله المستعان.
وقد تنجز الكلام الآن على الجملة وجاز أن نرسم بعده تقاسيم تشير إلى أغراض الكتاب يتخذها الطالب دستوره والله ولي التوفيق.
[ ٢ / ٢٠ ]