مسألة:
١٨٠- اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن١ علي بن إسماعيل الأشعري ﵁ مصيره إلى أن المعدوم الذي وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف فهو مأمور معدوما بالأمر الأزلي وقد تمادى المشغبون عليه وانتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب وقد سبق القلانسي٢ ﵀ من قدماء الأصحاب إلى هذا وقال كلام الباري تعالى في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما يثبت له هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين كما يتصف الباري بحانه وتعالى بكونه خالقا رازقا فيما لا يزال.
والوجه مكالمة القلانسي أولا وإيضاح الرد عليه فإن مسلم للشيخ أبي الحسن ﵀ أن الكلام القديم هو القائم بالنفس وهو على حقيقته وخاصيته وإذا كان كذلك فكون الكلام أمرا نهيا من حقيقته النفسية وصفته الذاتية والحقائق يستحيل تجديدها وليس لله تعالى من كونه خالقا رازقا حكم راجع.
إلى ذاته وإنما المعنى بكونه خالقا وقوع الخلق بقدرته ونقول لأبي العباس أيضا قد أثبت كلاما خارجا عن كونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا إلى استتمام أقسام الكلام وذلك مستحيل قطعا فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلاما أزلا ثم يستجد كونه كلاما فيما لا يزال فقد لاح سقوط مذهبه.
١٨١- ثم ذكر الأئمة ﵏ في محاولة إثبات كون المعدوم مأمورا مسلكين لا أرضاهما ولكني أطردهما فأذكر الاعتراض عليهما ثم أشمر للبحث عن مسلك الحق فمما ذكروه في ذلك أن الرسول ﷺ في حكم من يبتدىء أمرا ثم انقلابه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه لا يوجب سقوط أوامره عن المكلفين فهو في حكم معدوم امر فإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع أمر لمعدوم.
وهذا فن ركيك فإن الفرق على اختلاف المذهب متفقون على أن المعدوم يستحيل أن يكون آمرا فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ ثم الرسول ﷺ ليس مستقلا بأمره وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى فإذا التبليغ لم يؤثر موت المبلغ ﷺ ومن له الأمر حقا لم يزل ولا يزال ﷾: فهذا أحد المسلكين.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبقت ترجمته.
[ ١ / ٩١ ]
١٨٢- والمسلك الثاني للأصحاب: أن المعدوم يجوز أن يكون مأمورا به فلا يمتنع أن يكون مأمورا وهذا عرى عن التحصيل فإن المعنى بكون المعدوم مأمورا به أن المخاطب اقتضى منه أن يوقع ما ليس واقعا وهذا لامتناع فيه بل هو مقصود الآمر فأما تقدير تعليق الأمر بالمعدوم وتوجيه الطلبة عليه فلا يضاهي ما تمسك به هذا القائل من تقدير كون المأمور به غير محصل عند توجيه الطلب به فقد سقط المسلكان.
١٨٣- فإن قيل: فما الذي ترونه؟ قلنا: نذكر طريقة للشيخ على أقصى الإمكان ثم ننبه على غائلة هائلة ونحيل التقصي عنها على فن الكلام.
فالذي ذكر الشيخ ﵀ أنه لا يمتنع قيام الأمر منا بالنفس مع غيبة المأمور فإن المزمع على أمر غائب يجد في نفسه الأمر على حقيقته وجدان العلم والإرادة وسائر معاني النفس ثم إذا شهد المأمور ارتبط [به الأمر] عند بلوغه إياه وإذا لم يمتنع ذلك في كلامنا فهو المعنى بثبوت الأمر أزلا.
١٨٤- ثم قال شيخنا ﵀: المعدوم مأمور على تقدير الوجود وليس هو على حكم المأمورين ناجزا والعدم مستمر وغرض المسألة إثبات الأمر أزلا من غير مأمور ولا محاولة إثبات المنتفي مأمورا مع استمرار العدم.
وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة إذ قالوا: لو كان الكلام أزليا لكان أمرا ولو كان أمرا لتعلق بالمخاطب في عدمه فإذا بينا أنه لا يمتنع ثبوت الأمر من غير ارتباط بمخاطب فقد اندفع السؤال فال الأمر إلى أن المعدوم مأمور على شرط الوجود وهذا منتهى مذهب الشيخ ﵁.
١٨٥- فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول وقول القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس فإنه إذا وجد ليس معدوما ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا.
وإذا لاح لك بقي النظر في [أمر بلا مأمور] وهذا معضل الأرب فإن الأمر من الصفات المتعلقة بالنفس وفرض متعلق له محال والذي ذكره في قيام الأمر بنا في غيبة المأمور فهو تمويه ولا أرى ذلك أمرا حاقا وإنما هو فرض تقدير وما أرى الأمر لو كان كيف يكون وإذا حضر المخاطب قام بالنفس الأمر الحاق المتعلق به والكلام الأزلي ليس تقديرا فهذا مما نستخير الله تعالى فيه وإن ساعف الزمان أملينا.
[ ١ / ٩٢ ]
مجموعا من الكلام ما فيه شفاء الغليل إن شاء الله تعالى.
مسألة:
١٨٦- ذهب الأصوليون من أصحاب الشيخ أبي الحسن ﵁ إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به ونقلوا عن المعتزلة خلافهم في ذلك ومصيرهم إلى أن الحادث لا يتصف بكونه مأمورا به في حال الحدوث وبنى المشايخ هذه المسألة على الإستطاعة وتعلقها بالفعل حالة الحدوث [وزعموا على أن الحادث يتصف بكونه مقدورا عليه في حال الحدوث] وزعموا [أيضا] أنا من حيث نعتقد كون الحادث مقدورا بالقدرة الحادثة متعلقا للاستطاعة نحكم على مقتضى ذلك بكونه مأمورا به إذا ثبت الأمر فيه.
والمعتزلة بنت على أصلها [في] استحالة تعلق الأمر بالحادث من حيث قالوا [الحادث] ليس متعلقا للقدرة كالباقي المستمر الوجود وما لا يكون مقدورا لا يكون مأمورا به.
ومذهب شيخنا ﵀ أن القدرة الحادثة تقارن حدوث المقدور ولا تسبقه وليس امتناع [تقدمها] متلقى من قضايا القدرة فإن القدرة الأزلية متقدمة على الحوادث لا محالة وإنما امتنع تقدم القدرة الحادثة على رأى أبي الحسن ﵀ من جهة اعتقاده استحالة بقائها وهذا مطرد عنده في الأعراض أجمع ولو تقدمت القدرة لعدمت عند حدوث المقدور فلا يكون المقدور متعلقا للقدرة وذلك مستحيل عنده فكان اشتراطه اقتران القدرة الحادثة بالمقدور مأخوذا مما نبهت عليه من أصله.
ومذهب أبي الحسن ﵀ مختبط عندي في هذه المسألة فأما مصيره إلى تعلق القدرة الحادثة بالحادث في حال حدوثه فلست ألتزم الان ذكر مباحثني عنه ولكن أكشف السر في مقصود المسألة وأضمنه رمزا ليستقل به المستفل البصير فيما هو المختار الحق ولتقع البداية أولا بغرض المسألة فأقول:
١٨٧- أولا: لا حاصل لتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي الحسن ﵀ فإن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام وقد قدرة له على القيام عند أبي الحسن [في حالة القعود] فكيف يستتب له تلقى حكم تعلق الأمر من تعلق القدرة ومن لا قدرة له أصلا مأمور عنده ثم لو تنزلنا على حكمه في.
[ ١ / ٩٣ ]
المصير إلى أن الحادث مقدور فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به فإن اقتران القدرة بالحادث معناه أنه بها وقع وهي في اقتضائها له نازلة معه منزلة العلة المقترنة بالمعلول الموجبة على رأى من يثبت العلة والمعلول فهذا وجه هذه المسألة إن اتجه.
وإن تفطن ذكى لوجه الحق خطر له في معارضة ذلك أن القدرة لا توجب المقدور لعينها إذ لو أوجبته لاستحال خلو القدرة عن المقدور وذلك يبطل إثبات القدرة الأزلية فإنها غير مقارنة للحوادث ولو فرض اقتران العالم بها لكان أزليا [والأزلي] يستحيل أن يكون مقدورا وفي خروجه عن كونه مقدورا سقوط القدرة فإن القدرة من غير مقدور محال.
ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة التمكن من الفعل وهذا إنما [يعقل] قبل الفعل وهو غير متخيل في واقع حادث في حالة الحدوث.
فلو سلم مسلم لأبي الحسن ﵀ ما قاله في القدرة جدلا من تنزيل القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول وهيهات أن يكون الأمر كذلك "ولو" كان فلا يتحقق معه كون الحادث مأمورا به فإن الأمر طلب [و] اقتضاء وكيف يتصور أن يطلب كائن ويقتضى حاصل فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير.
نعم قد يقال في الحادث هذا هو الذي أمر المخاطب به فأما أن ينجزم القول في تعلق الأمر به طلبا واقتضاء مع حصوله فلا يرتضى هذا المذهب لنفسه عاقل.
مسألة.
١٨٨- ذهب أصحابنا إلى أن المخاطب إذا خص بالخطاب ووجه الأمر عليه أو كان مندرجا مع اخر تحت عموم الخطاب وهو في حالة اتصال الخطاب به مستجمع لشرائط المكلفين فهو يعلم كونه مأمورا قطعا.
١٨٩- ونقلوا عن المعتزلة مصيرها إلى أنه لا يعلم ذلك في أول وقت توجه الخطاب عليه ما لم يمض زمان الإمكان ومتعلقهم فيه أنه غير عالم ببقاء الإمكان له إلى وقت انقراض زمان يسمع الفعل المأمور به والإمكان شرط التكليف والجاهل بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة.
١٩٠- وسلك القاضي ﵀ مسلكين: يتضمن أحدهما التشغيب.
[ ١ / ٩٤ ]
المحض وذلك أنه قال أجمع المسلمون قاطبة قبل أن أظهر المعتزلة هذا الرأي [على] أن المكلفين على علم بكونهم مأمورين ومن أبى ذلك والتزم إطلاق القول بأنه ليس على البسيطة من يعلم كونه مأمورا فقد باهت الشريعة وراغم أهل الإجماع.
وهذا الذي ذكره ﵁ تهويل لا تحصيل وراءه فإن إطلاقات الشرع لا تعرض على مأخذ الحقائق وإنما تحمل على حكم العرف والتفاهم الظاهر وهذا كإطلاق الشرع تحريم الخمر وإنما المحرم تناولها وكإطلاق المسلمين إضافة القتل إلى القاتل مع القطع بأن إزهاق الأرواح من الأشباح من مقدورات الإله ﷾:.
والمسلك الثاني للقاضي يلتفت إلى أصله في النسخ فإن من مذهبه أن الحكم يثبت قطعا ثم يرفع بعد ثبوته بالنسخ فقال بانيا على ذلك إذا توجه الأمر على المخاطب ثم فرض موته أول زمان إمكانه فقد تحقق حكم الخطاب أولا قطعا فإن انقطع الإمكان انقطع بانقطاعه ما كان ثبت قطعا كما نبهنا عليه في النسخ.
وهذا عندي في نهاية السقوط فإن القاضي يسلم أن الإمكان شرط توجه الأمر ولا يؤمر إلا متمكن فإذا تبين بعد تقرير اتصال الأمر زوال التمكن فكيف يعتقد ثبوت التكليف وقد بان آخر أن لا إمكان ولا وجه إذا بان ذلك إلا الإطلاق بأنا تبينا أن الأمر لم يكن متوجها فلا يتوجه القطع بتوجه أمر تكليف إلا مع القطع بالإمكان أو مع اعتقاد التكليف من غير إمكان وهذه قسمة بديهية لا يتصور مزيد عليها.
١٩١- فقد خرج عن المباحثة أن المختار ما عزى إلى المعتزلة في ذلك.
وأما النسخ فسنأتي فيه بالعجائب والآيات إن شاء الله تعالى.
وقد نجز بنجاز هذه المسألة أحكام الأوامر الكلية ونحن الآن نأخذ في النواهي إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٩٥ ]