٢٣٦- وضبط هذا القسم في غرضنا أن اللفظ إذا كان في اقتضاء معناه من عموم أو خصوص أو ما عداهما بحيث لا يفترض انصرافه عن مقتضاه بقرائن حالية وفرض سؤال وتقدير مراجعة واستفصال في محاولة تخصيص أو تعميم فهو الذي نعنيه ولا يتطرق إلى هذا القسم إلا إمكان انطلاق اللسان بكلم في غفوة أو غفلة وهو الذي يسمى الهذيان أو إجراء كلمة ناصة في الوضع في معرض حكاية أو محاولة تقويم اللسان على نضد حروفها.
فإذا فرض انتفاء تخيل الهذيان به والتفاف اللسان وقصد الحكاية ومحاولة تقويم نظم الحروف وتحقق قصد مطلق اللفظ إلى استعماله في معناه الموضوع له فلا يتصور وراء ذلك انحراف اللفظ وانصرافه عن معناه الذي وضع له وهذا كذكر عدد في اللفظ معدود فإنه ناص في المسميات المعدودة لا محيد عنها بتخيل قرينة وكذلك ما لا يتطرق إليه تأويل.
فهذا طرف والمقصود منه رمز إلى المرتبة العليا في النص لا استيعاب الأقسام.
٢٣٧- والطرف الأخير هو المصدر فإنه غير مختص بواحد من الأحداث وليس موضوعا أيضا للعموم واستغراق الجنس.
وقد قال بعض من حوم على التحقيق ولم يرد مشرعه: إن المصدر صالح للجمع وليس موضوعا للإشعار به وهو في حكم اللفظ المشترك بين مسميات فإنه صالح لآحادها على البدل وليس موضوعا لجميعها كالجموع والصيغ العامة وكذلك المصدر صالح للواحد وللجمع غير موضوع لقصد الاحتواء على آحاد الجنس وهذا.
[ ١ / ١١٥ ]
زلل وذهول عن مدرك الحق ومسلك العربية.
والقول البين فيه أن المصدر لا يصلح للجمع ولا يتهيأ للإشعار به فلو قصد به [مطلقه] جمعا لم يكن كالذي يقصد [بإطلاق المعين] بعض ما يسمى به فإن المصدر على رأى الكوفيين مرتب على الفعل فرع له وهو أصل الفعل على رأى البصريين والفعل يتفرع عنه وقد يستحيل تخيل الجمع في الفعل فالمصدر في هذا المعنى حال محل الفعل وإن كان اسما ولم يوضع المصدر إلا لتأكيد الفعل فأما أن يكون للإشعار بواحد أو بجمع أو بالتهيؤ للصلاح لهما فلا فإنه ناء عن هذا الغرض ولو فرض اقتران قرينة بذكر المصدر مشعرة بالجمع فلا يصير المصدر مقتضيا جمعا لمكان القرينة بل القرينة قد يفهم منها قصد الجمع وهو كما إذا اقترنت بالفعل.
فحاصل القول في ذلك أنه لا مناسبة بين المصدر وبين الجمع لا من جهة الوضع له ولا من جهة التهيؤ والصلاح.
فإن حاول المتكلم التعرض للعدد رد المصدر عن حكم إطلاقه وزاد هاء فوجد ثنى وجمع فقال ضربته ضربة وضربتين وضربات.
فإن قيل: أليس يحسن أن يقال ضربته ضربا كثيرا فلو لم يكن مشعرا بالعدد لما جاز وصفه بالكثرة وعن هذا صار بعض أهل العربية إلى أن المصدر صالح للجمع وإن لم يكن مشعرا به كما حكيته [قبل هذا] عن بعض الأصوليين.
قال سيبويه: قول القائل كثيرا صفة والموصوف لا يشعر بالصفة ولو أشعر بها لاستغنى بنفسه عنها ولجرت الصفة مجرى التأكيد للموصوف إذا قال القائل رأيت زيدا نفسه وليس الأمر كذلك فقول القائل ضربت زيدا ضربا كثيرا كقوله ضربت.
زيدا ضربا شديدا والسر في ذلك المصدر صالح لأن يوصف بالكثرة كما أن الرجل صالح لأن يوصف بجهات وليس اسم الرجل موضوعا لها ولا مشعرا بشيء منها فلينظر طالب هذا الشأن في ذلك وليتبين الفرق بين صلاح اللفظ للشيء وضعا وبين صلاحه للوصف به فهذا بيان الطرفين.
٢٣٨- فأما القسمان المتوسطان فعلى مرتبتين نحن [واصفوهما]:.
أحد القسمين: ما وضع في اللسان للعموم فلو لم تثبت قرينة وتبينا انتفاءها.
[ ١ / ١١٦ ]
لقطعنا باقتضاء اللفظ للعموم نصا ومن هذا القسم الاسم الواقع شرطا وهو منحط عن النص في المرتبة الأولى من جهة أن النص لا يغير مقتضاه قرينة كما تقدم وإذا اقترن بالشرط ما يقتضي تخصيصا حمل على المخصوص ولم يعد خلفا ولا كلاما مثبجا وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا أجرى ذكر أقوام معدودين فقال صاحب المجلس من أتاني أعطيته دينارا أمكن أن يحمل على الذين جرى ذكرهم.
٢٣٩- وأما القسم الثاني من القسمين المتوسطين: فهو الجمع الذي ليس جمع قلة فهو فيما يزيد على أقل الجمع إن انتفت القرائن المخصصة ظاهر وليس بنص فلا يبعد أن مطلق الجمع أراد خصوصا ولا ننكر ذلك في نظم الكلام بخلاف أدوات الشرط وهذا ينحط عن القسم الثاني ومن أحاط بهذه الأقسام اتخذها مرجعه في كل مشكل وأقامها ذريعة في صدر باب التأويلات كما سيأتي إن شاء الله.
وبنجاز الأقسام يتبين اختيارنا في القول في العموم والخصوص وما يقع نصا منهما وظاهرا ونحن بعد ذلك نرسم المسائل في التفاصيل ونذكر في كل مسألة ما يليق بها والله الموفق للصواب.
مسألة:
٢٤٠- ذكر سيبويه١ وغيره من أئمة النحو أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة وهذا مشكل جدا فإن مصادمة الأئمة في الصناعة والخروج عن رأيهم لا سبيل إليه والرجوع في قضايا العربية إليهم والاستشهاد في مشكلات الكتاب والسنة بأقوالهم والأصوليون القائلون بالعموم مطبقون على حمل جمع السلامة إذا تجرد عن القرائن المخصصة على الاستغراق وصائرون إلى تنزيله منزلة جمع الكثرة من أبنية التكسير فأهم مقصود المسألة محاولة الجمع بين مسالك الأئمة.
٢٤١- والذي استقر عليه نظري في ذلك ما أنا مبديه الآن قائلا كل اسم علم معرفة إذا ثنى فقد خرج عن كونه معرفة وكذلك إذا جمع فإذا قلت زيد [وأنت] تريد اسم العلم فقد عرفت فإذا قلت زيدان فقد نكرت باتفاق أئمة العربية وكذلك إذا قلت زيدون.
والسبب فيه أن الاسم المفرد العلم إنما يكون معرفة من حيث يعتقد أن المسمى.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته.
[ ١ / ١١٧ ]
منفرد في قصد المسمى حتى كأنه لا يرى حالة إطلاق الاسم العلم مشاركة فيه لغير المسمى [فليس قول] القائل أقبل زيد على تقدير: أقبل زيد من الزيود إذ لو كان كذلك لكان بمثابة قول القائل جاء رجل فالعلم موضوع بين المخاطب والمخاطب على اعتقادهما اتحاد المسمى به فإذا ثنيت أو جمعت فقد ناقضت ما منه تلقى التعريف من اعتقاد الاتحاد وقد بنيت الكلام على تعدد المسمى بزيد فإذا لاح ذلك تبين أنه لا يتعرف المثنى والمجموع إلا بالألف واللام وهما يعرفان كل نكرة فنعود بعد ذلك إلى مال الكلام في المسألة.
٢٤٢- ونقول: ما نراه أن كل جمع نكرة فإنه لا يتضمن استغرقا ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ ١ فإذا عرف ولم يكن على بناء التقليل فهو للأستغراق قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ٢.
وهذا التفصيل يلتحق بما قدمناه من تفصيل القول في الجموع.
والذي يحصل الغرض في ذلك أنه لا منكر إلا ويليق به المعرفة من مستنده إلى الجمع المعرف فتقول رأيت رجلا من الرجال كما تقول رأيت رجالا من الرجال فالذي قاله سيبويه في جمع السلامة إذا لم يعرف وقد ذكر حمله على القلة إذ ذكر حكم التثنية والجمع على التخصيص.
ولو فرض دخول الألف واللام في الاسم الواحد فقد يقتضي ذلك إشعارا بالجنس كما سيأتي بعد ذلك فتقول الدينار أعز من الدرهم وأنت تبغي تفضيل الجنس على الجنس وقد ينتظم من ذلك أن كل جمع في عالم الله فإنه لا يقتضي الاستغراق بوضعه وإنما يتم اقتضاء الاستغراق بالألف واللام المعرفين فليتأمل الناظر هذا السبر وليعلم أن الجمع من غير تقدير تعريف لأقل الجمع.
فإذا عرف ففيه الخلاف فأصحاب الخصوص يحملون الجمع وإن عرف على أقل الجمع ويأبون ظهوره فيما عداه وهذا زلل فإن خصصوا قولهم بالجمع المنكر فلا خلاف بيننا وبينهم وبهذا يتضح اختيارنا وهو استكمال الكلام.
مسألة:
٢٤٣- قال أصحاب العموم النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص.
_________________
(١) ١ آية "٦٢" سورة "ص". ٢ آية "١٣" سورة الانفطار.
[ ١ / ١١٨ ]
فلا بد من تفصيل القول في الطرفين عندنا.
فأما قولهم: النكرة في الإثبات تخص فغير مطرد فإن النكرة الواقعة في سياق الشرط محمولة على العموم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا بمال مخصوص والسبب فيه أن النكرة إنما عمت في النفي لأنها في نفسها ليست مختصة [بمعين] في قول القائل ما رأيت رجلا والنفي لا اختصاص له فإنه نقيض الإثبات فإذا انضم النفي إلى التنكير اقتضى اجتماعهما العموم والشرط لا اختصاص له بل مقتضاه العموم فالنكرة الواقعة في مساقه محمول عليه وحكم عموم الشرط [منبسط] عليه إذ لو اختص المال لاختص الشرط المتعلق به والاختصاص نقيض وضع الشرط المطلق فهذا على قولهم النكرة في الإثبات تخص.
فأما قولهم: النكرة في النفي تعم ففيه تفصيل لطيف.
فأقول: إذا قال القائل ما رأيت رجلا فهذا ظاهر في نفي الرؤية عن جنس الرجال والتأويل يتطرق إليه قال سيبويه: يجوز أن يقول القائل: ما رأيت رجلا وإنما رأيت رجالا وإذا كان ينتظم الكلام على هذا الوجه فليس التنكير مع النفي نصا في اقتضاء العموم غير قابل للتأويل ووجه تطرق الاحتمال إليه الذي نبهنا عليه فإذا قال القائل ما جاءني من رجل لم يتجه فيه غير التعميم فإن "من" وإن جرت زائدة فهي مؤكدة للتعميم قاطعة للاحتمال الذي نبهت عليه والنكرة إذا جرت في مساق شرط لم يتطرق إليها التأويل المذكور في النفي ولم يسغ حملها من غير قرينة مخصصة على الخصوص.
مسألة:
٢٤٤- اللفظ الموضوع للإشعار بالجنس الذي واحده بزيادة هاء كالتمر والتمرة والشجر والشجرة وبابهما مما تردد فيه أصحاب العموم وهذه المسألة نجمع إليها أخرى [ونفصل بينهما] .
فإذا قال القائل: الرجل أفضل من المرأة فهذا مما ترددوا فيه أيضا فقال قائلون من المعممين: هو [للاستغراق والاستيعاب للجنس] وأنكر اخرون مقتضى الاستغراق فيه.
[ ١ / ١١٩ ]
والرأي الحق عندي والله أعلم البداية بالمسألة الأخيرة أن الرجل يعرف على بناء تنكير سابق فيقول القائل أقبل رجل ثم يقول قرب الرجل والتقدير من ذكرته مقبلا قد قرب فهذا تعريف [مرتب] على تنكير سابق فلا يقتضي هذا ولا ما في معناه استغراقا وانطباقا على الجنس.
وإذا قال القائل الرجل أفضل من المرأة ولم يسبق تنكير ينعطف التعريف عليه فهذا للجنس ومنه قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ١، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ٢ فإن من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا فإن لاح في الكلام قصد الجنس في مثل قول القائل الدينار أشرف من الدرهم ولم يسبق تنكير ينعطف عليه التعريف فهو للاستغراق وإن جرى هذا الكلام ولم يدر أنه خرج [تعريفا لمنكر سابق أو إشعارا] بجنس فالذي صار إليه معظم المعممين أنه للجنس.
والذي أراه أنه مجمل فإنه حيث يعم لا يعم لصيغة اللفظ وإنما يثبت عمومه وتناوله الجنس بحالة مقرونة معه مشعرة بالجنس فإذا ورد اللفظ وليس جمعا ولا موضوعا للإبهام المقتضى للاستغراق كما يجري في أدوات الشرط فالأمر متلقى في الخصوص والعموم من القرينة فإذا لم ندرها لم يتجه إلى التوقف.
فإن قيل: أرأيتم لو قطعنا بانتفاء قرينتي العموم والخصوص فماذا ترون قلنا لا ينتظم الكلام من قاصد إلى هذا اللفظ إلا مترتبا على تنكير أو مشعرا بجنس في قصد المتكلم ففرضه من المتكلم على منتظم الكلام عربا عن إحدى قرينتي العموم والخصوص في مقال أو حال محال فهذا قولنا في هذا الطرف.
٢٤٥- وأما التمر والتمرة فمطلق اللفظ الذي واحده بزيادة الهاء للعموم عند محققي المعممين.
وأنكر بعض أصحاب العموم ذلك من حيث أنه غير مستعمل في سياق وضعه للإبهام كالشرط وليس جمعا أيضا وربما استمسك هؤلاء بأنه يجمع في نفسه فيقال تمور.
وهذا لا حاصل له فإن الإبهام والجمع عند منكري العموم في ألفاظ الجنس.
_________________
(١) ١ آية "٢" سورة "النور". ٢ آية "٣٨" سورة المائدة.
[ ١ / ١٢٠ ]
ثابته أيضا ووضوح ثبوتها يغنى عن بسط القول فيها وما ذكروه من جمع التمر على تمور مردود من وجهين أقربهما أنه يعارضه امتناع قول القائل: تمر واحد وهذا أظهر من متعلقهم ثم [التمور] جمع من حيث اللفظ وقد قال سيبويه: الناقة تجمع على نوق النوق على نياق وهما جميعا من أبنية الكثرة ثم النياق على أينق وهو مقلوب أنوق أو أينق في أمور تصريفية والأفعل جمع القلة وهذا الجمع مردود إلى ألفاظ أقوام قالوا: نياق.
ومن بديع ما يتفطن له الفطن في ذلك أن التمر المطلق أحرى باستغراق الجنس من التمور فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية والتمور ترده إلى تخيل الوحدان ثم الاستغراق بعده بصيغة بعده بصيغة الجمع وفي صيغة الجمع مضطرب بينهم وسرها يتبين في أقل الجمع.
مسألة:
٢٤٦- اللفظ المشترك كالقرء واللون والعين وما في معناها إذا ورد مطلقا فقد ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه إذا لم يمنع منه مانع ولم يفرق هؤلاء بين أن يكون اللفظ حقيقة في محامله وبين أن يكون حقيقة في بعضها مجازا في بعضها.
وهذا ظاهر اختيار الشافعي١ فإنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢ فقيل له: قد يراد بالملامسة المواقعة قال: هي محمولة على اللمس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا.
وقال قائلون: اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا محمول على الحقائق ولا يحمل على الحقيقة والمجاز جميعا.
وعظم [نكير] القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعا وقال في تحقيق إنكاره اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على معنى وضعت له في أصل اللسان وإنما تصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع وتخيل الجمع بين الحقيقة والمجاز كمحاولة الجمع بين النقيضين.
٢٤٧- والذي أراه أن اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا لم يحمل في موجب.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ آية "٤٣" سورة النساء.
[ ١ / ١٢١ ]
الإطلاق على المحامل فإنه صالح لاتخاذ معان على البدل ولم يوضع وضعا مشعرا بالاحتواء عليها فادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز.
فإن قيل: يجوز أن يراد به جميع محامله قلنا: لا يمنع ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك مثل أن يذكر الذاكر محامل العين فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين ويتبين من حاله أنه يريد تطبيقه على جميع ما جرى.
فإن قيل: فهل ترون حمل اللفظ على وجه في الحقيقة وآخر في المجاز قلنا: نعم لا ننكره مع قرينة.
فإن قيل: بم تنفصلون عما ذكره القاضي؟ قلنا ما ذكره يئول إلى اشتقاق لفظ المجاز والحقيقة فإذا رد الكلام إلى حمل الملامسة على الجس باليد الوقاع فهما معنيان كغيرهما فهذا منتهى القول في ذلك.
مسألة في ألفاظ الشارع في حكايات الأحوال:
٢٤٨- قال الشافعي: ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال.
ونحن نضرب لذلك مثالا ننزل عليه بيان الغرض روى أن غيلان١ أسلم وتحته عشر نسوة فقال [له] رسول الله صلى الله عليه وسلم٢: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ولم يسائل غيلان عن كيفية عقوده عليهن في الجمع والترتيب فكان إطلاقه القول دالا على أن لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو تجري عقود مرتبة.
٢٤٩- وهذا فيه نظر عندي من حيث إنه لا يمتنع أن الرسول ﵇ كان عرف ذلك فنزل جوابه على ما عرف ولم ير أن يبين لرجل حديث العهد بالإسلام علة الحكم ومأخذه وعليه يجري معظم الفتاوي والمفتي يطلق جوابه للمستفتي إذا رأى الجواب منطبقا على وفق الحادثة وإن كان ذلك الحكم لو أرسل لفصل فهذا وجه.
_________________
(١) ١ غيلان: هو ابن شرحبيل الثقفي أسلم يوم الطائف وأسلم أولاده له ترجمة في: الإصابة ٣/١٨٩-١٩٠. ٢ الترمذي في: النكاح "٣٣" وابن ماجه في: النكاح "٤٠" زمالك في: الطلاق "٧٦" والبيهقي ٧/١٨١ وشرح السنة ٩/٨٩، والمشكاة "٣١٧٦".
[ ١ / ١٢٢ ]
وإن تحقق استبهام الحال على الشارع ﷺ وصح مع ذلك أنه أرسل جوابه فهذا يقتضي لا محالة جريان الحكم على التفاصيل واسترساله على الأحوال كلها ولكنا لا نتبين في كل حكاية تنقل إلينا أنها كانت مبهمة في حق الرسول وجوابه المطلق كان مرتبا على استبهامها فمن هذه الجهة لا يبقى مستمسك في محاولة التعميم وادعاء قصد ظهوره في حكايات الأحوال المرسلة.
ولكن وجه الدليل مع هذا واضح في قضية غيلان١ فإنه ﷺ قال له٢: "أمسك أربعا" فأجملهن ولم يخصص الإمساك بالأوائل عن الأواخر وفوض الأمر فيه إلى خيرة من كان أسلم.
وقال لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين، "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى".
٢٥٠- ثم نقل أصحاب المقالات عن أبي حنيفة أنه عمم أمورا لا يصير إلى تعميمها شاد في الأصول فضلا عمن يتشوف إلى التحقيق فمنها أنه قال إذا روى الراوي أن الرسول ﷺ قضى في كذا بكذا اقتضى ذلك عموم القضاء في غير المحل المنقول مثل ما روى أنه قضى بالكفارة على من جامع في نهار رمضان وزعم أبو حنيفة أن هذا يعم كل إفطار وهذا إن قاله تلقيا من اللفظ ومقتضى مساق الكلام فهو خرق بين وإن قاله قياسا فمسلك القياس غير مردود على الجملة.
وقد قال الشافعي فيما نقله الرواة عن رسول الله ﷺ أنه قضى في الأموال بالشاهد واليمين فهذه الحجة تختص بمحلها كما نقلت واللفظ لا يشعر بعمومه والأقيسة لا جريان لها في مراتب البينات فإنها مستندة إلى التعبدات.
مسألة في أقل الجمع:
٢٥١- قد اضطرب رأي العلماء في ذلك فذهب ذاهبون إلى أن أقل الجمع ثلاثة وهذا المذهب يعزى إلى ابن عباس وابن مسعود ولم ينقل عنهما تنصيص على ذلك ولكن تبين مذهب ابن عباس بمصيره إلى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس لأن المذكور في كتاب الله تعالى الإخوة وظهر للناقلين مذهب ابن مسعود من مصيره إلى أن الثلاثة إذا اقتدوا برجل اصطفوا خلفه وإن اقتدى رجلان برجل وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ولا يصطفان وراء الإمام.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبق تخريجه.
[ ١ / ١٢٣ ]
وظاهر مذهب الشافعي في مواضع تعرضه للأصول يشير إلى هذا وذهب ذاهبون إلى أن أقل الجمع اثنان والأستاذ أبو إسحاق ﵀ يمل إلى هذا وقد ذهب إليه جمع من المعتزلة.
٢٥٢- وحق الناظر في هذه المسألة أن ييئس من العثور على مغزاها ما لم يستكملها فإن المقصود منها يتبين على تدريج والذي أرى استفتاح الكلام به أن الصائرين إلى أن أقل الجمع اثنان ربما يستمسكون بأشياء لا معتصم فيها وأنا [أفيد] الناظر بذكر ما يتمسك به هؤلاء أمرين.
أحدهما بطلان استدلالهم والثاني إيضاح تمييز [مباينة مسلكهم] عن محل النزاع.
فمما ذكروه قوله تعالى في شأن عائشة١ وحفصه٢ ﵄: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٣ والمراد بذلك قلباكما.
وهذا قلة معرفة بالعربية فإن مالا يتعدد من شخصين فالتعبير في اللغة الفصيحة عنهما بصيغة الجمع فهذه صورة مستثناة ولها باب وقياس والدليل على سقوط الاستشهاد بها أن ذكر صيغة التثنية غير مستحسن في هذا الفن.
ومما تمسكوا به الضمير الذي يعني به المتكلم نفسه وغيره متصلا ومنفصلا فالضمير المنفصل في ذلك قول القائل نحن والمتصل كقوله فعلنا قالوا أقل معنى هذا الفن وهو جمع اثنان.
وهذا أيضا مستثنى عن محل الخلاف فإنه باتفاق أهل اللسان موضوع لتعبير المرء عن نفسه وغيره سواء كان واحدا أو جمعا واللغات لا تثبت قياسا كما سبق تقريره وإنما معتمدها النقل فمن حاول إثبات شيء من اللغة تلقيا من قياس بعضها على بعض فقد جانب مسلك السداد في مآخذها.
_________________
(١) ١ عائشة هي: أم المؤمنين بنت أب بكر التيمية تكنى بأم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير تزوجها رسول الله ﷺ قبل الهجرة بمكة ومناقبها عديدة روت عن النبي ﷺ في كتب الحديث كلها مات سنة "ست وخمسين لها ترجمة في: الإصابة ٤/٣٤٨، وشذرات الذهب ١/٦١، والنجوم الزاهرة ١/١٥٠. ٢ حفصة هي: أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث ماتت سنة "٤٥" لها ترجمة في: الرياض المستطابة ص "٣١٢". ٣ آية "٤" سورة التحريم.
[ ١ / ١٢٤ ]
فإذا آل الخلاف إلى صيغ الجموع التي تترتب في صيغ وضع اللسان مسبوقة بصيغ التثنية سواء كانت للسلامة أو للتكسير فنقول: رجلان ورجال ومسلمان ومسلمون فإذا تعين محل النزاع فليقع الكلام وراء ذلك.
فمن ركيك الكلام وغثه تشبيب من ذكرناه باشتقاق الجمع ومصيرهم إلى أن الواحد إذا جمع إلى مثله فقد تحقق فيهما معنى الجمع فإن الخلاف ليس في معنى لفظ الجمع المنتظم من الجيم والميم والعين وإنما الخلاف في حمل الرجال على رجلين والمسلمين على مسلمين فإن سمى مسم بعض هذه الألفاظ جمعا فلا يحكم بهذه اللغة التي استحدثها المتأخرون على موضوع اللفظ.
٢٥٣- فإن قيل: فما المرتضى الآن؟ قلنا هذه المسألة موضوعة على رأى المعممين فمطلق اللفظ معناه في مختارنا ما سبق وإن روجعنا في جواز رد اللفظ عند قيام المخصصات على اثنين أو ثلاثة فعند ذلك ننادى ونقول: إن صار صائرون إلى أنه يمتنع رد معنى اللفظ بالتخصيص إلى اثنين فنحن لا نمنع هذا فقد يبدو للرجل رجلان فيقول: أقبل الرجال ونحن لا نسوى مع ذلك بين الثلاثة والاثنين والرد إلى الثلاثة أهون من الرد إلى اثنين ويستدعي الرد إلى اثنين من ظهور مستند التأويل ما لم يستدعه الرد إلى ثلاثة على ما سنوضح ذلك في كتاب التأويلات إن شاء الله تعالى.
والذي أراه أن الرد إلى رجل واحد ليس بدعا أيضا ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين بكثير وها أنا أنزل هذه المراتب الثلاث على حقائقها ليتضح مأخذ كل مرتبة.
٢٥٤- أما فرض الرد إلى واحد فنضرب مثاله ثم نذكر سبيله ومجاله فإذا برزت المرأة لرجل حسن من بعلها أن يقول في توبيخها أتتبرجين للرجال يالكعاء؟ وإن لم تتبرج إلا لواحد وسبيل ضبط هذا القسم [في غرضنا] أن لا يعتقد أنه من مقتضى اللفظ لا في الأقل ولا فيما يزيد عليه ولكن إذا تبين في مقصود المتكلم استواء الواحد والجمع فلا يبعد إطلاق الجمع عند ظهور الواحد من الجنس من جهة أن الأنفة والحمية إنما سببها التبرج للجنس آحادا وجمعا والذي ينقم منها في الواحد ينقم منها في الجنس.
فإذا لاح الفن الذي أشرنا إليه في صوب قصده كان لفظ الجمع كلفظ الواحد ولعل لفظ الجمع أمثل وأشكل وأوفق للقصد والغرض فإذا لم يكن في.
[ ١ / ١٢٥ ]
الكلام هذا النوع أو ما يدانيه لم ينقدح حمل صيغة الجمع على الواحد فإن تحققنا عدم هذا الفن فلا وجه للرد للواحد وإذا ترددنا في اقتران مثل ذلك باللفظ [تردد] وقوفنا عن القطع من جهة عدم الإحاطة بوجود القرينة وانتفائها فهذا ما أرضاه في هذه المرتبة.
٢٥٥- فأما الرد إلى اثنين فيسوغ [بما] يسوغ به الرد إلى الواحد ويسوغ بجنس آخر وهو الإشعار بما يزيد على الثالث والجمع فيه من غرض التناصر فيقول القائل إذا بدا رجلان يخافهما وكان لا يبالي بالواحد منهما أقبل الرجال وإطلاق صيغة التثنية ها هنا أمثل وأوفق للنص على الغرض فإن من يحاذر التجمع يتقى من الثلاثة أكثر مما يحاذره من اثنين فليس أطلاق الرجال بعيدا ولكن الأثر كله للقرينة غير أن القرينة إنما تؤثر مع ما في طباع اللفظ من احتمال أثرها والتقاسيم التي ذكرتها في إيضاح اختياري في صيغة العموم توضح ذلك كله.
٢٥٦- فأما القول في الرتبة الثالثة وهو الرد إلى ثلاثة فلا يستدعي ذلك قرينة حاقة في جنس مخصوص وبهذا تنفصل المسألة نعم إن لم يقم دليل وهو مستند التأويل [فقد] بان وجوب الجريان على الظاهر فجمع الكثرة للاستغراق وإن ظهر دليل هو أوضح في مسالك الظن من ظهور مقتضى اللفظ في الاستغراق فهذا أوان تأويل كما سيأتي إن شاء الله تعالى مشروحا في كتاب التأويل وإن عد ما ظهر مناقضا اللفظ فهذا أوان الوقوف.
٢٥٧- وقد ذكر بعض الأصوليين أن من اثار الخلاف في معنى أقل الجمع أن الرجل إذا قال لفلان على دراهم أو أوصى بدراهم فلفظ المقر والموصى محمول على أقل الجمع فإن قيل أقل الجمع اثنان قبل حمل اللفظ عليهما وإن قيل: أقل الجمع ثلاثة لم يقبل التفسير باثنين وما أرى الفقهاء يسمحون بهذا ولا أرى للنزاع في أقل الجمع معنى إلا ما ذكرته فليعلم الناظر أن معظم الخلاف سببه توسط [النظار] النظر من غير استتمام له وقد ظهر في [العقول] تباين الرتب الثلاث وقل من يوفق لدرك سبب التباين فابتدروا إلى الاختلاف في أقل الجمع ولو هدوا للإحاطة بالغايات لما كان لاختلافهم معنى.
[ ١ / ١٢٦ ]