مسألة:
٣٢٧- عموم الكتاب هل يخصص بالخبر الناص الذي نقله الآحاد اختلف في ذلك الخائضون في هذا الفن فذهب ذاهبون إلى منع ذلك ومتعلقهم فيه أن الكتاب أصله ثابت قطعا والخبر الذي فيه الكلام ناقلوه متعرضون للزلل فلا يجوز أن يحكم على الثابت قطعا بما أصله مشكوك فيه وذهب الفقهاء ال إلى تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.
ورأى القاضي الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب فإن أصل الخبر يتطرق إليه سبيل الظنون المراد بالعموم في الكتاب في مظنة الظنون فضاهى معنى الكتاب في التعرض [للتردد] أصل الخبر الناص فمن ذلك وجب التوقف في قدر التعارض وإجراء اللفظ العام من الكتاب في بقية المسميات.
٣٢٨- والذي نختاره القطع بتخصيص الكتاب بخبر الواحد فإن قدوتنا في وجوب العمل بالظاهر المحتمل والخبر المعرض لإمكان الزلل [سنة] أصحاب رسول الله ﷺ ولولا أنا عثرنا على ذلك من سيرتهم لما كنا نقطع بوجوب عمل مستند إلى الظنون ونحن نعلم أنهم كانوا يرجعون إلى الخبر الناص الذي ينقله كل موثوق به في تفسير مجملات الكتاب وتخصيص الظواهر ويجرون ذلك مجرى التفسير ومن أبدى في ذلك ريبا كان غير واثق بوجوب العمل بأخبار الآحاد.
[ ١ / ١٥٦ ]
وما ذكره القاضي وإن كان متجها في مسلك العقل فالمتبع في وجوب العمل ما ذكرناه ومن شك في أن الصديق ﵁ لو روى خبرا عن المصطفى ﷺ في تخصيص عموم الكتاب لابتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية في قاعدة الأخبار على ما سيأتي إن شاء الله.
مسألة:
٣٢٩- اضطرب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس على النحو المتقدم ومذهب القاضي الوقف كما سبق.
٣٣٠- والمختار عندنا في هذه المسألة الوقف فإنا وجدنا [فيما سلف] معتصما مقطوعا به في مصير أصحاب رسول الله ﷺ إلى الخبر الذي ينقله النقلة في معارضة اللفظ العام من الكتاب ولسنا نجد مثل هذا في القياس ولا يستتب لنا دعوى القطع في تقديم أصحاب رسول الله ﷺ القياس على عموم الكتاب وإذا تعارض الأمر في مسالك الظنون كما ذكره القاضي ولم نجد أمرا مثبوتا سمعيا فيتعين الوقف ثم يحصل من الوقف ما يحاوله الفقيه إذا قدر التعارض فيه وإذا وقف فيه فقد سقط الاعتصام به من لفظ الكتاب ومقصود الفقيه بما يستمسك به من التخصيص شيئان:
أحدهما: إسقاط الاحتجاج بما يعارضه القياس من الظاهر وهذا يستوي فيه المخصص والواقف.
والثاني: الدعاء إلى العمل بالقياس الذي عارضه الظاهر وهذا ينكره الواقف وفيه يختلف المسلكان.
مسألة:
٣٣١- تخصيص الخبر العام المتواتر بالقياس أو الخبر الناص الذي نقله الآحاد كتخصيص عموم الكتاب بهما وقد مضى القول فيه.
فأما تخصيص خبر الواحد العام بالقياس ففيه الخلاف المقدم ورأينا الوقف.
ولا وقع لسبق الناظر إلى اجتماع جهتين من الظن في أصل الخبر وفحواه فإنهما جميعا ينقدحان في القياس ولو لم يظهر إلا وجه واحد في الظن كفى ذلك في اقتضاء الظن الوقف ولسنا نجد أمرا مقطوعا به سمعيا [في أصل الخبر وفحواه] ثم ما أطلقناه من العموم وما ذكرناه من إطلاق القياس كلام مجمل وتفصيله في.
[ ١ / ١٥٧ ]
كتاب التأويل. وكم من لفظ يراه كثير من الناس عاما ولا عموم له عند ذوي التحقيق وكم من لفظ يعتقده الفقهاء ظاهرا وهو عند [ذوي] التحقيق نص.
فهذه الجمل ذكرناها مبهمة وتحقيقها على التفصيل محال على باب التأويلات.
٣٣٢- وذكر الأصوليون في انتظام هذا الفن من الكلام التردد في التخصيص بمذهب الصحابي وهذا سنذكره في كتاب الاجتهاد عند ذكرنا أن أقوال الصحابة إذا لم يستمر الاجتماع فيها هل [تكون] حجة أم لا ونذكر تفاصيل الخلاف والوفاق في هذا النوع.
مسألة في حمل المطلق على المقيد:
٣٣٣- الوجه تنزيل هذه المسألة على مثال أولا حتى إذا جرت المسألة في صورة ذكرنا اختلاف المذاهب في العبارات عن ضبط صور الخلاف والوفاق ثم نذكر معتمد كل مذهب ونتتبع بالنقض كل ما لا يصح ونجرى على دأبنا في إثبات الصحيح بعد البحث عن المسالك الفاسدة فنقول ذكر الله تعالى الرقبة في كفارة القتل وقيدها بالإيمان فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ وذكر الرقبة في كفارة الظهار مطلقة ولم يقيدها بالإيمان فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٢ فاضطربت الاراء.
فرأى الشافعي تنزيل الرقبة المطلقة في كفارة الظهار على التقييد بالإيمان في كفارة القتل ثم اضطربت أصحابه في تأويل مذهبه فذهب ذاهبون إلى أن المطلق محمول على المقيد بحكم اللفظ ومقتضى اللسان ولا حاجة إلى استنباط قياس وإبداء تأويل للمطلق مقيد وهؤلاء يزعمون أن نفس المقيد يوجب تقييد المطلق.
وصار صائرون إلى أن المطلق يحمل على المقيد بقياس مستجمع لشرائط الصحة يقتضي الجمع بين المطلق والمقيد.
٣٣٤- ثم فصل نقلة المذاهب القول وجعلوه ثلاثة أقسام وعبروا عن التقاسيم بعبارتين فقال قائلون إذا اجتمع المطلق والمقيد في واقعة واحدة فالمطلق محمول على المقيد وفاقا وإن وقعا في واقعتين متباعدتين فلا حمل ومثلوا هذا بتقييد.
_________________
(١) ١ آية "٩٢" سورة النساء. ٢ آية "٣" سورة المجادلة.
[ ١ / ١٥٨ ]
الشهادة بالعدالة وجريان ذكر الرقبة في الكفارة مطلقا معرى عن ذكر العدالة والأصلان متباعدان لا يجمعهما مأخذ فلا يحمل المطلق [في أحدهما] على المقيد في الثاني فإن قربت الواقعتان بعض القرب ولم يبعد في مأخذ الظنون تلاقيهما ككفارة الظهار وكفارة القتل فهذا موضع الخلاف فالذي يراه الشافعي حمل المطلق على المقيد في مسألة الخلاف المقدم بين أصحابه.
وهذه العبارة عن الأقسام المشتملة على صور الوفاق والخلاف.
٣٣٥- وذكر آخرون عبارة أقرب من هذه فقالوا: إذا جرى إطلاق وتقييد واتحد قبيل الموجب والموجب فليس إلا حمل المطلق على المقيد مثل أن تطلق الرقبة في كفارة القتل وتفرض مقيدة في مواضع أخر فإذا اختلف الموجب والموجب فلا حمل كالشهادة والكفارة.
وإذا اختلف الموجب واتفق صنف الموجب مثل كفارة القتل وكفارة الظهار فهذا موضع التردد.
٣٣٦- وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم منعوا حمل الرقبة المطلقة في كفارة الظهار على الرقبة المقيدة بالإيمان في كفارة القتل وبنوا حقيقة أصلهم في ذلك على قاعدة لهم في النسخ.
والمسألة حرية بأن تذكر في مسائل النسخ وهي مناسبة لأحكام العموم والخصوص فابتدرناها في كتاب العموم والخصوص ونحن الآن ننبه على ما تخيلوه أخذا من النسخ.
قالوا: قوله في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١ مقتضى الآية إجزاء الرقبة المطلقة فمن قيدها بالإيمان كان زائدا على النص والزيادة على النص نسخ ووجه ادعائهم كونها نسخا أن مقتضى الخطاب يتضمن الإجزاء مع الإطلاق والزائد يرفع الإجزاء في الإطلاق وهو متضمن الآية فاقتضت الزيادة رفع ما تضمنه الإطلاق من الإجزاء فكان ذلك نسخا من هذه الجهة ولا يدعى محقق أن الزيادة اقتضت نسخا على الإطلاق إذا لم تكن مرتبطة بالمزيد عليه بعض الارتباط ووجه الارتباط ما أشرنا إليه من أن اقتضاء الإطلاق الإجزاء دون رعاية صفة في الرقبة فمن زاد صفة كان مدعيا نسخا في الإجزاء المتلقى من مطلق الخطاب.
_________________
(١) ١ آية "٣" سورة المجادلة.
[ ١ / ١٥٩ ]
ولا امتناع في نسخ القرآن على الجملة ولكنه لا يثبت نسخ القرآن بأخبار الاحاد والمقاييس المظنونه وليس مع من شرط الإيمان في رقبة الظهار ما يجوز نسخ القرآن به فهذا منتهى كلام القوم.
٣٣٧- ومن ادعى من أصحاب الشافعي وجوب حمل المطلق على المقيد من طريق اللفظ لم يذكر كلاما به اكتراث وأقرب طريق لهؤلاء أن كلام الله في حكم الخطاب الواحد وحق الخطاب الواحد أن يترتب المطلق فيه على المقيد وهذا من فنون الهذيان فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة لبعضها حكم التعلق والاختصاص ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن في كتاب الله تعالى النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة فقد ادعى أمرا عظيما ولا يغني في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي ومضطرب المتكلمين على الألفاظ وقضايا الصيغ وهي مختلفة لا مراء فيها فسقط هذا الفن ولم يبق بعد سقوطه إلا مسلكان.
أحدهما ما ادعاه أصحاب أبي حنيفة من أن الزيادة على النص نسخ واستقصاء القول في ذلك يأتي في كتاب النسخ.
٣٣٨- ولكنا نذكر الآن [حظ] حكم العموم والخصوص من هذه المسألة وفيه مقنع وبلاغ ونحصر ما نحاوله في ثلاثة أوجه من الكلام أحدهما يحوي مناقضات الخصوم بحيث لا يجدون عنها محيصا وإذا وجهت عليهم سكتوا لها مقرين بالحق أو نطقوا بالصدق فمما يلزمهم اشتراطهم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب وهذا تقييد منهم للمطلق وليقع الإلزام في صفات لم يرجعوا في اشتراطها إلى قاطع كمصيرهم إلى اشتراط نطق الرقبة وامتناع إجزاء الأخرس مع تجويزهم إعتاق الأقطع الذي بقيت له يد فإن هذي هاذون [منهم] وزعموا أن الرقبة يقتضي إطلاقها كمال الخلقة والسلامة مستفادة من إطلاق الرقبة قيل هذا مما لا يرضاه منتسب إلى التحقيق فإنا على اضطرار نعلم أن اسم الرقبة ينطلق على المعيبة انطلاقه على السليمة ولو كانت تسمية الرقبة المعيبة رقبة مجازا لكان تسميتها إنسانا وآدميا مجازا ولا ينتمي إلى التزام هذا المذهب ذو مسكة في عقله ولو أردنا أن نضرب الأيمان في البر والحنث ومجاري إطلاق الألفاظ وجدنا مقالا ومجالا ثم نقول لم أجزأ الأقطع والرقبة مطلقة؟ ولم امتنع إجزاء الأخرس والخلقة كاملة؟ وكيف يرجو الخلاص من مثل هذا الخبط ذو فهم؟ وقد قيد هؤلاء [ذوي] القربى.
[ ١ / ١٦٠ ]
بالفقر والاستحقاق في قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ١ ولم يعتصموا في هذا التقييد بقاطع يجوز نسخ القرآن بمثله فهذا أحد الوجوه الثلاثة.
٣٣٩- والوجه الثاني أن نقول أتدعون أن ذكر الرقبة على الإطلاق نص في إجزاء كل رقبة حتى لو تخيل متخيل اختصاص الإجزاء ببعض الرقاب كان خارما لمقتضى النص خارجا عن الفحوى المقطوع بها؟ أم ترون فهم الإجزاء مظنونا متلقى من الظاهر فإن ادعوا كونه قاطعا بحيث لا يتطرق إليه التأويل كان ذلك بهتانا ومعاندة في مسلك العقول فإن الرب تعالى ذكر الرقبة مطلقة وذكر الطعام والكسوة على الإطلاق ولم يتعرض لتفصيلها وإنما استاقها استياقا لا يشتمل على التزام البيان والتفصيل كما جرى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ فهذه الآي لتأصيل الأصول ولا يمتنع أن يقع البيان في التفاصيل بعد استفادة التأصيل ووضوح احتمال ما ذكرناه يغنى اللبيب عن البسط في ذلك.
وإن اعترفوا بأن الإجزاء ظاهر فقد كفونا المؤنة وأقروا بالحق فإن إزالة الظاهر ليس في حكم النسخ وهذا هو الوجه الثاني من الكلام.
٣٤٠- والوجه الثالث أن الرقبة المطلقة تعم كل رقبة فحملها على خصوص من الرقاب عين التخصيص وقد قسم المحصلون التخصيص قسمين أحدهما قصر على بعض المسيمات من غير فرض تمييز ما وقع القصر عليه من غيره بصفات كحمل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٥ على ثلاثة منهم والقسم الثاني تخصيص تمييز وهو حمل المطلق المتناول في الإطلاق للمختلفات على مسميات متيزة بصفات عن أغيارها كحمل المشركين على أهل الحرب دون المهادين وأهل الذمة وكحمل السرقة على إخراج مخصوص من محل مخصوص في مقدار مخصوص وعلى الجملة المطلق يتناول المختلفات تناول عموم على ظهور لا على [تنصيص لا] يتطرق إليه إمكان تأويل.
٣٤١- وإذا لاح ما ذكرناه بنينا عليه ما نختاره ونقول لا يحمل المطلق عندنا.
_________________
(١) ١ آية "٧" سورة الحشر. ٢ آية "٣٨" سورة المائدة. ٣ آية "٢" سورة النور. ٤ آية "٥" سورة التوبة. ٥ آية "٦٠" سورة التوبة.
[ ١ / ١٦١ ]
على المقيد لا في حكم الإطلاق ولا في حكم التقييد ولكن المطلق عام يتصرف فيه بما يتصرف بمثله في العمومات فإن لاح تأويل واعتضد بدليل وترتب على الشرط الذي سنذكره في باب التأويل وأثر ظهور الدليل العاضد للتأويل على ظهور العام حكم به كان المقيد أو لم يكن فليس في تقييد الحكم بمجرده ما يوجب حمل المطلق على المقيد نعم إن انقدح قياس على المقيد يتسلط مثله على التخصيص إما على حكم المعارضة كما ارتضيناه إذ صرنا إلى الوقف أو على حكم القضاء بالتخصيص كما صار إليه الجمهور [كان] ذلك [أحد] ما يتمسك به ولا معنى لاشتراطه واقعا في ألفاظ الشرع فكم من عموم خص وليس على وفق ذلك التخصيص حكم مقيد في لفظ الشرع فإن التخصيص مستند إلى خبر الواحد على قطع كما سبق ذلك في اختيارنا ويستند عند معظم الفقهاء إلى القياس الجلي ولا يطيب التصرف في تفصيل ذلك إلا في أبواب التأويل.
٣٤٢- فإن قيل فما معتمدكم في اشتراط ذكر الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار فهل ترون القياس على كفارة القتل قلنا هذا الآن ليس من شرط هذا الفن فإن غاية مقصودنا أن نلحق الكلام على المطلق بتخصيص العموم وندرجه في مسالك الظنون وقد ثبت ذلك قطعا وانتفى المراء عنه وليس من شرطنا وراء ذلك تفصيل مسالك الظنون فإنه محض الفقه.
وقد نجز غرضنا في هذه المسألة بذلك وفيها طرفان يستقصى أحدهما في كتاب النسخ عند ذكرنا وراء ذلك تفصيل القول في الزيادة على النص والثاني في باب التأويلات وقد توضح فيها أن الرقبة في الاية التي فيها الكلام ليس لها حكم العموم أيضا وما سيقت قصدا إلى تعميم كل رقبة وإنما أثبتت مع سائر خلال الكفارات ذكرا لتراجم الأصناف مع إحالة البيان على صاحب الشرع وهذا يأتي على أحسن وجه إن شاء الله.
مسألة:
٣٤٣- الصحابي إذا روى خبرا وعمل بخلافه فالذي ذهب إليه الشافعي أن الاعتبار بروايته لا بعمله.
٣٤٤- وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز الاحتجاج بما رواه إذا كان عمله مخالفا له.
[ ١ / ١٦٢ ]
٣٤٥- والذي نرضاه أن نفصل القول فيما أتاه ورواه فنقول إن تحققنا نسيانه لما رواه فلا يتخيل عاقل في ذلك خلافا ولا شك أن العمل بروايته وإن روى خبرا مقتضاه رفع الحرج والحجر فيما كان يظن فيه التحريم والحظر ثم رأيناه يتحرج فالاستمساك بروايته أيضا وعمله محمول على الورع والتعلق بالأفضل وإن ناقض عمله روايته مع ذكره لها ولم يحتمل محملا في الجمع فالذي أراه امتناع التعلق بروايته فإنه لا يظن بمن هو من أهل الرواية أن يعتمد مخالفة ما رواه إلا عن ثبت يوجب المخالفة.
واللفظ الوجيز فيه: أنه إن فعل ماله فعله فالاحتجاج بما رواه وإن فعل ما ليس له أن يفعله أخرجه ذلك عن رتبة الثقة وأدنى المنازل فيه أن يجر إلى مرويه ظنونا متعارضة في الدين يقتضي الوقف بعضها.
٣٤٦- وكل ما ذكرناه غير مختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثا وعمله مخالف له فالأمر على ما فصلناه.
٣٤٧- وقد اعترض للأئمة أمور أسقطت آثار أفعالهم المخالفة لروايتهم وهذه كرواية أبي حنيفة خبر خيار المجلس مع مصيره إلى نفى خيار المجلس فهذه المخالفة غير قادحة في الرواية من جهة أنه ثبت من أصله تقديم الرأي على الخبر فمخالفته محمولة على انتحاله هذا الرأي الفاسد وهو بين من فحوى كلامه.
ومن رواة الحديث مالك بن أنس وهو لا يقول بخيار المجلس ولكن الصحيح عنه أن الذي حمله على هذا تقديمه عمل أهل المدينة على الأخبار الصحيحة والنصوص الصريحة فمهما جرى شيء من قبيل ما ذكرناه فالتعويل على الحديث المروي فإن روى الراوي خبرا وكان الأظهر أنه لم يحط بمعناه ورب حامل فقه غير فقيه فمخالفته لا أثر لها في الرواية.
والضابط للنفي والإثبات ما أجريناه في درج الكلام حيث قلنا إن وجدنا محملا للفعل غير احتمال للمخالفة فالتعلق بالرواية وإن لم نجد محملا إلا المخالفة فيمتنع التعلق بالحديث.
٣٤٨- فإن قالوا: رتبتم الكلام قبولا وردا على تحقيق النسيان والذكر فما تقولون إذا لم يتحقق واحد منها؟ قلنا: الوجه والحالة هذه التعلق بالمروى فإنه من أصول الشريعة ونحن على تردد فيما يدفع التعلق به فلا يندفع الأصل بسبب هذا.
[ ١ / ١٦٣ ]
التردد نعم إن غلب على الظن أنه خالف الحديث قصدا ولم نتحققه فهذا يعضد التأويل ويؤيده ويحقق معتضده من الدليل ويحط مرتبة الظاهر كما سيأتي.
٣٤٩- ولو روى الصحابي خبرا وأوله وذكر محمله فتأويله مقبول عند الشافعي١ ولذلك تعلق بتأويل عمر بن الخطاب٢ ﵁ في قوله ﵇:٣ "لا تبيعوا الورق بالورق إلا هاء وهاء" فذكر الشافعي أربعة أوجه في معنى اللفظ وقدم فيها التقابض في المجلس لحمل عمر ﵁ "راوي الحديث" اللفظ عليه وهذا يتعلق به كلام من أحكام التأويل سيأتي مشروحا.
٣٥٠- ولو روى راو وكان إذ روى عدلا ثم فسق بعد روايته وتخلل زمن لا يغلب على الظن انعطاف غوائل الفسق على حال الرواية ثم إنه في زمن فسقه خالف ما رواه فلا أثر لمخالفته فإنه محمول على تجريه لا على محمل عنده في الحديث فهذا منتهى الغرض في ذلك.
مسألة:
٣٥١- إذا ورد لفظ من الشارع وله مقتضى في وضع اللسان ولكن عم في عرف أهل الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات:.
فالذي رآه الشافعي: أن عرف المخاطبين لا يوجد تخصيص لفظ الشارع.
وقال أبو حنيفة: العرف من المخصصات وهو مغن عن التأويل والمطالبة بالدليل.
وضرب العلماء لذلك مثالا وهو: نهيه ﵇ عن بيع الطعام بالطعام فزعم بعض أصحاب أبي حنيفة: أن الطعام في العرف موضوع للبر وحاولوا حمل الطعام في لفظ رسول الله ﷺ على ما جرى العرف فيه.
٣٥٢- وهذا الذي ادعوه من العرف ممنوع وهم غير مساعدين عليه ولو قدر.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ عمر بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين. كان من قديمي الإسلام والهجرة، وممن صلى إلى القبلتين وشهد المشاهد كلها وأول من تسمى بأمير المؤمنين، وأخباره في الحلم والعلم والفهم كثيرة. قتل سنة "٢٣". له ترجمة في: الإصابة ٢/٥١١، وأسد الغابة ٤/١٤٥، وشذرات الذهب ١/٣٣. ٣ البخاري ٣/٩٧، ومسلم في: المساقاة ب "٧٤"، رقم "٧٥"، والترمذي "١٢٤١"، والنسائي ٧/٢٨٧، والبيهقي ٥/٢٧٦ و٢٧٧ و١٠/١٥٧.
[ ١ / ١٦٤ ]
ذلك مسلما لهم بمجرد العرف فمجرد العرف لا يقتضي تخصيصا فإن القضايا متلقاة من الألفاظ وتواضع الناس عبارات لا يغير وضع اللغات ومقتضى العبارات.
فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم قلنا فليفهموا من اللفظ مقتضاه لاما تواضعوا عليه ولو تواضع قوم على تخصيص أو تعميم ثم طرقهم اخرون لم يشاركوهم في تواضعهم فإنهم لا يلتزمون أحكام تواطئهم فالشرع وصاحبه كيف يلزمهم حكم تواضع المتعاملين وقد خاطب المصطفى بشريعة العربية الأعاجم على اختلاف لغاتها على تقدير أن يسعوا في درك معاني الألفاظ التي خوطبوا بها والمسألة موضوعة فيه إذا لم يكن الرسول صاحب الشريعة ناطقا بما ينطق أهل العرف فلو ظهر منه مناطقة أهل زمانه بما اصطلحوا عليه فلفظه في الشرع لا ينزل على موجب اللسان وإنما مأخذ المسألة في ظن الخصوم أن الشارع وإن لم يكن من الناطقين باصطلاح أصحاب العرف فإنه لا يناطقهم إلا بما يتفاوضون به وليس الأمر كذلك كما قدمناه.
وقد انتجز الكلام في قضية الألفاظ العامة والخاصة وما يقتضي التخصيص ومالا يقتضيه على الجملة والتفصيل محال على باب التأويل ونحن نرى الآن أن نذكر قولا بالغا في مفهوم الخطاب ليكون جامعا بين المنطوق به وبين المسكوت عنه ثم إذا انتهى القول فيه استفتحنا باب التأويل مستعينين بالله تعالى.
[ ١ / ١٦٥ ]