الكتاب الرابع: كتاب الاستدلال.
القول في الاستدلال.
١١٢٧- اختلف العلماء المعتبرون والأئمة الخائضون في الاستدلال وهو: معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه والتعليل المنصوب جار فيه.
١١٢٨- فذهب القاضي وطوائف من متكلمي الأصحاب إلى رد الاستدلال وحصر المعنى فيما يستند إلى أصل.
١١٢٩- وأفرط الإمام إمام دار الهجرة مالك بن أنس في القول بالاستدلال فرئي يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة وجره ذلك إلى استحداث القتل وأخذ المال بمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول ثم لا وقوف عنده بل الرأي رأيه ما استند نظره وانتقض عن أوضار التهم والأغراض.
١١٣٠- وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة ﵄ إلى [اعتماد] الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل ولكنه لا يستجيز النأي والبعد والإفراط وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبهية بالمصالح المعتبرة وفاقا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة.
١١٣١- فالمذهب إذا في الاستدلال ثلاثة:
أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل.
والثاني: جواز إتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو بعدت إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع.
[ ٢ / ١٦١ ]
والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي: التمسك بالمعنى وإن لم يستند إلى أصل على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة.
١١٣٢- أما القاضي فإنه احتج بأن قال: الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والإجماع ملتحق بهما والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق عليه.
أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها فانتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به.
وقال أيضا: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشارع وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء فيصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء ولا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة وهذا ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أن كلا يفعل ما يراه ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون.
١١٣٣- وأما الشافعي فقال: إنا نعلم قطعا أنه لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد ﷺ على ما سنقرره في كتاب الفتوى.
والذي يقع به الاستقلال هاهنا: أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعه [على] كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى ولو كان ذلك ممكنا لكانت تقع وذلك مقطوع به أخذا من مقتضى العادة وعلى هذا علمنا بأنهم ﵃ استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق [بانبساطها] على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على المنصف أنهم [ما] كانوا يفتون فتوى من فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم [الله] وإلى ما لا يعرى عنه.
فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب وقلنا: لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر ولو لم يتمسك الماضون بمعان في.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان [وقوفهم عن] الحكم يزيد على جريانهم وهذا [إذا] صادف تقريرا لم يبق لمنكري الاستدلال مضطربا.
١١٣٤- ثم عضد الشافعي هذا بأن قال: من سبر أحوال الصحابة ﵃ وهم القدوة والأسوة في النظر لم ير لواحد منهم في مجالس الاشتوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما اتسع منه في المنصوصات وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة تطلب الأصول أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال.
١١٣٥- ومما يتمسك به الشافعي ﵁ أن يقول: إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججا وإنما الحجج في المعنى ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق [إثباته] وأعيان المعاني ليست منصوصة وهي [المتعلق] فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر والاجتهاد ولا حجة في انتصابها إلا تمسك الصحابة ﵃ بأمثالها وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني كافية وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة.
١١٣٦- ومن تتبع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول [مشبها] كدأبه إذ قال طهارتان فكيف يفترقان؟ ولا بد في التشبيه من الأصل كما سنجري في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.
١١٣٧- وأما ذكره القاضي من المسلك الأول ففي طرد كلام الشافعي ما يدرؤه ولو قيل: لم يصح في النقل عن واحد طرد القياس على ما يعتاده بنو الزمان من تمثيل أصل واستثارة معنى منه وربط فرع به لكان ذلك أقرب مما قال القاضي.
١١٣٨- وأما ما ذكره من خروج الأمر عن الضبط والمصير إلى انحلال ورد الأمر إلى آراء ذوي الأحلام فهذا إنما يلزم مالكا ﵁ ورهطه إن صح ما روى عنه كما [سنقيم] الآن واضح الرأي على أبي عبد الله مالك ﵁ أولا حتى إذا انتجز ضممنا [النشر] وأنهينا النظر وأتينا بمسلك اليقين والحق المبين مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.
[ ٢ / ١٦٣ ]
١١٣٩- فنقول لمالك ﵀: [أتجوز] التعلق بكل رأي فإن أبي لم نجد مرجعا نقر [عنده] إلا التقريب الذي ارتضاه الشافعي ﵁ كما سنصفه وإن لم يذكر ضبطا وصرح: بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي المرسل واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط ويلزم منه ما ذكره القاضي ﵀.
١١٤٠- وما نزيده الآن قائلين: لو صح التمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة لكان العاقل ذو الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع المفتين في حادثة فأعلموه أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة ولا أصل لها يضاهيها لساغ والحالة هذه أن يعمل العاقل بالأصوب عنده والأليق بطرق الاستصلاح.
وهذا مركب صعب لا يجترئ عليه متدين ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك.
ثم وجوه الرأي تختلف بالأصقاع والبقاع والأوقات ولو كان الحكم ما ترشد إليه العقول في طرق الاستصواب ومسالكه تختلف للزم أن تختلف الأحكام [باختلاف] الأسباب التي ذكرناها.
ثم عقول العقلاء قد تختلف وتتباين على النقائض والأضداد في المظنونات ولا يلزم مثل ذلك فيما له أصل أو تقريب فإن [شوف] الناظرين إلى الأصول الموجودة فإذا رمقوها واتخذوها معتبرهم لم يتباعد أصلا اختلافهم.
ولو ساغ [ما قاله] مالك ﵁ إن صح عنه لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالة معتبرهم.
وهذا يجر [خبالا لا] استقلال به.
١١٤١- وإن أخذ مالك ﵀ وأتباعه يقربون وجه الرأي من القواعد الثابتة في الشريعة فالذي جاءوا به مذهب الشافعي ﵀ على ما سنصف طريقة.
وإنما وجهنا ما ذكرناه على [من] يتبع الرأي المجرد ولا يروم ربطة بأصول الشريعة ويكتفي ألا يكون في الشريعة أصل يدرؤوه من نص كتاب أو سنة أو إجماع.
١١٤٢- فإن قيل: فما معنى التقريب الذي نسبتموه إلى الشافعي؟
قلنا: هذا [محز] الكلام ونحن نقول: قد ثبتت [أصول] معللة اتفق القايسون.
[ ٢ / ١٦٤ ]
على عللها فقال الشافعي أتخذ تلك العلل معتصمي وأجعل الاستدلالات قريبة منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول والاستدلال معتبر بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة بمعنى جامع فإن متعلق الخصم من صورة الأصل معناها لا حكمها فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يرده أصل كان استدلالا مقبولا.
وهذا يتبين برسم مسألة واستقصاء القول فيها ونحن نجريها ونذكر ما فيها حتى تنتج الأصول والمعاني والاستدلالات.
مسألة:
١١٤٣- الرجعية محرمة الوطء عند الشافعي وهي مباحة الوطء عند أبي حنيفة ﵄.
ومعتمد الشافعي: أنها متربصة في تبرئة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها في الزمان الذي تؤمر فيه بالتبرئة متناقض.
وهذا معقول فإن المرأة لو تربصت قبل الطلاق [واعتزلها] الزوج لم يعتد بما جاءت به عدة فلو كانت تحل قبل الطلاق وبعده لما كان لاختصاص الاعتداد بما بعد الطلاق معنى ولم يطلب الشافعي بهذا المعنى أصلا وما ذكره قريب من القواعد فإنه كلام منشؤه من فقه العدة ثم عضده بما قبل الطلاق.
١١٤٤- وقال بعض أصحابه: نقيس الرجعية على البائنة في العدة.
ويتسع الآن القول في إثبات الحكم بالعلتين ونفى ذلك والغرض يتبين بفرض أسئلة وأجوبة عنها.
فإذا قلنا: معتدة فتكون محرمة كالمعتدة البائنة فيقول [المعترض: المعنى] في تحريمها أنها بائنة وهذا المعنى يستقل باقتضاء الحكم ولا خلاف أن البينونة علة في اقتضاء التحريم فليقع الاكتفاء بها.
وربما أكد السائل كلامه بأن قياس الرجعية على البائنة بمثابة قياس البالغة على الصغيرة بجامع الأنوثة فإذا قال القائل: أنثى فلتلحق بالصغيرة كان ذلك مردودا فإن الصغر بمجرده يستقل نافيا للاستقلال فلا أثر للأنوثة وقد قدمنا ذلك في العلل المركبة وهذا القول يلتحق بقول القائل: مس فصار كما لو مس وبال.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقد أجاب عن ذلك الأولون فقالوا: لسنا ننكر كون البينونة علة ولكن العدة علة أخرى وليس بين العلتين تعارض إذ ليس بين حكميهما تناقض ولا يمتنع.
ارتباط الحكم الواحد بعلتين وأما القياس على الأنثى الصغيرة فهو في صوره كقياس الرجعية على البائنة ولكن الأنوثة ليست مخيلة والمستدل بتلك الصورة طارد فكان بطلان العلة لذلك وكذلك سبيل القياس على ما لو مس وبال.
١١٤٥- فإن قيل: قد قدمتم أن الحكم لا يعلل بعلتين فلم سوغتموه الآن؟
قلنا: حاصل كلامنا فيما مضى آيل إلى أن ذلك غير ممتنع من طريق النظر فإن العلل الشرعية أمارات ولا يمتنع انتصاب أمارات على حكم واحد كما لا يمتنع ازدحام أدلة عقلية على مدلول واحد وإنما كان يمتنع تقدير ذلك أن لو كانت الأمارات موجبات كالعلل العقلية عند مثبتيها فإنها موجبة معلولاتها فيمتنع على هذا التقدير ثبوت موجبين لموجب واحد مع الاستقلال بأحدهما وينجر القول إلى سقوط فائدة إحدى العلتين وهذا لا يتحقق في العلامات ولكنا مع هذا قلنا: هذا الذي لا يمتنع في مسلك النظر لم يتفق وقوعه ثم أوردنا صورا يتعلق بها في ظاهر الأمر حكم بعلل وأوردنا أنها أحكام تعلل بعلل وإنما يتخيلها الناظر حكما واحدا لضيق المحل عن الوفاء بأعدادها عند ازدحامها.
وقد سبق في هذا قول مقنع تام.
والغرض من تجديد العهد به أن القايس على البائنة [يستدل بأن] يقول: اجتمع في البائنة المعتدة علتان وتحريمان: أحد التحريمين تحريم البينونة وانقطاع النكاح وهذا لا يختص بالعدة فإنها لو [أبينت] قبل الدخول من غير عدة لحرمت والتحريم الثاني تحريم التربص فهذا هو المطلوب وهو المعلل بالعدة وليس في هذا التقدير إثبات حكم واحد بعلتين فإن أنكر [منكر] كون العدة علة فعلى السابر الجامع أن يثبت ذلك بما يثبت به علل الأصول.
فهذا وجه الكلام.
١١٤٦- ونحن نذكر الآن في هذا الفن سرا بديعا يتخذه الناظر معتبرا في أمثاله فإن قال قائل: إنما يستقيم ما ذكرتموه من تجريد النظر إلى العدة بأن تقدروا زوال البينونة وتمحض العدة من غير انقطاع النكاح ولو كان كذلك لكان ما تعتقدونه أصلا عين مسألة الخلاف فإن المعتدة التي ليست بائنة هي الرجعية وينقدح في هذا السؤال
[ ٢ / ١٦٦ ]
الذي اعتمدناه في رد التركيب إذ قلنا المركب يقول إن كانت ابنه الخمس عشرة كبيرة فالحكم ممنوع كذلك إن فرض تجريد العدة عن البينونة فيكون الحكم ممنوعا عند الخصم وهذا الذي نحن فيه نوع من التركيب في العلل ومهما سلم الجامع ثبوت علة أبداها المعترض [في الأصل] سوى ما وقع الجمع به فيتوجه تقدير المنع على هذا الترتيب الذي ذكرناه.
وهذا من لطيف الكلام في هذا الباب فليتنبه الناظر له وهو يجري في القياس على ما لو مس وبال [لو] كان قوله مس مخيلا فإن رجع الكلام إلى أنه مس فصار كما لو مس فلا يستبد التعلق بالعدة في اقتضاء التحريم إلا استدلالا.
١١٤٧- فإن قيل: لو قال من يحرم الرجعية معتدة فشابهت المعتدة عن وطء شبهة طارئ على النكاح فهل يصلح هذا وهل يستقيم [تقدير عدة الشبهة] أصلا؟.
قلنا: هذا على اطراده من أحسن فنون الطرد فإن المعتدة في الأصل مشغولة الرحم بماء محترم لغير الزوج وفي إقدام الزوج على وطئها اختلاط الماءين ولا خلاف أن التحريم في الأصل معلل بهذا لا غير.
ومن يريد جمعا في متعلق له إلا اسم المعتمدة فكان طاردا فإن أخذ يبدي [في عدة المعتدة الرجعية] ما ذكرناه استدلالا من كونها متربصة عن الزوج لم يتحقق هذا في الأصل فالعلة [الأولى] فيها إخالة ربط حكم أو حكمين متماثلين بعلتين وهذه العلة إن ردت إلى طالب الإخالة فالأمة مجمعة على أن الفرع والأصل غير مجتمعين في المعنى المقتضى فلا يبقى الاجتماع إلا في نعت واسم.
والذي يحقق ذلك أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح لغير من عنه العدة ولو كانت العدة من الزوج ولم تقع الحرمة الكبرى لما امتنع على الزوج النكاح فاستبان أن محرم الرجعية إن عول على العدة لم يجد أصلا.
١١٤٨- فإن قيل: فما رأيكم في استعمال ذلك استدلالا؟
قلنا: هو الآن يتعلق بفن من الفقه ولكن إذا انتهى الكلام إليه نأتي فيه بما يليق بهذه المحال ونقول: إن تمسك المحرم بمناقضة التربص المستدعي البراءة للوطء الشاغل فلست أرى هذا المعنى واقعا من جهة أن الوطء عند الخصم لو جرى لانقطعت العدة وإنما الممتنع [اجتماع] العدة والتشاغل بالوطء على مذهب من يبيح.
[ ٢ / ١٦٧ ]
الرجعية بل هو رجعة عنده ثم الرجعة والعدة عنده لا [يجتمعان] ولكن [طريان] الرجعة يتضمن انقطاع العدة فليكن الوطء كذلك.
١١٤٩- فإن قيل فما الرأي في قول من يتمسك بالاحتساب بالعدة؟ ويقول: ولو كانت مستحلة كما كانت لما احتسبت الأقراء [عدة] كما لو وجدت صورة الأقراء قبل الطلاق؟
قلنا: هذا أمثل قليلا وهو في التحقيق تمسك بالعكس وجواب الخصم عنه [أوضح منه] فإنه يقول الطلاق في غير الممسوسة ينجز البينونة وهو في الممسوسة يثبت المصير إلى البينونة وذلك يحصل بالخلو عن العدة والعدة زمان الجريان إلى البينونة وهذا لا يتحقق قبل الطلاق إذ ليس قبله مرد إلى البينونة يتوقع المصير إليها فالذي أوجب الفصل بين ما قبل الطلاق وبعده في الاعتداد ما ذكرناه والتي انقضت عدتها بعد الطلاق [و] صارت بريئة الرحم تلتحق بالتي لم تمس أصلا فهذا وجه الكلام.
١١٥٠- فإن تعلق المحرم بان الطلاق أوجب المصير إلى البينونة فليكن هذا محرما لم يستبد هذا أيضا من جهة أن الزوج إذا علق الطلاق الثلاث بمجيء رأس الشهر لم تحرم المرأة في الأمد المضروب فإن كانت البينونة هي المحرمة فهي منتظرة غير واقعة وإن كان الطلاق هو المحرم فلم ينتصب دليلا عليه بعد.
فإن قيل: لو كانت مستحلة لما احتيج إلى الرجعة فللخصم أن يقول الرجعة تقطع وقوع البينونة فإنها لو تركت لصارت إليها.
١١٥١- ولم نذكر هذه المعارضات إلا ليستبين الناظر وجه التمسك بالمعاني التي لا أصول لها واعتماد المستدل على الإخالة والمناسبة فالوجه في مسألة الرجعية إذا اعترضت أن تقع البداية بأن الوطء لا يكون رجعة [وثبت] ذلك سهل كما سبق منا التدرج إليه في "الأساليب".
وإذا ثبت ذلك بنينا عليه تحريم الوطء قائلين: إذ لم يكن الوطء رجعة لم تنقطع به العدة فيؤدي إباحة الإقدام عليه إلى الجمع بين دوام التربص لتفريغ الرحم وبين إباحة شاغلة وهذا وإن لم يستند إلى أصل فهو معنى قويم ومسلك مستقيم.
[ ٢ / ١٦٨ ]