القول في العلوم ومداركها وأدلتها.
٣٦- الوجه تصدير الباب بقول مقنع في العقل فإنا سنسند حقائق العلوم إلى مدارك العقل ولا بد من الإحاطة بحقيقته على حسب ما يليق بهذا المختصر.
قال القاضي [أبو بكر١ ﵀] العقل من العلوم إذ لا يتصف بالعقل خال عن العلوم كلها وليس من العلوم النظرية فإن النظر لا يقع ابتداؤه إلا مسبوقا بالعقل فانحصر في العلوم الضرورية وليس كلها فإنه قد يخلو عن العلوم بالمحسوسات من اختلت عليه حواسه وإن كان على كمال من عقله ثم لم يزل يبحث حتى قال العقل علوم ضرورية لا يخلو عنها المتصف بالعقل ولا يتصف بها من لا يتصف بالعقل ثم سبر على ما زعم واستبان أن العقل علوم ضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ولا يتصف بهذه الفنون إلا عاقل كما لا يتصف بها من ليس بعاقل فهذا لباب كلامه بعد تطويل وإطناب.
والذي ذكره ﵀ فيه نظر فإنه بنى كلامه على أن العقل من العلوم الضرورية لأنه لا يتصف بالعقل عار من العلوم كلها وهذا يرد عليه أنه لا يمتنع كون العقل مشروطا بعلوم وإن لم يكن منها وهذا سبيل كل شرط ومشروط.
فإن قيل ما الذي يبطل ما ذكره القاضي ﵀ في معنى العقل قلنا نرى العاقل يذهل عن الفكر في الجواز والاستحالة وهو عاقل.
٣٧- فإن قيل فما العقل [عندكم] قلنا ليس الكلام فيه بالهين وما حوم عليه أحد من علمائنا غير الحارث٢ [بن أسد] المحاسبي ﵀ فإنه قال العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها فالقدر الذي يحتمل هذا المجموع ذكره أنه صفة إذا ثبتت تأتي بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله البصري المولد البغدادي المنزل والوفاة قال الهيتمي هو إمام المسلمين في "الفقه" و"التصوف" و"الحديث" و"الكلام" وقال الغزالي: "المحاسبي جبر الأمة في علم المعاملة" مات سنة "٢٤٣" له ترجمة في: حلية الأولياء "١٠/٧٣-١١٠" وشذرات الذهب "٢/١٧".
[ ١ / ١٩ ]
ولا ينبغي أن يعتقد الناظر في هذا الكتاب أن هذا مبلغ علمنا في [حقيقة العقل] ولكن هذا الموضع لا يحتمل أكثر من هذا فإذا ثبت ما حاولناه في العقل فنتكلم بعده في إثبات العلوم وذكر تفاصيلها وحدها ومداركها والأدلة عليها إن شاء الله تعالى.
فصل
٣٨- لم ينكر من يبالي به من العقلاء أصل العلوم ونقل أصحاب المقالات عن السوفسطائية إنكار العلوم وهم أربع فرق.
قال فريق منهم وهم غلاتهم نعلم ألا علم أصلا وعمموا الجحد في الضروري والنظري.
وقال فريق [منهم] لم يثبت عندنا علم بمعلوم فلم يعلم انتفاء العلوم.
وقال فريق لا ننكر العلوم ولكن ليس في القوة البشرية الاحتواء عليها لأن الذين يحاولونها سيالون لا يستقرون في حال وإنما تحصل الثقة لمستقر ينتظم آخر عثوره على المطلوب بإنشاء الطلب.
وذهبت فرقة إلى أن العقود المصممة كلها علوم فمعتقد قدم العالم على علم ومعتقد حدثه على علم ومثلوا ذلك باختلاف أحوال ذوي الحواس فالصحيح يدرك الماء الفرات عذبا ويدركه من هاجت عليه المرة الصفراء ممقرا [مرا] .
٣٩- وقد اختلف المحققون في مكالمتهم فذهب الأكثرون إلى الانكفاف عنهم فإن غاية المناظر اضطرار خصمه إلى الضروريات فإذا كان مذهبهم جحدها والتمادي فيها فكيف الإنتفاع بمكالمتهم؟ ومن النظار من كلمهم بالتقريبات وضرب الأمثال وإلزام التناقض فقال للأولين أنكرتم العلوم وادعيتم العلم بانتفائها [كلها] وهذا تناقض لا ينكره عاقل.
والذي أراه أنه لا يتصور أن يجتمع على عقدهم فرقة من العقلاء من غير فرض تواطوء على الكذب.
[ ١ / ٢٠ ]