باب الأوامر
مسألة:
١١٥- الأمر من أقسام الكلام والقول فيه وفيما بعده من معاني الصيغ والألفاظ [يستدعي] تقديم قول في إثبات كلام النفس على رأى أهل الحق.
فالكلام الحق عندنا قائم بالنفس ليس حرفا ولا صوتا وهو مدلول العبارات والرقوم والكتابة وما عداها من العلامات.
واختلف جواب الشيخ أبي الحسن ﵁ في تسمية العبارات كلاما فرأيه الظاهر أنها إن سميت كلاما فهو على التجوز بمثابة تسميتها علوما من حيث إنها تدل عليها وتشعر بها وقال في جواب المسائل البصرية إنها كلام على الحقيقة وكذلك كلام النفس.
والتحقيق في ذلك أن كلام النفس جنس ذو حقيقة كالعلم والقدرة ونحوهما على مذهب أهل الحق وإذا كان كذلك فالجنس الذي هو كلام [لعينه هو القائم بالنفس] .
والعبارات ليست في نفسها على حقيقة الكلام ولو فرض ما جرى من الاصطلاح عليها على غيرها من العلامات كنقرات ورمزات أو ماضاهاها مما يتفق التواطؤ على نصبه علما لحلت محل العبارات.
وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق فإنهم متفقون على نفى كلام النفس صائرون إلى أن الكلام هو العبارات في خبط طويل لسنا له الآن.
ومن سر مذهبهم أن الكلام ليس جنسا متميزا بحقيقة ذاتية فلا نجد بدا من.
ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات كلام النفس.
١١٦- فنقول الآمر يجد في نفسه اقتضاء وطلبا للمأمور به والصيغة التي تتضمنها دالة عليه وهذا المعنى بكلام النفس فإن قيل ذلك الذي سميتموه اقتضاء هو إرادة امتثال الأمر قلنا قد يأمر الآمر غيره ويفهم المأمور منه الاقتضاء فهما.
[ ١ / ٦١ ]
ضروريا مستندا إلى قرائن الأحوال والآمر يريد من المأمور أن يخالفه لغرض له.
وصور الأئمة ﵏ في ذلك صوة نأتي بها ونقص باقى الأسئلة عليها.
فنقول: إذا أدب الرجل عبدا له فلم يقع ذلك عند صاحب الأمر وسلطان البقعة موقع الرضا وكاد أن يبطش به فاعتذر المؤدب وذكر أن عبده لا يرتسم مراسمه فأفضى الكلام إلى تكذيبه في معاذيره فحاول تصديق ذلك وأمر العبد والحالة هذه فلا نشك أنه يريد منه أنه يخالفه والإقتضاء ثابت.
فإن قيل: ما يصدر منه في الصورة المفروضة لا يكون أمرا.
قلنا: قد فهم العبد ضرورة منه والحالة ملتبسة عليه ما كان يفهمه من أوامره وجاحد ذلك مباهت ثم كيف ينتهض هذا عذرا لو لم يكن ما جاء به أمرا وغرضه أن يبين مخالفته لأمره.
فإن قيل: ذلك الذي يجده من الإقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة قلنا الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه وإنما هي قول القائل مثلا صيغة الأمر حروفها ونظمها [ونضدها] كذا وكذا فأما قول القائل افعل فليس معناه العلم بهذه الحروف بلا تطويل فمعنى "افعل" هو كلام النفس فقد لاح أنه ليس إرادة ولا علما بكيفية الصيغة فلم يبق إلا ما حاولناه.
١١٧- ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة وأنكروا الفكر النفسي.
والهواجس وعندي أن وجدان المرء جريان الفكر من قبيل الضروريات فكل ما حملوا كلام النفس عليه ففي النفس كلام عنه.
والذي يحقق هذا أن العلم الحق يدركه العالم من نفسه إدراكه الامه ولذاته وكذلك الإرادة التي ليست توقانا وشهوة ولذلك اعتاص وأشكل محلها وحمل الأوائل أمرها على النفس والعقل المباينين لعوالم الأفلاك.
وأما الفكر فإنه يحس في النفس إحساس الآلام واللذات.
ففي هذا القدر مقنع في إثبات كلام النفس وهو على إيجازه يفيد الناظر الاستقلال والإيماء إلى غوائل غامضة ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة الأمر.
[ ١ / ٦٢ ]
مسألة في حقيقة الأمر.
١١٨- الأمر هو القول المقتضى بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به فذكرنا القول يميز الأمر عما عدا الكلام وذكرنا المقتضى إلى استتمام الكلام يميزه عما عدا الأمر من أقسام الكلام وقولنا بنفسه يقطع وهم من يحمل الأمر على العبارة فإن العبارة لا تقتضي بنفسها وإنما تشعر بمعناها عن اصطلاح أو توقيف عليها وذكرنا الطاعة يميز الأمر عن الدعاء والرغبة من غير جزم في طلب الطاعة.
١١٩- فأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذاهبهم أن الكلام ليس جنسا.
عندهم متميزا بحقيقة وإنما هو العبارة وقالوا على حسب ذلك الأمر قول القائل لمن هو دونه افعل وهذا مدخول فإنه لو قال المرء لمن في درجته: افعل لكان أمرا وليست هذه اللفظه يعينها كل الأمر بل يصدر عن كل مصدر صيغة تسمى على هذا الرأي أمرا.
ولو اهتدوا لبناء الأمر على حقيقة أصلهم لما التزموا تحديد الأمر وهو قسم لا حقيقة لأصله والمطلوب من الحدود الإشعار بالحقائق ورب حقيقة تعقل ولا ينتظم عنها عبارة وكيف يحاول حد ما لا حقيقة له.
١٢٠- ثم من أصلهم أن اللفظ الذي ذكروه ونبهوا به على أمثاله إنما يكون أمرا بثلاث إرادات إحداها أرادة اللافظ وجود اللفظة والإرادة الثانية تتعلق بجعل اللفظ أمرا والثالثة تتعلق بامتثال المأمور المخاطب الأمر.
١٢١- وإيضاح ذلك عندهم أن الإنسان قد يهذي في نومه فيجري صيغة الأمر وهو لا يريد وجودها لمنافاة النوم حالة الإرادة والعلم فكان شرطه إرادة وجود اللفظ لإخراج هذه الحالة وأما اشتراطه تعلق الإرادة بجعل اللفظ أمرا فسببه أن الإنسان قد يحكى صيغة الأمر وهو يبغي بها رفع حرج أو تهديدا على مذهب قوله ﷾: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ١ فإذا تردد اللفظ كما ذكرناه فلا بد من إرادة تخصصه بجهة الأمر.
وأما إرادة المأمور به من المأمور فهي القاعدة والمعول إذ لا يتصور عندهم أمر بشيء من غير إرادة له وهذا مذهب البصريين.
_________________
(١) ١ آية "٤٠" سورة فصلت.
[ ١ / ٦٣ ]
١٢٢- فأما الكعبي فإنه شرط إرادتين تتعلق إحداهما بوجود اللفظ.
والأخرى بالامتثال فأما وقوع اللفظ أمرا فصفة تلزم اللفظ فلا حاجة في تحصيلها إلى إرادة.
١٢٣- ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات التي تعزى إلى النفوس غير معلله بمعان قائمة بها.
فقد قالوا الصفات التي لا تعلل تنقسم إلى ما يقال فيها إنها صفات النفس وإلى ما ليست كذلك فأما صفة النفس فهي التي تلزم النفس وجودا وعدما ككون الجوهر جوهرا وكذلك القول في صفات جميع الأجناس من التي قضوا بثبوتها في [العدم] .
وأما ما ليست صفة نفس فهي منقسمة إلى ما تلزم من غير مقتض لها وإلى ما يقتضي مقتضيا يتعلق بها فأما القسم الأول مما انتهى الكلام إليه الآن فقد سموه التابع للحدوث وذلك كتحيز الجوهر فإنه يلزم عند الحدوث ويثبت من غير افتقار إلى مقتض يقتضيه وكذلك القول في قيام العرض بالمحل وأما القسم الثاني فيقتضيه العلم والإرادة والقدرة فأما ما تقتضيه القدرة فالحدوث فحسب وأما ما يقتضيه العلم فالإحكام وأما ما تقتضيه الإرادة فمنها وقوع النعمة ثوابا ومنها وقوع النقمة عقابا ومنها وقوع اللفظ أمرا وهو ما نحن فيه وكأن الكعبي قد رأى وقوع الأمر من قبيل الصفات التابعة للحدوث.
فإن نحن حاولنا الرد عليهم على إيجاز أفردنا كل فن بكلام مستقل.
١٢٤- فأما ما ذكروه من صفات النفس فهو مستند إلى مصيرهم إلى إثبات.
الأشياء على حقائقها وخواصها وصفات أنفسها في العدم وهذا تصريح منهم بقدم العالم فإنا على اضطرار نعلم أن الثبوت هو الوجود بعينه فليس من يطلق الثبوت وينكر الموجود بأسعد حالا ممن يعكس ذلك عليه ومن ظن منهم أنه يتمكن من فصل بين مذهبهم ويين معتقد أصحاب الهيولي فقد ظن محالا.
١٢٥- وأما الصفات التابعات للحدوث فقولهم مختبط فيها فإنهم زعموا أن التحيز واجب والحدوث الواقع بالقدرة جائز فنقول لهم بم تنكرون على من يزعم أن التحيز جائز والحدوث عنده واجب فإن قالوا: لا بد من التحيز عند حدوث الجوهر قلنا نعم ولا بد من الحدوث عند التحيز فلا يختص واحد منهما بمزية.
[ ١ / ٦٤ ]
تقتضي إحالة الوجوب عليه دون مقارنة.
والقول الحق فيهما: أن كل واحد منهما جائز ولكن إذا فرض ثبوت أحدهما تعين ثبوت الثاني فهما إذا متلازمان فقد كفى هذا القدر وأغنى عن التطويلات.
فأما مصيرهم إلى أن الحدوث من أثر القدرة فباطل مع مصيرهم إلى أن الذوات ثابته أزلا فإذا ثبتت فما معنى الحدوث فيها؟
نعم، لا يطرأ على الجوهر على رأيهم إلا التحيز فلئن كان الثبوت في الذات يقتضي التحيز فليثبت التحيز أزلا فإذا اعترف بذلك معترفون منهم كالشحام.
فقد جاهر بقدم العالم.
فأما ما قدره واقعا بالعلم وهو الإحكام فلا حاصل له ولا معنى للإحكام عندي فإنه إن عني به وقوع جوهر مثلا بجنب جوهر على مناسبة فليس ذلك أمرا ثابتا محققا واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأحكام الأكوان من فن الكلام ثم إن قدر ذلك أمرا ثابتا فهلا قيل توقعه القدرة على شرط كون القادر عالما إذ وقوع الحدوث مشروط بكون الموقع عالما به ثم لم يكن الحدوث من اثار العلم فليطرد ذلك في كل متجدد.
وأما قولهم: إن الحدوث من اثار القدرة فقد وضح أنه الثبوت بعينه وقولهم بقدم الذات يصدهم عن إثبات ثبوت هو الحدوث إذ لو جاز ذلك من غير تغير لجاز المصير إلى طريان جهات في الثبوت مع استمرار الوجود ولا معنى للإطناب في الواضحات.
١٢٦- وأما ما قدروه من آثار الإرادة وهو مقصود المسألة وما تقدم عليه فهو في حكم التوطئة والتمهيد.
فنقول: قد أثبتم معاشر البصريين لقول القائل افعل على حكم الأمر صفة فزعمتم أن اللفظ يتميز بها عما يقع حكاية وهذا بهت ومناكرة فإن اللفظ أصوات متقطعة وحروف منتظمة وهي ممن يبغي أمرا كهى ممن يحكى قطعا وليس للأصوات في ذواتها صفات تميز قبيلا عن قبيل نعم الامر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد.
ثم التطم البغداديون والبصريون فنسب البصريون الكعبي إلى التحكم بإثبات صفة لذوات الأصوات وقال الكعبي مجيبا ما نسبتموني إليه قد التزمتموه إذ أثبتم.
[ ١ / ٦٥ ]
الصفة من أثر الإرادة فلا فرق في أصل الصفة.
فإن قيل ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله في العبارة عن الأمر القائم بالنفس فقد يلفظ اللافظ بقوله افعل وهو يبغى حكاية وقد يلفظ وهو ينتحى تعبيرا عن الأمر القائم بالنفس فكيف يقع اللفظ عبارة عن الأمر وما يتردد بين جائزين لا يختص بأحدهما إلا بالإرادة فبم يصير اللفظ عبارة عن الأمر.
١٢٧- قلنا المسلك الحق عندنا في ذلك أنه لا بد من قصد إلى إيقاع اللفظ مشعرا بالأمر القائم بالنفس ولكن ليس لذلك اللفظ منه صفة وإنما يحصل الإشعار بقرائن الأحوال ولو هدى المعتزلة لذلك لما ارتكبوا [في مذهبهم] ما ارتكبوه في مذاهبهم.
وحاصل القول أن المراد الحقيقي هو الأحوال المقترنة باللفظ فإن كان في عين اللفظ مزيد من رفع صوت أو غيره فهو ملتحق بفن الأحوال.
مسألة في صيغة الأمر.
١٢٨- الصيغة هي العبارة المصوغة للمعنى القائم بالنفس وهذه المسألة مترجمة بأن الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة إذا أطلقناها فالمراد بها أن الأمر القائم بالنفس هل صيغت له عبارة مشعرة به.
وإذا قال نفاة كلام النفس للأمر صيغة فنفس الصيغة عندهم هي الأمر فصيغة.
الأمر إذا أضيفت إلى الأمر لم تكن الإضافة حقيقية وهي في مذهب قول القائل نفس الشيء وذاته فإذا لاح ما نعني بالصيغة في كل مسلك فقد اختلفت الاراء في المقصود المعنوي من المسألة.
١٢٩- فالمنقول عن الشيخ أبي الحسن١ ﵁ ومتبعيه من الواقفية أن العرب ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارة فردة وقول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي نظرا إلى مذهب الوعيد وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين رفع الحرج على مذهب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وبين الاقتضاء ثم هو في مسلك الاقتضاء متردد بين الندب والإيجاب فتبين من مجموع ما ذكرناه تردد اللفظ عند الواقفية بين هذه الجهات كلها.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٦٦ ]
ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع هذه المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها.
وقال آخرون: ليس الوقف مصيرا إلىدعوى الاشتراك وضعا في اللسان ولكن المعنى به أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل "افعل" في اللسان فهو إذا مشكوك فيه على هذا الرأي.
ثم نقل بعض مصنفي المقالات أن أبا الحسن ﵀ يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن وهذا زلل في النقل بين والوجه أن يورك بالغلط على الناقل فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية [الوضوح] ذو تحصيل.
١٣٠- والذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن ﵀ لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت.
وألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما [الذي] تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألفاه في وضع اللسان مترددا فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن بقول القائل [افعل] لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن تقول افعل حتما [أو] افعل واجبا.
نعم: قد يتردد في أن الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها ما المشعر بالأمر النفسي؟ الألفاظ المقترنة بقول القائل افعل؟ أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب.
ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على ما فيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد.
فهذا هو التنبيه على سر مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي رحمهما الله وطبقة الواقفية.
١٣١- فأما المعتزلة فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين فذكر بعضهم أن "افعل" لرفع الحرج ثم يصير مع الاقتران بالوعيد على الترك مقتضيا إيجابا وبالاقتران بوعد الثواب على الفعل مع [التخيير] في الترك مقتضيا استحبابا وأصل اللفظ لو تجرد لرفع الحرج.
[ ١ / ٦٧ ]
وذهب ذاهبون منهم إلى أن مقتضاه عند الإطلاق الندب وهو أقرب إلى حقيقة مذهب القوم من الأول وإن لم يكن ناصا على سر مذهب القوم.
وصرح صاحب المغنى في شرح العمد بسر المذهب فقال الصيغة التي فيها الكلام موضوعة للدلالة على إرادة مطلقها الامتثال فهذا مقتضاها ثم لا يكون المراد إلا طاعة بيد أن الطاعة تنقسم إلى المستحب والمستحق فإن اقترن باللفظ وعيد كان الوعيد دالا على الوجوب ومدلول اللفظ الإرادة فحسب فيخرج منه إذا أن اللفظ ليس مترددا بين معنيين وإنما معناه الإرادة والوجوب متلقى من الوعيد المقترن به.
١٣٢- وأما جميع الفقهاء فالمشهور من مذهب الجمهور منهم أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب إذا تجردت عن القرائن وهذا مذهب الشافعي ﵀ والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف ولم يساعد الشافعي١ منهم غير الأستاذ أبي إسحاق٢.
١٣٣- والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق البداية بذكر متعلق مذهب الواقفية والاعتراض عليه ثم إذا نجز أتبعنا مذهب المعتزلة بالرد عليهم ثم نذكر معتصم الفقهاء ثم نختم القول بالحق المبين.
فأما الواقفية فحاصل كلامهم راجع إلى منهاج واحد وإن ترددت العبارة عنه ونحن نسرده فنقول قول القائل "افعل" ليس مختصا بمحل أخذا من مسالك العقول فإن العقول لا تجول في مقتضيات العبارات فمن ادعى اختصاص اللفظ بجهة فسيتلقى ما يدعيه من النقل والنقل ينقسم إلى الشرع واللسان فإن قيل هو متلقى من اللسان قيل لمن يدعي ذلك أتنقل هذا منصوصا عليه أم تستفيده استنباطا من مأخذ اللغة فإن زعم المخاطب أن النقل فيه صريح من العرب فهو مباهت ثم يرد عليه تقسيمه فيقال النقل ينقسم إلى ما يقع متواترا وإلى ما يقع آحادا فإن ادعى الثقل آحادا لم٣ يحتفل به فإن نقل الآحاد لا يوجب علما والمطلوب في هذه المسألة العلم وإن ادعيت النقل تواترا كان ذلك محالا فإن النقل المتواتر يوجب العلم الضروري ويتضمن استواء طبقات [جميع] العقلاء في دركه كما سيأتي [ذلك] مشروحا في أحكام الأخبار ونحن معاشر الواقفية مصرون على المخالفة مستمرون.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبقت ترجمته. ٣ لم يحتفل به: لم يعبأ أو لم يهتم.
[ ١ / ٦٨ ]
عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد فقد بطل التلقي من جهة النقل الصريح.
فإن زعم من نخاطبه أن يتلقى اختصاص الصيغة من مأخذ اللغة ومصادرها ومواردها فمعنى ذلك أنه ألفى اللفظ الذي فيه الخلاف مستمرا للإشعار بالمعنى الذي يعتقده وهذا لا يمكن ادعاؤه فإن هذه الصيغة واردة على وجوه لا سبيل إلى جحدها.
فإن صار صائر إلى حمل بعض الوجوه على اقتضاء القرائن كان متحكما وكانت الجهة التي عينها حرية بأن تقدر فيها القرينة أيضا وإذا تحقق تعارض الأقوال وتساويها فيتضمن ذلك الوقف لا محالة.
وإن نسب المخاطب مذهبه إلى الشرع رد عليه تقسيم النقل الصريح والأخذ من الاستنباط كما سبق في اللغة وجرى الكلام على نحو ما مضى في اللغة.
هذا مساق كلام القاضي أبي بكر ﵀ في مصنفاته.
١٣٤- والوجه في الرد والاعتراض عليه أن نقول للمتمسك بهذه الطريقة أبن لنا أصلك في اللفظ أتقول إنه مشترك أم تزعم أن ذلك غير معلوم منه أيضا فإن زعم أن اللفظ مشترك رد عليه تقاسيم الطريقة في العقل والنقل والتصريح والتلويح فإن الحكم على العرب بوضع اللفظ مشتركا ادعاء مفتقر إلى مستند إذ من أبواب اللغات الألفاظ المشتركات وإن زعم طارد الطريقة أنه لا يدري شيئا من ذلك لم يترك والركون إلى هذه العمامة العمياء والجهالة الجهلاء وقيل له اللفظ الذي فيه الكلام متردد في اللسان كثير التدوار في الحوار فكيف يجوز في مطرد العادة أن تتقرض العصور وتعتقب الدهور على إطلاق هذا اللفظ على تكرر وكرور لا يبحث عنه باحث ولا يبغى الوقوف على معناه وهذا محال لا سبيل إلى اعتقاده.
وقد رأيت كلام القاضي مائلا إلى دعوى الإشتراك أخذا من وجدانه هذا اللفظ على جهات في الكلام وإذا رجع إلى هذا المرجع لاح على قرب وكثب سقوط ما اختاره وأمكن أن يقال بم تنكرون على من يزعم أن التردد لمكان اختلاف القرائن وهذا لا سبيل إلى دفعه إلا بقاطع وتنسل بفرض هذا عليه دعوى القطع من يده وينعكس على الجهالة وقد بان بطلانها.
[ ١ / ٦٩ ]
فهذا مقنع في إبطال ما اعتمده الواقفية وشفاء الغليل يتبين في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.
فإن عبر من الواقفية عن محاولة روم الوقف معبر فقال: إذا قال السيد لغلامه: افعل حسن منه الاستفهام والاستعلام لاستبانة المراد في الوجوب أو غيره كان ذلك ركيكا من الكلام واتجه في درئه على القرب: أن ذلك إن حسن على الندور فعند تخيل إشكال في قرائن الأحوال والغالب أن يعد المراجع في ذلك متكلفا وقد يستحق بدون ذلك التأديب.
١٣٥- فأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم على اقتضاء الصيغة الإرادة وقد تقدم الرد عليهم فيه محالا على فن الكلام والله ﷾: أمرنا بالإيمان على التعميم ولا يريد الإيمان ممن كفر ولا مطمع في الخوض في هذا الأصل العظيم.
١٣٦- وأما الفقهاء: فلا أرى لهم كلاما مرضيا يعول على مثله في ابتغاء القطع ولكن من أظهر ما ذكروه أن الصحابة الماضين والأئمة المتقدمين ﵃ أجمعين كانوا يتمسكون بمطلق الأمر في طلب إثبات الإيجاب ولا ينزلون عنه إلا بقرينة [تنبه] عليه.
وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب وكل مسلك في الكلام تطرق إليه إمكان لم يفض إلى القطع.
١٣٧- فإن قيل قد أبطلتم الوقف ومذهب المعتزلة والفقهاء فما المختار عندكم قلنا قد حان الآن أن نبتدىء المسلك الحق في صيغة المباحثة والتقسيم ومبادرة أطراف الكلام بالإسقاط حتى يقرب تعيين المدرك.
ثم إذ ذاك نطبق المفصل ونهجم على مدرك الحق.
فنقول: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق على شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل "فعل" وبين قوله "ما فعل" ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا النظر إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك.
[ ١ / ٧٠ ]
فعلت أو تركت وبين قوله افعل فإن الصيغة الأخيرة مقتضاها الطلب لا محالة وليس في الإباحة من معنى الطلب شيء.
فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق إلا الندب.
والندب من ضرورة معناه [التخيير] في الترك وليس في قول القائل "افعل" تخيير في الترك أصلا.
وقد تعين الان أن نبوح بالحق ونقول "افعل" طلب محضلا لا مساغ فيه لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفز المجرد عن القرائن.
فإن قيل فهذا مذهب الشافعي ﵀ وأتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب فإذا الصيغة لتمحيض الطلب والوجوب مستدرك من الوعيد وبين هذا وبين ما حكيناه عن عبد الجبار مضاهاة في المسلك وبيان عظيم في المغزى والمدرك.
وأنا أبنى على منتهى الكلام شيئا يقرب ما [اخترته] من مذهب الشافعي ﵀.
فأقول ثبت في [وضع] الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبا وهذا منتهى المسألة وبالله التوفيق.
فصل:
١٣٨- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة وتتعلق بها وهي مطلقة مسائل جمة وتتعلق بها وهي مقيدة مسائل وأحكام.
ونحن نبدأ بأحكام الإطلاق ونسرد مسائله ثم نذكر التقييد ومعناه وأحكام المقيد وما يقع التقييد به من حال أو مقال أو سوابق أو لواحق احق إن شاء الله.
[ ١ / ٧١ ]