باب القول في النواهي.
١٩٢- النهي قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة الأمر في اقتضاء به والقول في صيغته كالقول في صيغة الأمر.
ثم الواقفية على معتقدهم في الوقف إذا قال القائل لا تفعل والرد عليهم كما سبق.
١٩٣- والمختار الحق: أن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في الانكفاف عن المنهى عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا إن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به.
ونحن نرسم الآن ما يخص النهي ومقتضاه إن شاء الله تعالى.
مسألة.
١٩٤- ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي تتضمن فساد المنهى عنه وخالف في ذلك كثير من المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة١.
١٩٥- وهذه المسألة لا يظهر مقصودها إلا بتقديم القول في الصلاة في الدار المغصوبة.
فالذي صار إليه جماهير الفقهاء أنها مجزئة صحيحة.
وذهب أبو هاشم٢ وأتباعه إلى أنها فاسدة غير مجزئة والأمر بالصلاة مستمر على من أتى بصورة الصلاة في الدار المغصوبة وعزى هذا المذهب إلى طوائف من سلف الفقهاء وقيل إنه رواية عن مالك بن أنس ﵁.
وأما القاضي أبو بكر ﵁ فإنه قال: ليست الصلاة المقامة في الدار المغصوبة طاعة ولكن الأمر بالصلاة يرتفع وينقطع بها.
ونحن نبدأ بذكر متعلق ابن الجبائي ونذكر اختباط الناس في محاولة الانفصال عنه ثم نوضح المرتضى عندنا مستعينين بالله تعالى.
١٩٦- قال أبو هاشم الصلاة فيها أكوان فإذا وقعت في الدار المغصوبة فهي معصية إذ الكون في البقعة المغصوبة محرم منهي عنه والأكوان التي تقع في الصلاة مأمور بها ويستحيل وقوع الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه فلا شك أنه لا يتعدد.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته. ٢ سبق.
[ ١ / ٩٦ ]
الكون بفرض الصلاة حتى يقدر كونان أحدهما من الصلاة وهو مأمور به والثاني غصب وهذا باطل لا مراء فيه ولو هذى هاذ بتقدير كونين فالذي يعد من الصلاة [منهما] واقع في البقعة المغصوبة فيجب القضاء بكونه غصبا منهيا عنه وإذا تبين كونه منهيا عنه [واستحال وقوع المنهى عنه] مأمورا به فيبقى الأمر على المخاطب به إلى أن يرتسمه وقد تكلم المعترضون على ما ذكر من وجوه نشير إلى عيونها ونوضح بطلانها ثم نعقبها بما نراه ونرضاه.
١٩٧- فمن وجوه كلامهم معارضته بمسائل مع تقدير تسليمه لها وهو لا يسلم شيئا منها فقيل له: من تعين عليه قضاء دين والطلب به متوجه عليه وهو متمكن من الأداء فيحرم بالصلاة فإنها تصح وإن كان مكثه في مكانه تركا لحركاته الواجبة عليه في جهة السعي في أداء الدين.
وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله وليس هو ممن تزعه التهاويل.
١٩٨- ومما ألزمه القاضي ﵁ من هذا الفن أنه قال: المصلى في حال غفلاته ليس قائما بحقيقة العبادة وما يجري من أركان الصلاة في استمرار الغفلة معتد به وإن كان المأمور به عبادة وهذا وإن كان أوقع مما ذكره غيره فلست أراه لازما أصلا فإن الأمة مجمعة على أنه لا يجب إيقاع أركان الصلاة على حقائق العبادات وإنما تكفى النية المقترنة بالعقد وينسحب حكمها وإن عزبت في نفسها [على] الصلاة وهذا بعينه جار في الإيمان فلا يجب على المرء إيقاع المعرفة على حقائق العبادات إذ ما وجبت المعرفة إلا مرة واحدة ثم يستمر حكمها ما لم يطرأ ضد خاص للمعرفة فإذا لم يقع الأمر بإيقاع الأركان على حقيقة العبادة.
١٩٩- وإنما غائلة كلام أبي هاشم في إثباته كون الصلاة معصية والمعصية لا تقع مأمورا بها على جهة حقيقة العبادة ولا على جهة أخرى فإن الأمر بالشيء والنهي عنه يتناقضان ولا بعد في الاكتفاء بصور الأفعال وإن لم يقترن بها حضور الذهن وشهود النية.
٢٠٠- فإن قال قائل: أجمع المسلمون على تسمية الصلاة عبادة بجملتها قلنا نعم هذا من الإطلاقات المتجوز بها ومعظم ما يطلق من أمثالها يغلب التجوز عليه وقد سبق منا في مواضع أن الحقائق ليست معروضة على أطلاقات الشرع وليست هي محمولة على حكم الحقائق فهذا فن من كلام المعترضين.
[ ١ / ٩٧ ]
٢٠١- فأما القاضي ﵁ فقد سلك مسلكا آخر فقال أسلم أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تقع مأمورا بها ولكن يسقط التكليف بالصلاة عندها كما يسقط التكليف بأعذار تطرأ كالجنون وغيره.
وهذا حائد عندي عن التحصيل غير لائق بمنصب هذا الرجل الخطير فإن الأعذار التي ينقطع الخطاب بها محصورة فالمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودواما بسبب معصية لابسها لا أصل له في الشريعة.
ثم غاية القاضي ﵁ في مسلكه هذا ادعاء الإجماع على سقوط الأمر عمن يقيم الصلاة في البقعة المغصوبة ثم أخذ يطول دعواه في ذلك ويعرضها قائلا لم تأمر أئمة السلف ﵃ الغصاب بإعادة الصلاة التي أقاموها في الأرض المغصوبة والذي ادعاه من الإجماع لا يسلم فقد كان في السلف متعمقون في التقوى يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي ﵀ وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر ثم إن صح عنهم ما ذكروه فكما نقل عنهم سقوط الأمر نقل عنهم أن الموقع صلاة مأمور بها فلئن كان يعتصم على الخصم بالإجماع فلا ينبغي أن يجريه في عين ما ينقله ولعل من ادعى الإجماع في أن الصلاة المجزئة ليست معصية أسعد حالا في دعوى الإجماع ممن يدعى وفاق الماضين على أسقاط الأمر بسبب معصية.
٢٠٢- فإذا لاح بطلان هذه الوجوه فقد جاز أن نذكر طريقة التحقيق ونبوح بالسر والغرض فنسلم أن الأكوان التي بنى الخصم الكلام عليها معصية من جهة وقوعها غصبا وندعى وراء ذلك أنه مأمور بها من جهة أخرى وليس ذلك ممتنعا بل هو الحق وقد أجرى الفقهاء هذه الألفاظ ولم يستقلوا بإيضاحها.
ونحن نقول ليس تحيز مكان مخصوص من مقصود الصلاة ولم يثبت ذلك من خصائص شرائط الصلاة والقول في ذلك يلوح بضرب مثال.
فإذا قال القائل لعبده: خط هذا الثوب [أو] لا تقعد اليوم ثم قال له لا تدخل داري هذا اليوم فإذا عصاه وجاوز حكم نهيه وتعداه ودخل داره ولم يزل قائما كما أمره أو خاط الثوب الذي رسم خياطته فلاشك أنه يعد ممتثلا في الخياطة وإن عصاه بدخول الدار فإنه في أمره بالخياطة لم يشترط عليه لزوم بقعة مخصوصة ولذلك يحسن من العبد أن يقول إن عصيتك بدخول الدار لم أعصك.
[ ١ / ٩٨ ]
فيما أمرتني به من إدامة القيام طول النهار ولا يشك ذو عقل أن دوام القيام الذي اتصل الأمر به مرسلا في الدار التي نهى السيد عن دخولها في كونه امتثالا للأمر كالقيام الذي يفرض في غير تلك الدار التي نهاه السيد عنها وذلك يئول إلى اتباع المقصود لكل ذي أمر والفعل وإن اتحد فقد تعدد صوب قصد الامر والناهي فلم يبعد وصفه بكونه مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن الفعل لا يكتسب من كونه متعلقا للأمر والنهى صفة وإنما معني كونه مأمورا به [أنه] المقول فيه افعل ومعنى كونه منهيا عنه تعلق النهي به ثم لا يمتنع فرض قولين أحدهما على الإطلاق ولا تقييد له بحال والثاني على وجه آخر [نعم] النهي عن الشيء مقصودا والأمر به مقصودا ممتنع.
٢٠٣- وما ذكرناه وما لم نذكره نضبطه الآن بأقسام ثلاثة فنقول:
إذا ورد أمر بشيء على وجه فلا يجامعه النهي عنه على ذلك الوجه بل هما يتعاقبان ويتناقضان فهذا قسم.
والقسم الثاني: أن يفرض أمر مطلق يتبين منه أن مقصود الامر تحصيله ثم يفرض نهى عن إيقاع ذلك المأمور السابق على وجه مع التعرض في النهي [للأمر] قصدا إليه فما كان كذلك فالنهي يقتضي إلحاق شرط بالمأمور حتى إذا فرض وقوعه على مراغمة النهي فإنه يقال فيه: إنه ليس امتثالا ويلتحق تقدير الإجزاء فيه مع تجريد القصد إلى النهي بالقسم الأول.
والقسم الثالث: أن يجري الأمر مطلقا ويتبين أن الغرض إيقاع المأمور به من غير تخصيص بحال ومكان ثم يرد نهى مطلق عن كون في مكان من غير تخصيص له بموجب الأمر الأول فيقع النهي مسترسلا لا تعلق له بمقصود [الأمر ويبقى الأمر مسترسلا لا تعلق له بمقصود] النهي فإذا انقطع ارتباط أحدهما بالآخر ووقع الفعل على حسب الأمر مخالفا للنهي قيل فيه إنه وقع مقصودا للأمر المطلق منهيا عنه بالنهي المؤخر فلا يمتنع والحالة هذه اجتماع الحكمين وينزل هذا منزلة [تعدد] الامر والناهي وهذا في غاية الوضوح.
فإذا انساق ما ذكرناه انعطفنا علة القول في الصلاة في الدار المغصوبة وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة في وضع الشرع متعلقا بمقصود الصلاة فاسترسل النهي منقطعا عن اغراض الصلاة وبقيت الصلاة على حكمها فإن صح نهى مقصود عن الصلاة في الدار المغصوبة فلا.
[ ١ / ٩٩ ]
تصح كما لا [تصح] صلاة المحدث لما صح نهيه عن الصلاة مع الحدث فهذا تمام المقصود في المقدمة الموعودة.
٢٠٤- ونحن الآن نرجع مآل الكلام إلى القول [في أن النهي هل يدل] على الفساد.
أما من صار من المعتزلة والفقهاء إلى أن صيغة النهى لا تدل على الفساد فمتعلقهم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وفيما قدمناه الآن مقنع في درء هذا الكلام.
فنقول ما صح النهي عنه مقصودا في غرض [النهي] فهم لا يخلون فيه إما أن يقولوا النهي لا يقتضي التحريم أو يسلموا اقتضاءه له فإن زعموا أنه لا يقتضيه أثبتنا ذلك عليهم بما أثبتنا به اقتضاء صيغة الأمر الطلب الجازم على أن النهي لو تقيد بالتحريم فهو عند هؤلاء لا يتضمن الفساد ومنع الإجزاء فلا معنى لربط الأمر بالمنع والتسليم في ذلك فإذا تبين أن المنهى عنه محرم في مقصود الآمر فيستحيل أن يكون موافقا [للأمر] والمعنى بالفاسد ما يقع حائدا عن موجب الامتثال على ما سنذكر حد الصحيح والفاسد فإذا النهي الخاص المختص بغرض الآمر يتضمن فساد المنهى عنه واستمرار الأمر بعده.
والصلاة في الدار المغصوبة قد تقرر أمرها ووضح انفصال مسألتنا عنها وفي هذا بلاغ كامل.
مسألة:
٢٠٥- مما يتعلق بالمناهي الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة وبني ذلك على أن كل فعل يشار إليه فهو في عينه ترك لمحظور وترك المحظور واجب فلا شيء على هذا إلا ويقع واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور وإن قيل تارك الزنا بالقعود كتاركه بالقيام فليس يمتنع فرض واجب غير معين من أشياء وتعيينه إلى خيرة المخاطب.
وسبيل مكالمته ينبني على ما تنجز الفراغ منه الآن وقد مضى في الأوامر إذ تكلمنا في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن أضداد المأمور به بما يكشف المقصود في ذلك.
[ ١ / ١٠٠ ]
وحاصل القول في هذه المسالك رد الأمر إلى القصد والغرض من النهي عن الزنا ألا يكون الزنا لا أن يكون ضد من أضداده فالمباحات مقصودة منتحاه بقصد الإباحة وليست مقصودة بالإيجاب وما عندنا أن الكعبي ينكر ذلك ونحن لا ننكر أن المباحات تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات.
والذي يوضح ما نحاول: أن الزنا محظور لنفسه وهو ترك للقتل فليكن محظورا من حيث إنه زنا واجبا من حيث إنه ترك للقتل ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة ثم إنكار الإباحة هجوم عظيم على الإجماع فإن الكعبي ورهطه مسبوقون بإجماع الأمة على الإباحة ووجهه ما ذكرناه آنفا.
مسألة:
٢٠٦- المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين وإن لم يكن محرما وسيأتي الكلام على معنى نهى الكراهية.
وذهب ذاهبون من الفقهاء [إلى] أنه داخل تحت الأمر والدليل على ما ارتضاه المحققون أن الأمر طلب واقتضاء والمكروه ليس مطلوبا ولا مقتضى فكيف يقع امتثالا للاقتضاء؟ مع تحقيق المنع عنه فضلا عن الاقتضاء والمباح لا يقع مأمورا به لأن من حقيقته التخير فيه فإذا لم يدخل المباح تحت الأمر فكيف يندرج تحت [قضيته] المزجور عنه؟
وهذه المسألة مثلها الأئمة بالترتيب في الوضوء وقالوا الأمر بالوضوء عند القيام جازم محمول على الإيجاب والاقتضاء البات والوضوء المنكس عند من لا يرى الترتيب مستحقا مكروه فلا يدخل تحت مقتضى الأمر فيبقى الأمر متوجها إلى وقوع امتثال مقتضى مطلوب.
هذا منتهى كلام الأصحاب في ذلك.
٢٠٧- والذي أراه أن ما ذكروه إن لم يصدر عن رأى مخمر فلا حاصل له وإن صدر هذا القول عن ذي بصيرة فهو تلبيس ووجه الكشف فيه أنا لا ننكر وقوع الشيء مجزيا مسقطا فرض الامتثال المحتوم وإن كان وقوعه على حكم الكراهية ومن [تتبع] قواعد الشريعة ألفى من ذلك أمثلة تفوق الحصر فلا يمتنع إذا.
[ ١ / ١٠١ ]
اجتماع الإجزاء مع الحكم بالكراهية.
وإن ادعى من يرى الترتيب واجبا أن المكروه ليس بامتثال وملابسه ليس ممتثلا فنتيجة كلامه أن الأمر الجازم باق بعد الوضوء المنكس وإذا كان كذلك فالترتيب بحكم الخطاب والإيجاب مستحق.
فإذا استثمر اللبيب هذا الكلام كان مغزاه إثبات وجوب الشيء من حيث ثبت على مذهب الخصم كراهيته وهذا من فن العبث وكيف يطمع المحصل في إفضاء هذا الكلام إلى التحقيق مع اعترافه بأن المكروه لا يمتنع أن يقع امتثالا.
فإذا بلغت المباحثة منتهاها فالوجه عندي في هذه المسألة ردها إلى مأخذ الكلام في الصلاة في الدار المغصوبة فليفرض الأمر مطلقا عاما شاملا للمنكس والمرتب وإن لم يظهر في الآية ما يشعر بالترتيب لم يحمل نهي الكراهية عند القائل به على كراهة لا [تتعرض] لمقصود الأمر وإنما [تتلقى] من مأخذ آخر وقد تقرر هذا الفن مرددا في مسائل.
ثم الذي حمل من لا يشترط الترتيب على تسليم الكراهية وقوع الوضوء على خلاف ما عرف وألف من عادة السلف الصالح ﵃ أو وقوعه على وجه يخالف في صحته طوائف من حملة الشريعة من غير عذر ولا عسر في ارتياد الموافقة.
مسألة:
٢٠٨- من توسط أرضا مغصوبة على علم فهو متعد مأمور بالخروج عن الأرض المغصوبة ثم الذي ذهب إليه أئمتنا أجمعون أنه إذا استفتح الخروج واشتد في أقرب المسالك وأخذ فيه على مبلغ الجهد فليس هو مع التشمير واجتناب التقصير ملابسا عدوانا بل هو منسلك في سبيل الامتثال.
٢٠٩- وقال أبو هاشم هو إلى الانفصال عاص وقد عظم النكر عليه من جهة أن من فيه الكلام ليس يألو جهدا في الامتثال فإذا كانت حركاته امتثالا استحال أن تكون محتسبة عليه عدوانا.
وهذا المسلك ناء عن طريق القول في الصلاة في الدار المغصوبة فإن العدوان في تلك المسألة غير مختص بالصلاة وحكمها فانفصل غرض الصلاة عن مقتضى النهي عن الغصب كما سبق مقررا والأمر بالخروج فيما نحن فيه مدفوعون إليه مماس.
[ ١ / ١٠٢ ]
للعدوان على حكم المضادة فكان الحكم للخارج بملابسة الامتثال في جهة ترك العدوان مناقضا لاستصحاب حكم العدوان عليه وهذا يلزم أبا هاشم جدا من حيث إنه جعل أكوان الغاصب خارجة عن وقوعها طاعة في جهة الصلاة ورأى تقرير ذلك مناقضا فكيف يحكم على الخارج بالامتثال مع استمرار حكم العدوان عليه.
٢١٠- والذي هو الحق عندي أن القول في ذلك معروض على مسألة من أحكام المظالم وهو أن من غصب مالا وغاب به ثم ندم على ما تقدم وثاب واسترجع وآب وأتى بتوبته على شرطها فالذي ذهب إليه المحصلون أن سقوط ما يتعلق بحق الله تعالى يتنجز إما مقطوعا به على رأى وإما مظنونا على رأى وأما ما يتعلق بمظلمة الآدميين فالتوبة لا تبرئ منه ولست أعني به الغرم وإنما أعني به الطلبة الحاقة في [القيامة] .
فأما المغارم فقد ثبتت من غير انتساب إلى المآثم كالذي يجب على الطفل بسبب ماجنى وأتلف.
والسبب في بقاء المظلمة مع حقيقة الندم وتصميم العزم على استفراغ كنه الوسع في محاولة الخروج عن حق الآدمي أن الذي تورط فيما تندم عليه [الآن هو مضطر إلى الخروج كالمضطر إلى الميتة فيحل له ذلك كالميتة] ولا ينجيه الندم ما لم يخرج عما خاض فيه.
٢١١- فإذا وضح ذلك انعطفنا على غرض المسألة قائلين من تخطى أرضا مغصوبة نظر فإن اعتمد ذلك متعديا فهو مأمور بالخروج وليس خارجا عن العدوان والمظلمة لأنه كائن في البقعة المغصوبة والمعصية مستمرة وإن كان في حركاته في صوب الخروج متمثلا للأمر وهذا يلتفت إلى مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإنها تقع امتثالا من وجه وعصيانا واعتداء من وجه فكذلك الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل من وجه عاص لبقائه من وجه.
فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه يتلقى من ارتكابه نهيا والإمكان معتبر في المنهيات اعتباره في المأمورات فكيف الوجه في إدامة معصيته فيما لا يدخل في وسعه الخلاص منه قلنا تسببه إلى ما تورط فيه آخرا سبب معصيته فليس هو عندنا منهيا عن الكون في هذه الأرض مع بذله المجهود في الخروج منها ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي عنه وهذا تمام البيان في ذلك.
[ ١ / ١٠٣ ]
٢١٢- ويظهر الغرض منه بمسألة ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء وأنا أذكرها وأوضح ما فيها.
وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه لهلك من تحته ولو انتقل عنه لم يجد موقع قدم إلا بدن آخر وفي انتقاله إهلاك المتنقل إليه فكيف حكم الله تعالى وما الوجه؟
وهذه مسألة لم أتحصل من قول الفقهاء فيها على ثبت والوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه عليه أما وجه سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه ووجه استمرار حكم العصيان عليه تسببه إلى ما لا مخلص له منه.
ولو فرض إلقاء رجل رجلا على صدر واحد كما سبق الفرض والتصوير بحيث لا ينسب الواقع إلى اختيار ذلك فلا تكليف عليه ولا عصيان.
ومما أخرجه على ذلك: أن من خالط أهله في نحر السحر قاصدا إيقاع ذلك الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بمطلعه الانكفاف والنزع وهذا القصد عسر التصور مع غموض مدرك أوائل الفجر فإن تصور ثم نزع المواقع مع أول الفجر فالذي أراه أنه يفسد صومه من جهة أنه تسبب إلى وضع المخالطة في مقارنة الفجر وإن كان منكفا وإن خالط أهله ظانا أنه في مهل من بقية الليل ثم طلع الفجر فابتدر النزع فلا يفسد والحالة هذه صومه فهذا منتهى الغرض من المسألة والفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل ويحكمون بأن النازع لا يفطر وإن قصد وتعمد كما فرضناه من جهة أنه نازع مع أول الفجر تاركا للعمل وهذا ليس بالمرضى.
مسألة:
٢١٣- السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب به إليه محرم منهي عنه على مذهب علماء الشريعة. ونقل عن أبي هاشم أنه لا يرى تحريم السجود ويقول إنما المحرم القصد وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنها فالذي ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور المحرم القصد وهذا يوجب أن لا يقع السجود طاعة من جهة تصور وقوعه مقصودا على وجه التقرب إلى الصنم ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربا وهذا خروج عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورا به مع قصد منهيا عنه مع نقيضه.
[ ١ / ١٠٤ ]
مسألة:
٢١٤- إذا اتصلت صيغة "لا" في النفى بجنس من الأجناس فقد اضطرب فيها رأى أصحاب الأصول مثل قوله ﵇:١ "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، ومذاهبهم يحصرها فنان من الكلام.
أحدهما: أن اللفظة مجملة والثاني أنها ليست بمجملة فأما الصائرون إلى دعوى الإجمال فقد اختلفوا في جهة الإجمال فصار صائرون إلى أنها مجملة من جهة أن اللفظة بظاهرها متضمنة انتفاء الجنس وقوعا ووجودا وليس الأمر كذلك فاقتضى هذا وقفا وإلحاقا للفظة بالمجملات وهذا باطل من وجهين أحدهما أنا على قطع نعلم أن رسول الله ﵇ إذا تعرض لأحكام الشرائع لم يرم إلا بيان الحكم وتأسيس الشرع وتبيين جهات التعبد وهذا مقطوع به ومن ظن غير ذلك فإنما يغالط نفسه فهذا وجه والوجه الثاني أن الصوم لفظ شرعي [عام] في عرف الشرع والذي نفاه الشارع ﷺ الصوم الشرعي لا الإمساك الحسي وينقدح أيضا في الرد على هؤلاء أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه فقد اضطررنا إلى أن الرسول ﷺ لم يرده فإن خبره [لا] يقع على خلاف مخبره فيتبين إذا والحالة هذه استبانة خروج [ذلك] اللفظ عن مسالك الاحتمال ورد معنى اللفظ إلى الحكم.
فإن قال قائل: هذا مشكل في صدق الرواة قلنا المسألة في اللفظ جارية كقوله ﷾: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ٢ وغيره.
وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال إلى تردد اللفظ بين نفي الجواز ونفي الكمال وهذا اختيار القاضي أبي بكر٣ ﵁ وهو مردود عندي فإن اللفظ ظاهر في نفي الجواز خفي جدا في نفي الكمال فإن الذي ليس بكامل صوم والرسول ﵇ تعرض لنفي الصوم.
٢١٥- فمذهبنا المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز مجاز في نفي الكمال على ما سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات إن شاء الله.
_________________
(١) ١ رواه لأبو داود "٢٤٥٤" والنسائي: ب "٦٨" والدارمي في الصوم: ب "١٠". ٢ آية "٢٥٦" سورة البقرة. ٣ سبقت ترجمته.
[ ١ / ١٠٥ ]
٢١٦ - وذهب جمهور الفقهاء إلى أن اللفظة عامة تتناول نفي [الوجود] ونفي الحكم ثم تبين أن الوجود غير مراد فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل وهذا وإن هذي به الفقهاء ركيك فإن اللفظ إنما يعم مسميين يتصور اجتماعهما وإذا فرض نفي الوجود فكيف يفهم معه نفى في بقاء الحكم؟.
وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معنى بالنفي ولكن اللفظ عام في نفي الجواز والكمال وهذا يسقط بالمنهاج المقدم فإن الجواز إذا انتفى لم يعقل معه نفى كمال ومن ضرورة نفي الكمال ثبوت الجواز فقد بطلت دعوى الإجمال في اللفظة ودعوى العموم.
واستبان ظهور اللفظ في نفي الجواز وكونه مؤولا في نفي الكمال.
[ ١ / ١٠٦ ]