باب العموم والخصوص.
٢٢٧- قال المحققون من أئمتنا لعام والخاص قولان قائمان بالنفس كالأمر والنهي والعبارات [تراجم عنهما] وأثبتوا ذلك في صدر هذا الكتاب إثباتهم الأمر المقتضى النفسي في مفتتح كتاب الأوامر ثم ردوا اهتمامهم إلىالقول في صيغة العموم وهذا الذي صدروا الكتاب به ليس بالهين عندي فإنا وجدنا اقتضاء نفسيا وطلبا مختلجا في الضمير لا يناقض كراهية وجود المقتضى على ما سبق ذلك متضحا فسمينا الطلب النفسي أمرا وأوضحنا من طريق اللسان تسمية العرب إياه كلاما فأما العموم والخصوص فما أراهما كذلك في الوضوح.
ويظهر أن يقال: [عموم] النفس علوم بمعلومات على جهات في الإرادة والكراهية أو غيرهما فأقصى ما يذكره في هذا أن كل ما يثبت العلم به ففي النفس حديث عنه منفصل عن العلم وهو الذي يسمى الفكر والعلم محيط بمعنى الجميع وفي النفس فكرته وحديث عنه فليعلم طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر وهو المعنى بكلام النفس.
ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول أن فكر النفس [متعلقة بالمعلومات] والمعتقدات ولا تتعلق النفس بالعلم الحق وهذا الآن [يتعلق] بالقول في النطق النفسي ولا مطمع في مفاتحته فضلا عن استقصائه.
ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم فهو [متخيل] العلم معلوما منطوقا به وهذا هو الذي اختلج في عقول المتكلمين وطيش أحلامهم حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء هل هو علم بأنه علم به وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس لا في العلم نفسه.
ونحن في الأحايين نرمز إلى تلويحات في هذا المجموع [لنتشوف] عند نجازه إلى العلوم الإلهية ونستحث على طلبها مسألة.
٢٢٨- ونعود الان إلى المقصود اللائق بما نحن فيه ونقول: اختلف الأصوليون في صيغة العموم اختلافهم في صيغة الأمر والنهي [فنقل] مصنفو المقالات عن الشيخ.
[ ١ / ١١١ ]
أبي الحسن والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية وهذا النقل على هذا الإطلاق زلل فإن أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يفتني منهم أحد وإنما كرر هذا اللفظ قطعا لو هم من يحسبه خصوصا إلى غير ذلك وإنما أنكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بلفظ الجمع ووافق الملقب بالبرغوث من متكلمي المعتزلة وابن الراوندي الواقفية فيما نقل عنهم.
وذهبت طائفة يعرفون بأصحاب الخصوص إلى أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في اقل الجمع مجملات فيما عداه إذا لم يثبت قرينة تقتضي تعديتها إلى أعلى الرتب.
[وأما الفقهاء فقد قال جماهيرهم الصيغ الموضوعة للجميع نصوص في الأقل] وظواهر فيما زاد عليه لا يزال اقتضاؤها في الأقل بمسالك التأويل وهي فيما عدا الأقل ظاهرة مؤولة.
٢٢٩- والذي صح عندي من مذهب الشافعي ﵁ أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق وإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة.
٢٣٠- ومما زل فيه الناقلون أنهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعية أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع بل تبقى على التردد وهذا وإن صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين فأما ألفاظ صريحة تفرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أن يتوقف فيها.
ثم نقل عن أبي الحسن مذهبان حسب ما مضى في صيغى الأمر أحدهما الحكم بكون اللفظ مشتركا بين الواحد اقتصارا عليه وبين أقل الجمع وما فوقه ونقل عنه أنه كان يقول لا أحكم بالاشتراك ولا أدرى للصيغ مجملا ولا مفصلا ولا مشتركا.
ومسالك حجاج الواقفية في هذه المسالة وطرق الجواب عنها كما تقدم في مسألة الأوامر فلا معنى لإعادتها.
٢٣١- والذي نحن نذكره الآن مسلك الحق وما هو المرتضى عندي فأقول.
[ ١ / ١١٢ ]
والله المستعان: الألفاظ التي يتوقع اقتضاء العموم فيها منقسمة فمن أعلاها وأرفعها الأسماء التي تقع أدوات في الشرط وهي تنقسم إلى ظرف زمان [وإلى] ظرف مكان واسم مبهم يختص بمن يعقل كقولك من أتاني أكرمته واسم مبهم يختص [بما لا] يعقل في رأى ولا يختص بمن يعقل في رأى كوقوع ما شرطا.
وكل اسم وقع شرطا عم مقتضاه فإذا قلت من أتاني اقتضى كل آت من العقلاء وإذا قلت متى ما جئتني اقتضى كل زمان وإذا قلت حيثما رأيتني اقتضى كل مكان وما يقع منكرا منفيا فهو كذلك يتعين [أيضا] القطع بوضع العرب إياه للعموم كقولهم: لم أر رجلا.
صيغ الجموع:
٢٣٢- وأما صيغ الجموع فلو قسمناها على مراسم صناعة النحو لأطلنا أنفاسنا لكنا نذكر مراسم على قدر مسيس الحاجة إليها [فالجمع] ينقسم إلى جمع سلامة وإلى جمع تكسير.
فأما جمع السلامة فهو الذي يسلم فيه بناء الواحد وهو ينقسم إلى جمع الذكور [وإلى] جمع الإناث فأما جمع الذكور فبزيادة واو قبلها ضمة ونون بعدها في محل الرفع وبزيادة ياء قبلها كسرة ونون [بعدها] في محل النصب والجر.
وأما الإناث فالاسم المؤنث ينقسم إلى اسم ليس في اخره عم للتأنيث وإلى اسم في آخره علم للتأنيث فأما ما ليس فيه علم للتأنيث فجمع السلامة فيه بزيادة ألف وتاء في الوصل والوقف بضمها في محل الرفع وبكسرها في محل الجر والنصب تقول جاءني الهندات ورأيت الهندات ومررت بالهندات وأما ما في آخره علم للتأنيث فينقسم إلى ما يكون هاء في الوقف وتاء في الوصل وإلى ما يكون ألفا ما يكون هاء [فإذا] حاولت الجمع فيه حذفت الهاء من الواحدة وزدت ألفا وتاء كما تقدم فتقول في مسلمة مسلمات.
وأما ما يكون علامة التأنيث فيه ألفا فينقسم إلى ألف ممدودة وإلى ألف مقصورة فأما إذا كانت الألف ممدودة كقولك في صحراء وخنفساء فتقلب الهمزة واوا وتزيد ألفا وتاء إذا لم يكن [المذكر منه] أفعل كقولك صحراوات وخنفساوات [تقلب الهمزة واوا] .
فأما إذا كان المذكر فيه أفعل فالعرب لا تنطق بجمع السلامة فيه بل تقول في.
[ ١ / ١١٣ ]
الحمراء حمر ومن مشكل الحديث قوله صلى الله عليه وسلم١: "ليس في الخضراوات زكاة" والرسول ﵇ لم يرد جمع الخضراء الذي مذكرها أخضر وإنما أجراها لقبا على نوع من الإتاء والدخل.
وأما ما ألفه مقصورة كالحبلى والسكري فجمع السلامة على الطرد فيها بانقلاب الألف ياء وزيادة الألف والتاء بعدها فتقول في حبلى حبليات وسكريات وغضبيات فهذه تراجم جمع السلامة.
٢٣٣- فأما جمع التكسير فهو الذي نكسر فيه بناء الواحد ثم قد يكون ذلك بزيادة حرف كثوب وثياب وكلب وكلاب وقد يكون بنقصان حرف كرغيف ورغف قد يكون بتبديل حركة في صدر الكلمة كأسد وأسد.
ثم حظ الأصول منها أن الجمع بنفسه ينقسم انقساما آخر [فمنه] ما هو جمع القلة وهو في وضع اللسان [لما] دون العشرة وله أبنية تحتوي عليها كتب أئمة النحو كالأفعل والأفعال والأفعلة والفعلة مثل الأكلب والأجمال والأغطية والصبية.
ومنها ما هو جمع الكثرة كالفعول والفعال ونحوها.
وإنما نبهنا على هذا المقدار ليتبين للناظر خلو معظم الخائضين في هذا الفن عن التحصيل إذا أطلقوا القول في الصيغة ولم يفصلوها إلى الجمع وغيره ثم لم يفصلوا الجمع إلى جمع القلة وإلى جمع الكثرة.
٢٣٤- ونحن نقول أما ما ذكرناه قبل تقاسيم الجموع من الشروط والتنكير في النفي فلا شك أنه لاقتضاء العموم ودليلنا عليه كدليلنا على تسمية العرب جارحة مخصوصة رأسا.
وأما المجموع فجمع القلة لم يوضع للأستغراق قطعا وإجماع أهل اللسان على ذلك كاف مغن عن تكلف إيضاح واللغة نقل فليت شعري بم نتعلق إذا عدمناه وأما جمع الكثرة فهو في وضع اللسان للاستغراق فإن العرب استعملته قطعا مسترسلة على آحاد الجنس ووضعته لها ثم إن اتصل بها استثناء بقى مقتضى اللفظ على ما عدا المستثنى وإن كان مطلقا فمقتضاه الاستغراق فإن تقيد بقرينة حالية نزل على حسبها.
_________________
(١) ١ الدارقطني ٢/٦٥، ٩٦، والكنز "١٨٥٢" والترمذي بنحوه في: الزكاة: ب: "١٣": حديث "٦٣٨" وقال: إسناد الحديث ليس بصحيح وليس يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.
[ ١ / ١١٤ ]
ونحن من هذا المنتهى [نفرع] ذروة في التحقيق لم [يبلغ] حضيضها ونفترع معنى [بكرا] هو على التحقيق منشأ اختباط الناس في عماياتهم والله ولي التوفيق.
٢٣٥- فأقول: الألفاظ تنقسم في منهاج غرضى أربعة أقسام يقع اثنان منها في طرفين في النفي والإثبات ويتوسطها اثنان فأما الواقع طرفا في ثبوت الاقتضاء المتناهى في الوضوح فهو الذي يسمى نصا على ما سيأتي.
[ ١ / ١١٥ ]