باب: في ترجيح الأقيسة.
١٢٥٢- هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب وفيه تنافس القياسون وفيه أتساع الاجتهاد وهو يستدعي تجديد العهد بمراتب الأقيسة فنقول:
المرتبة العليا المعدودة من مسالك القياس ما يقال: إنه في معنى الأصل وقد سبق تأصيله وتفصيله وتقدم القول في أنه: هل يعد من الأقيسة أو يعد من مقتضيات الألفاظ وهو على كل حال مقدم على ما بعده.
والسبب فيه أنه ملتحق بأصله قطعا والتحاقه به مقطوع غير مظنون ولا شك في تقديم مراتب العلوم على درجات الظنون ثم يلي ذلك من قياس المعنى ما يطرد وينعكس ويليه القياس الذي يسمى قياس الدلالة كما سبق وصفه ويلي ذلك قياس الشبه فأما ما يعلم فلا ترتيب فيه.
مراتب قياس المعنى.
١٢٥٣- وأما قياس المعنى فهو على مراتب لا يضبطها ضابط فإن مسالك الظنون لا يتأتى حصرها وهي وإن كانت منحصرة من جهة تعيين مناسبتها لأصولها الشريعة فلا يتأتى للناظر الوصول إلى ضبطها بعد وربطها بحد ولكنا نحرص على تقريب الأمور والإشراف على ما يكاد أن يكون تشوفا إلى الضبط ونتقي فيما نحاوله مصالح لا نرى تقدير ها مأخذ الأحكام ونحاذر فيها الوقوع في منخرق مذهب مالك ومتسع مسلكه المفضى إلى الخروج عن الحصر والضبط.
ثم قد ذكرنا في الاستدلال طرفا من ذلك ونحن نعيده ونزيده تقريرا وتقريبا فنقول:
١٢٥٤- إذا وجدنا أصلا استنبطنا منه معنى مناسبا للحكم فيكفي فيه ألا يناقضه أصل من أصول الشريعة ويكفي في الضبط فيه استناده إلى أصل متفق الحكم [ومرجوعنا] في ذلك وجداننا أصحاب رسول الله ﷺ مسترسلين في استنباط المصالح من أصول الشريعة من غير توقع وقوف عند بعضها.
١٢٥٥- فأما المعنى الذي لا نجد له أصلا ولا مستندا فهو الذي سميناه الاستدلال ونحن نرى التعلق به كما مهدنا القول فيه.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
ولا يجوز التعلق عندنا بكل مصلحة ولم ير ذلك أحد من العلماء ومن ظن ذلك بمالك ﵁ فقد أخطأ فإنه قد اتخذ من أقضية الصحابة ﵃ أصولا وشبه بها مأخذ الوقائع فمال فيما قال إلى فتاويهم وأقضيتهم فإذا لم ير الاسترسال في المصالح ولكنه لم يحط بتلك الوقائع على حقائقها وهذا كبنائه قواعد على سيرة عمر ﵁ في أخذه شطرا من مال خالد وعمرو وقد قدر ذلك تأديبا منه.
وهذا زلل فإنه لا يمتنع أنه رآهما آخذين من مال الله تعالى ما لا يستحقان أخذه على ظن وحسبان وكان يرعى طبقة الرعية بالعين الكالئة والأليق بشهامته وإيالته أن نظره الثاقب كان بالمرصاد لما يتعديان فيه الحدود عامدين أو خاطئين إذ كانا موليين على مال الله تعالى وإذا أمكن ذلك وهو الظاهر فحمله على التأديب لا وجه له ولو صح عنه أخذ مال رجل غير متصرف في مال الله تعالى لكان يظهر ما تخيله مالك.
وكذلك كل واقعة ربط مالك أصلا من أصوله بها فإنه لا يرى ذلك الأصل استحداث أمر وهو عند الباحثين ينعطف على أبلغ وجه إلى قواعد الشريعة.
فخرج مما ذكرناه أن مالكا ضم وقائع الصحابة إلى الأمور الظاهرة من الشريعة ولم يظن بهم افتتاح أمر من عند أنفسهم ولكنه قال: الأخبار [منقسمة] إلى ما نقلت صريحا وإلى ما فهمنا ضمنا فإنا لا نظن بأئمة الصحابة استقلالهم بأنفسهم في تأسيس أصول فهذا بيان مذهبه.
١٢٥٦- ونحن نرى الاقتصار في مآخذ الأحكام على أصول الشريعة وأقضية الصحابة محمولة عليها ولا نتخيل أخبارا استندوا بها وسكتوا عن نقلها مع علمنا بأنهم كانوا يبرئون أنفسهم عن الاستقلال ويعضدون ما يحكمون به بما يصح عندهم من أخبار الرسول ﵇ وهذا وجه انفصال أحد المذهبين عن الثاني ثم الاستدلال المقبول هو المعنى المناسب الذي لا يخالف مقتضاه أصلا من أصول الشريعة كما ذكرناه في المعنى المستنبط من الأصول ويظهر أثر ذلك بضابط في النفي والإثبات وهو أن كل معنى لو أطرد جر طرده حكما بديعا لم يعهد مثله في الزمان الأطول فيدل خروج أثره عن النظير على خروج معناه المقتضى عن كونه معتبرا.
والدليل عليه أنه لو كان معتبرا لوجب في حكم العادة القطع بوقوع مثله في.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الزمن المتمادي وبمثل هذا المسلك قطعنا [بأنه] لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى وإذا كان أثر المعنى لا يعدم نظيرا قريبا ولم يقتض طرد المعنى مخالفة أصل من الأصول فهو استدلال مقبول معمول به.
وبيان ذلك بالمثال: أن مالكا لما زل نظره كان آثر ذلك تجويز قتل ثلث الأمة مع القطع بتحرز الأولين عن إراقة محجمة دم من غير سبب متأصل في الشريعة ومنه [تجويزه التأديب] بالقتل في ضبط الدولة وإقامة السياسة وهذا إن عهد فهو من عادة الجبابرة وإنما حدثت هذه الأمور بعد انقراض عصر الصحابة.
١٢٥٧- فإذا تجدد العهد بما ذكرناه فنحن نرسم بعده مراتب في الإخالات وننزل كل مرتبة منزلتها ونرى أن مدركها على حقائقها مشرف على طرف المعاني فإذا عسر الوفاء باستيعاب أمثلة الأقيسة المعنوية في هذا المجموع فالوجه أن نتخذ أصلا من أصول الشريعة يشتمل على مجامع القول في وجوه الإخالات ونبين فيه وجوه الترتيب فيها وما يقع في الرتبة العليا والرتبة التي تليها إلى استيعاب مدارك الفقه ومعانيها ثم [يقيس] الفطن على ما نرسمه فيها ما يدانيها.
المرتبة الأولى:
١٢٥٨- فليقع الكلام في القصاص وما يقتضى إيجابه وما يوجب اندفاعه فنقول أوجب الله القصاص في نص كتابه زجرا للجناة وكفا لهم وأشعر بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١ واتفق المسلمون على هذه القاعدة ولم ينكرها من طبقاتهم منكر.
ثم قال أئمة الشريعة: كل مسلك يطرق إلى الدماء الهرج على جريان واسترسال واستمكان من غير حاجة إلى أمر نادر ومعاناة شاقة فهو مردود فإن المقصود المتفق عليه من القصاص صيانة الدماء وحفظ المهج فمن خالف هذا فهو لو قدر ثبوته [ناقض] له والثالث نصا وإجماعا لا سبيل إلى نقضه.
فإذا تمهد [ذلك] فكل معنى يستند إلى هذه القاعدة ويوافقها من غير اختلاف في مجراه فهو على المرتبة العليا من أقيسة المعاني.
١٢٥٩- وهذا يمثل [بالقول في القتل] بالمثقل.
_________________
(١) ١ آية "١٧٩" سورة البقرة.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ولا شك أن من نفي القصاص به مناقض للقاعدة من جهة أن القصد إلى القتل بهذه الآلات أمر ثابت وهو ممكن لا عسر في إيقاعه وليس القتل به مما يندر [فإذا لم يعسر ولم يندر] فكان نفي القصاص بالقتل بها مضادا لحكمة الشريعة في القصاص.
فإذا ناكر الخصم العمدية في القتل بهذه الآلات سفه عقله ولم يستفد به إيضاح عسر القتل.
١٢٦٠- وإن شبب بتعبد في آلة القصاص وكان ذلك في حكم العبث فإن تقدير التعبد مع ما تمهد من الحكمة يناقض الحكمة المرعية في العصمة فليفهم الفاهم مواقع التعبد.
١٢٦١- وإن تمسك بصورة في العكس وقال الجرح الذي لا يغلب اقتضاؤه إلى الهلاك إذا أهلك أوجب القصاص كان هذا غاية في خلاف الحق فإن الجرح لاختصاصه بمزيد الغور وإمكان السريان إذا اقتضى القصاص حسما لمادة الجناية وردعا للمعتدين فكيف يستجيز ذو الدين أن يبنى عليه إسقاط القصاص بالقتل الذي يقع بالأسباب التي تقتل لا محالة؟
وليعتبر المعتبر عن هذا الأصل فإنه أجلى أقيسة المعاني وأعلى مرتبة فيها فإنه لا حاجة في ربطه بالقاعدة إلى تكلف أو تقرير أو تقريب وتحرير.
ولو قيل: هو الأصل بعينه [و] ليس ملحقا به لم يكن [بعيدا] .
١٢٦٢- ومخالف ما يقع في هذه المرتبة مائل عن الحق على قطع وليس القول فيها دائرا في فنون الظنون وما يكون بهذه الصفة لا يتصور أن يعارضه معارض.
١٢٦٣- ونضرب لهذا مثالا آخر قياسا.
فنقول: الغرض من شهادة الشهود إيضاح المقصود المشهود به ثم للشرع تعبدات وتأكيدات في رتب البينات على حسب أقدار المقاصد.
وأعلى البينات بينة الزنا فإذا شهد على صريح الزنا أربعة من الشهود العدول وتناهى القاضي في البحث وانتفت مسالك التهم فهذا أقصى الإمكان في الإيضاح والبيان فلو شهدوا وأقر المشهود عليه مرة واحدة لم يؤثر إقراره ووجب القصاص بموجب البينة فإن إقراره تأكيد البينة ولا يحط من مرتبة البينة شيئا.
فإذا قال أبو حنيفة: إذا أقر المشهود عليه مرة سقطت البينة ولم [يثبت] بذلك.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الإقرار شيء لم يجز أن يكون هذا مضمون في أصل الشريعة المحمدية فإن الإقرار لم يعارض البينة مناقضا ثم هو ذريعة يسيرة غير عسيرة في ترك البينات ثم المقر لا يحلف حتى يتخيل ارعواؤه ولو طلبنا أمثال ذلك وجدنا منه الكثير.
المرتبة الثانية:
١٢٦٤- تعتمد على قياس معتضد بالأصل ولكنه قد يلقى الجامع احتياجا إلى مزيد تقرير وتقريب ويعن للخصم تخيل فرق وإن كان إفساده هينا.
ومثال ذلك: أنه قد ثبت وجوب القصاص على المشتركين في القتل وهذا مستند إلى قاعدة الشرع في تحقيق العصمة وزجر الجناة فإن الاستعانة في أمثال ذلك ليست بالعسيرة والقتل على [الاشتراك] غالب الوقوع فاقتضى معنى القصاص في الأصل إيجاب القتل على الشركاء وهذا يتطرق إليه الكلام قليلا من جهة أن كل واحد [منهم] ليس قاتلا وفعل كل واحد منهما يخرج أفعال شركائه عن الاستقلال بالقتل وقتل غير القاتل فيه مخالفة الموضوع المشروع في تخصيص القتل بالقاتل.
وفيه وجه آخر: وهو أن إمكان القتل بالمثقل فوق إمكان الاستعانة وعن هذا تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على الشركاء وصرح بعض المفتين بأن قتل المشتركين خارج عن القياس.
والمعتمد فيه قول عمر ﵁ إذ قال: "لو تمالا عليه اهل صنعاء لقتلتهم به"، فنشأ من منتهى هذا الكلام أن الجاني محرم الدم معصوم [فإذا تطرقت الاحتمالات لم يجز الهجوم على قتل معصوم] .
١٢٦٥- والمسلك الحق عندنا أن المشركين يقتلون بحكم قاعدة القصاص ولا نظر إلى خروج بعضهم عن الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص [عنهم] هرج ظاهر فلا نظر مع الظهور إلى انحطاط إمكان الاشتراك قليلا عن الانفراد بالقتل بالمثقل فإنه يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين ويتطرق إلى الاستقلال بالقتل عسر [من وجه] حتى تمس الحاجة إلى فرض كلام في أيد وضعيف أو تقدير اغتيال [فيعتدل] المسلكان حينئذ وخروج كل واحد عن كونه قاتلا لا وقع له مع إفضاء درء القصاص إلى الهرج مع العلم بأن القصاص ليس على قياس الأعواض.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وأما كون الجاني معصوما فلا أثر له في هذا المقام مع أنه سعى في دم من غير أن يفرض له تقدير عذر فكان ما أقدم عليه مسقطا حرمته وخارما عصمته والشبهات إنما تنشأ من فرض أمر يقدر للجاني عذرا على قرب أو على بعد وهو منشأ الشبهات على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى.
١٢٦٦- فإذا تمهدت هذه القاعدة [فغرض هذه] المرتبة إلحاق فرع بهذا الأصل مع تقدير الوفاق فيه.
فنقول في الطرف: إنه صين بالقصاص على المنفرد فليصن بالقصاص على المشتركين كالنفس وهذا أجلى ولكنه في أعلى مراتب الظنون.
١٢٦٧- فإن قيل: ما سبب خروج هذا القياس عن مسالك العلوم مع استبانة [استقائه] من القاعدة كما ذكرتموه؟ قلنا: في القاعدة على الجملة نظر.
أما إسقاط أصل القصاص عن المشتركين فمعلوم بطلانه قطعا فإنه مبطل لحكمة العصمة وأما قتل واحد من المشركين لا بعينه مع تفويض الأمر إلى رأى من له القصاص فليس يرد ذلك ولكنه يقع في مجال الظنون.
ثم في إلحاق الطرف بالنفس ثلاثة أشياء يطرق كل واحد إليه الظن:
أحدها: أن قائلا لو قال: لو أفضى قطع الطرف إلى النفس لوجب القصاص على المشتركين وتقرير ذلك مردعة لهم فلا يؤدي ذلك إلى الهرج هذا وجه واقع ودافعه أنه لو صح لسقط القصاص في الطرف أصلا فإذا جرى القصاص مع الاندمال أشعر ذلك باعتناء الشرع بتخصيصه بالصور حتى كأن الطرف مع النفس كزيد مع عمرو في أن كل واحد منهما مقصود بالصون.
١٢٦٨- والوجه الثاني: مما يقتضي الظن ظن الخصم أن ما ذكرناه من الجمع في حكمه القصاص ينقضه تمييز فعل أحد الشريكين في القطع عن فعل الشريك الثاني فإذا كان كذلك فهو ممكن غير عسير ثم لا قصاص على واحد منهما وهذا إن سلم فهو لعمري قادح في الجمع وقد صح فيه منع كما يعرف الفقهاء.
١٢٦٩- والوجه الثالث: أن الطرف مما يقبل التبعيض فيصور الخصم أن القطع الواقع على صورة الشركة يحمل على وقوعه على التبعيض إذا كان المجني عليه قابلا للتبعيض.
[ ٢ / ٢١٠ ]
وهذا زلل فإن إمكان تصوير ما يسقط القصاص لا يدرؤه إذا لم يكن وكان بدله ما يشابه الاشتراك في الروح فلو توجهت هذه الجهات وبعد القول في الأصل بعض البعد كان ذلك دون المرتبة الأولى المستندة إلى العلم [والقطع] فهذا واضح جدا.
ومن حكم وضوحه أنه لا يثبت له معارض إذ لو قدر له معارض لكان ناشئا من تقدير شبهة توجب المحافظة على حكمة العصمة في حق الجاني ومآخذ الشبهات ما يشير إليه المعاذير ولا عذر للجاني.
وإن حاول الخصم تسبيب المعارضة في جهة أن واحدا لم يقطع اليد بطل ذلك عليه بالنفس.
ولو رجع وزعم أن القصاص على الشركاء على خلاف القياس كان ذلك روم اعتراض وقد أوضحنا بطلانه والمخيلة العظمى في ظهور قياس المعنى امتناع المعارضة المحوجة إلى الترجيح.
فإن عارضوا القصاص في الطرف بقطع السرقة وشبهوا الاشتراك في قطع اليد بالاشتراك في سرقة نصاب لم يكن ما جاءوا به مأخوذا من قاعدة القصاص.
ونحن لم نعن بامتناع المعارضة انسداد المسالك البعيدة وإنما المعارضة الحاقة ما ينشأ من وضع الكلام ولا شك [في] أن قطع السرقة بعيد في أصله وتفصيله عن القصاص فإن الأصل المعتبر في قطع السرقة أخذ مال غير تافه على الاختفاء من حرز مثله والغرض بشرع القطع ردع السارق عن تناول المال والنفيس وفي النفس مزجرة عن ركوب الأخطار بسبب التافه.
وهذا المعنى يوجب نفي القطع عن الشركاء فإن كل واحد منهم على حصته من المسروق وذلك المقدار لا حاجة إلى إثبات رادع عنه.
وهذا لا يتحقق في القصاص أصلا [فيما نحن فيه] فإن معتمده الصون وتمهيد العصمة وليس في قاعدته انقسام إلى التافه والنفيس وخروج كل جان عن الاستقلال بكل الجناية لا يسقط القصاص عنه إذ لو قيل به لخرم قاعدة الصون على أنه محقق في النفس كما سبق.
١٢٧٠- وإذا لم تكن المعارضة على حقها في منشأ الاجتهاد لم ينتظم فرق
[ ٢ / ٢١١ ]
ورجع كلام المحقق إلى تباين القاعدتين وتباعدهما وإيضاح ابتناء كل واحد منهما على أصل غير معتبر في القاعدة الأخرى.
وهذا لا ينتظم فرقا ويدخل في أقسام فساد الوضع ووجب نسبه الخصم إلى البعد عن مأخذ الكلام والاكتفاء بتلفيق لفظي عرى عن التحقيق.
١٢٧١- والذي يحقق ذلك أن من سرق نصابا واحدا في دفعات [وهو في كل دفعة] يهتك حرزا لم يستوجب قطعا ولو قطع جان يدا واحدة بدفعات استوجب القصاص عند الإبانة.
١٢٧٢- ويتعلق بالكلام في هذا القسم أمر يتعين الاعتناء به وهو مزلة مالك ونحن نقول فيه: إذا ثبت ارتباط حكم في أصل بحكمة مرعية فيجوز الاستمساك بعينها في إلحاق الفرع بالمنصوص عليه في عين الحكم المنصوص.
ولا يجوز تقدير حكم آخر متعلق بحكمة تناظر الحكمة [الثابتة] [في الأصل المنصوص عليه فإن هذا يجر إلى الخروج عن الضبط ويفضي في مساقه إلى الانحلال فإن الحكمة الثانية] لو قدرت لدعت إلى ثالثه ثم لا وقوف إلى منتهى مضبوط.
١٢٧٣- وبيان ذلك بالمثال: أن المال صين بشرع القطع إبقاء له على ملاكه وزجرا للمتشوفين إليه ولو فرض تعرض للحرم بمراودات دون الوقاع فأدناها يبر على أقدار الأموال ولا يسوغ نقل القطع إليه وكذلك القول في أمثاله.
١٢٧٤- وعند ذلك انتشر مذهب مالك وكاد يفارق ضوابط الشريعة واعتصم بألفاظ وعيدية معرضة للتأويل منقولة عن جلة الصحابة وقد يدنو المأخذ جدا فيزل الفطن إذا لم يكن متهذبا دربا بقواعد الاجتهاد.
١٢٧٥- وبيان ذلك [بالمثال] أنا إذا قلنا: قطع السرقة مشروع لصون الأموال وزجر السارقين فألزمنا عليه ما إذا نقب الواحد الحرز وسرق الآخر فلا قطع على وواحد منهما وهذا يخرم الحكمة المرعية في [صون] الأموال فإن [التسبب] إلى ما ذكرناه يسير ممكن.
وهذا على الحقيقة غامض من جهة أن الشخص الواحد إذا نقب وسرق فقد أخرج النقب الحرز عن حقيقته ولم يقدم على المال إلا وهو في مضيعة ثم لم نقل لا قطع عليه من حيث انفصل هتك الحرز عن أخذ المال وكان من الممكن أن
[ ٢ / ٢١٢ ]
يختص القطع بمن يتسلق على الحرز ويأخذ المال من غير هتك.
وهذا مجال ضيق ويتجه فيه خلاف العلماء وحق الأصولي ألا يعرج على مذهب ولا يلتزم الذب عن مسلك واحد ولكن يجري مسلك القطع غير ملتفت إلى مذاهب الفقهاء في الفروع.
١٢٧٦- ثم القول الممكن في السارق والناقب أن صون الأموال وإن اثبت فهو مخصوص بالسرقة من الحرز وليس [إلينا] وضع الحكم والمصالح ولكن إذا وضعها الشارع اتبعناها.
١٢٧٧- ومن لطيف الكلام في ذلك أن المعلل إذا قيد تعليله [الفقهي] المعنوي يقيد غير مخيل لا على معنى الاستقلال ولا على الانضمام إلى أركان العلة المركبة فذلك التقييد مطرح في مسلك المعاني وطرق الإخالة إلا فيما نصفه وهو تقييد الكلام بحكم معين تعلق بحكمة معلومة.
وهذا كذكرنا صون المال عن السراق فإذا ألزمنا صون الحرم لم نلتفت إليه ولم نلتزم فرقا بين الصورتين فإن ذلك إنما ينشأ من رعاية المصلحة مع الانحصار على الحكم المنصوص عليه.
ثم ما ذكرناه ليس مختصا بحكم واحد بل هو مطرد في جمله المصالح الشرعية فكل مصلحة مختصة [بحكمها] وغاية القايس ضم جزئي في المنصوص عليه إلى القاعدة الكلية.
١٢٧٨- فإن قيل: إذا قسم الطرف في حق الاشتراك على النفس فهل تنسبون إلى المحذور الذي ذكرتموه من مجاوزة موارد المصالح؟.
قلنا: إن كان ذلك مجاوزة فلا قياس إذا وينبغي أن يجتنب المنتهي إلى هذا المقام طرفي القياس والانحلال.
فنقول: ساوى الطرف النفس في الأصل وهو القصاص ثم ثبت الصون في النفس بإجراء [القصاص] على المشتركين فرمنا إلحاق الطرف المساوي للنفس [في أصل القصاص بالنفس] في فرع اقتضاه أصل القصاص وهذا غاية المطلوب في ارتباط الفرع بالأصل واقتضاء الأصل الفرع.
١٢٧٩ - وإذا بلغ الكلام هذا المبلغ فليعلم الناظر أن أسد المذاهب في القول.
[ ٢ / ٢١٣ ]
بالقياس الحق واجتناب الخروج عن الضبط مذهب الشافعي.
ولست أرى في مسالكه حيدا إلا في أصل واحد لم يحط بسر مذهبه [فيه فهمي] وهو: إثباته قتل تارك الصلاة فإنه لم يرد فيه نص وتقريب القول فيه يتضمن حكمه لم يثبت أصلها وهذا مشكل جدا فإن طمع [من] قصر فكره بتشبيه المأمور به بالمنهي عنه كان ذلك بعيدا غير لائق بمذهب هذا الإمام.
وهذا القدر كاف في التنبيه وقد نجز غرضنا في القول في المرتبة الثانية من قياس المعنى.
المرتبة الثالثة:
١٢٨٠- نمثلها في القول بالمكره على القتل وفيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن القصاص على المكره دون المكره.
والثاني: وهو قياس مبين أن القصاص على المكره دون المكره وهو مذهب زفر.
والثالث: أن القصاص يجب عليهما وهو مذهب الشافعي.
١٢٨١- وأبعد المذاهب عن الصواب إيجاب القصاص على المكره دون المكره المحمول فإنه زعم أن فعل منقول إلى مكره وكأنه آلة له.
وهذا ساقط مع المصير إلى [أن] النهي عن القتل متجه مستمر على المكره القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف الشرع إياه ومن ضرورة كون الشيء آلة انقطاع التكليف عنه فتخصيص المكره بإلزام القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له.
١٢٨٢-[ووجه] مذهب زفر في القياس لائح وهو: أنه رأى المحمول ممنوعا ولم ير أثر الإكراه في سلب المنع والنهي والمباشرة تغلب على السبب إذا استقلت فارتبط بها التكليف والتصريف من الشارع.
١٢٨٣- والذي يختاره أصحاب الشافعي ينبني على ما ذكرناه لزفر في استقلال المباشرة وهذا يقتضي إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء إحباط الإكراه وإسقاط أثره [بالكلية] فإنه موقع القتل غالبا والإكراه من أسباب تقرير الضمان فيبعد تعطيله وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة فالوجه تنزيلها منزلة الشريكين ولا شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل صاحبه من.
[ ٢ / ٢١٤ ]
جهة أنه يخرجه عن كونه قتلا ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما.
فإذا لم يصر أحد إلى إسقاط القصاص عن الحامل والمحمول لضعف ما صدر عن كل واحد منهما أما ضعف المباشر فمن جهة كون المباشرة [محمولا] وأما ضعف الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف يوهي أثر الإكراه فليس أحدهما بالضعف أولى من الثاني فلا سبيل إلى تخصيص القصاص بأحدهما وقد ثبت أن القصاص أولى بأحدهما وقد ثبت أن القصاص لا يسقط عنهما وقرب تنزيلهما منزلة الشريكين.
١٢٨٤- ولكن القول في هذا ينحط عن القول في الشريكين من جهة اختلاف السبب والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس بابه ثم يتعارض مأخذ مذهب زفر وأبي حنيفة والترجيح لزفر.
١٢٨٥- ومأخذ إيجاب القصاص عليهما يتشوف إلى جمع نكتتي المذهبين مع امتناع إسقاط القصاص [عنهما جميعا وإيجاب القصاص] على شهود الزنا إذا رجعوا بعد إقامة الرجم أظهر من إيجاب القصاص على المكره الحامل من جهة أن الإكراه يضعف ببقاء التكليف على المحمول ولا خيرة للقاضي بعد إقامة البينة وليس ممنوعا منع المكره المحمول بل النية أوجبت على القاضي إقامة الرجم ولذلك لم يختلف قول الشافعي في وجوب القصاص عليهم اختلافه في المكره.
أما الشهود على القصاص إذا رجعوا فإن فرض رجوع المدعي واعترافه فلا وجه لوجوب القصاص على الشهود فالطريق القطع بتغليب المباشرة وإن فرض الكلام في استمرار المدعي على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط في مرتبة الاجتهاد عن شهود الزنا فإن المدعي على خيرته.
ولو ذهبنا نستقصي هذه الأمثلة لطال الكلام وإنما غرضنا التنبيه.
١٢٨٦- ولم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق أبعد من إيجابه حد الزنا على المرأة إذا نكلت عن اللعان بعد لعان الرجل فإن هذا سفك دم بقول المدعي وهو في مسلك القياس يداني إيجاب القصاص بأيمان المدعي في مسلك لوث القسامة ولولا الخبر لما اقتضى القياس ذلك.
١٢٨٧- وهذا أوان تغليب حق المدعي عليه من طريق القياس.
قال الشافعي: إذا كان القصاص لحقن الدم والهلاك لا يستدرك وإذا رجع
[ ٢ / ٢١٥ ]
الغرض إلى حقن دم الباقين فرعاية حقن دم الجاني وهو غير مسفوك أولى واللعان أبعد من القسامة من جهة أن الشرط فيها ظهور اللوث عند الحاكم وهو غير مشروط في اللعان غير أن المعتمد في القسامة الخبر الصريح والمعتمد في اللعان يستند إلى شيئين:
أحدهما: أنا لا نجد بدا من الخروج عن قانون الحجج فالاستمساك بظاهر القرآن العظيم أقرب وحمل العذاب على الجنس بعيد.
وبالجملة نفي إيجاب الحد وتغليب حقن دمها أقرب عندي إلى مأخذ الشريعة.
١٢٨٨- ومن عجيب الأمر أن قول الشافعي اختلف في القصاص:
هل يجب بأيمان القسامة؟ ولم يختلف في وجوب الحد على المرأة مع تعرض الحد الواجب [لله تعالى] فيه للسقوط بما لا يسقط القصاص به وسبب هذا أن خبر القسامة ورد في [الغرم] وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهذا وغيره في أمثال ما ذكرناه من قواعد الشريعة.
ونحن نختتمه بأمر بديع يقضي الفطن [العجب] منه:
١٢٨٩- فالمرتبة الأولى: العلمية تكاد أن لا تكون جزءا من المنصوص عليه.
والمرتبة الأخيرة: نعنى اللعان والقسامة لا يستقل المعنى فيها ولم نرسمها مرتبة في القياس من حيث لم نرها مستقلة.
فهذه جملة كافية في التنبيه على المراتب وضابطها القريب من القاعدة والبعيد منها مراتب قياس الشبه.
١٢٩٠- ونحن نذكر الآن مراتب قياس الشبه.
فنقول: مجال هذا القسم [عند] انحسام المعنى المخيل المناسب فإذا لم نجد معنى للحكم الثابت أو صادفنا ما يخيل غير صحيح على السبر فالوجه رد النظر إلى التشبيه.
١٢٩١- ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام [مراتب] قياس المعنى.
فالواقع في المرتبة الأولى هو الذي يسميه الأصوليون في معنى الأصل ولا يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع معلوما كان في المرتبة العالية.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وقد سبق [القول في] الاختلاف فيها هل يسمى قياسا أو هو ملتقى من الألفاظ والنص؟
١٢٩٢- والوجه عندنا في ذلك أن يقال إن كان في اللفظ إشعار به من طريق اللسان فلا نسميه قياسا كقوله ﵇ من أعتق شركا له في عبد قوم عليه فهذا وإن كان في ذكر فالعبودية مستعملة في الأمة وقد يقال للأمة عبدة وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا في وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس مفض إلى العلم وهو قاعدة الأشباه بعد ونظيره إلحاق الشافعي عرق الكلب بلعانة في التعبد برعاية العدد والتعفير.
١٢٩٣- فإذا زال العلم وكان الشبه يفيد غلبة الظن ولا يفسد لدى السبر والعرض على الأصول [فهو مقبول] وإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند المحققين والأشباه بين طرفي قياس المعنى والطرد.
١٢٩٤- والذي لاح من كلام الشافعي أن أقرب الرتب من المراتب المعلومة إلحاق الزبيب بالتمر في الربا وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج عن الرتبة إلحاق [الرز بالحنطة والذرة بالشعير ثم يلي هذه الرتبة] الوضوء بالتيمم في الافتقار إلى النية ولهذا قال الشافعي [مستبعدا] طهارتان فكيف تفترقان؟
١٢٩٥- ونحن نقول في ذلك كل شبة يعتضد بمعنى كلي فهو بالغ في فنه وذلك إذا كان المعنى لا يستقل مخيلا مناسا.
وبيان ذلك فيما وقع المثل به: أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا من كلى الشريعة أنها [مبنية] على الاستصلاح فإذا لم يلح صلاح ناجز يظهر من المآخذ الكلية ربط ما لا غرض فيه ناجز بصلاح في العقبى وهو التعرض للثواب ولا سبيل إليه إلا بقصد التقرب فإذا وجدنا طهرا كذلك متفقا عليه ثم كان المختلف فيه غير معقول المعنى ظهر فيه وقع التشبيه في الافتقار إلى النية المحصلة غرض العقبى.
١٢٩٦- فليتخذ الناظر هذا معتبرا في الرتبة الأولى من الأشباه المظنونة ولم يبلغ مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهرين في أحكام وشرائط.
وإلحاق المطعومات التي لا تقدر بكيل ووزن طريقة الأشباه عندنا فإن مسالك.
[ ٢ / ٢١٧ ]
الإخالات باطلة فلا يبقى إلا التشبيه.
ثم سبيل هذا التشبيه النظر إلى المقصود من المنصوص عليه وقد لاح أن المقصود هو الطعم وبطل اعتبار القوت لمكان الملح وسقط اعتبار [التقدير] لجريانه في الجنسين والجنس على وتيرة واحدة ولاح النظر إلى المقصود مع الاعتراف بأنه غير مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض في العقبى كما ذكرناه في القسم الأول من المظنونات.
ولولا ما ثبت عندنا في الاضطرار إلى تعليل المنصوصات في الربا لما لاح لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع القياسين وجدنا إتباع المقصود أقرب مسلك ولهذا وقع في المرتبة الثانية.
١٢٩٧- فإن قيل: هل ترون الشبه الخلقي في غير مجانسة ومماثلة معتبرا؟.
قلنا: لا، إلا أن نشير إلى أن اعتبار الخلقي أصل الشريعة كما ثبت ذلك في جزاء الصيد وقد ثبت قريب منه في الحيوانات المشكلة في الحل والحرمة.
وما ذكره أبو حنيفة في [اعتبار الانطراق] والانطباع في الجواهر المعدنية في الزكاة طرد عندنا.
١٢٩٨- ومن أبواب الشبه ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض فيقع لذلك الشبه ثانيا وهو كالتردد في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة؟
فالذي يقتضيه القياس المعنوي عدم الضرب اعتبارا بجملة المملوكات والذي يقتضيه الشبه اعتباره بالحر.
فإن قيل: هذا أيضا في الشبه الخلقي وقد أنكرتموه.
قلنا: ليس الأمر كذلك فإن العبد يفرض قتله على الجهة التي يفرض فيها قتل الحر إذ قد يظن على بعد أن سبب التعاون في الحمل في الديات ما يقع [من] الخطأ بالقتل بين أصحاب الأسلحة وهذا يتفق في الحر والعبد على جهة واحدة.
١٢٩٩- ومما يلتحق بهذا الفن القول في تقدير أروش أطراف العبيد بالسبب الذي يقدر [به] أطراف الأحرار فالذي يقتضيه القياس المعنوي نفي التقدير واعتبار ما ينتقص من القيمة نظرا إلى المملوكات سيما على رأي تقديره قيمه العبيد وتنزيلهم منزلة البهائم التي تضمن بأقصى قيمتها وهذا مذهب ابن سريج والظاهر
[ ٢ / ٢١٨ ]
من مذهب الشافعي أنها تقدر ومعتمده الشبه.
١٣٠٠- فإن قيل: فما الوجه في المثالين؟.
قلنا: الوجه في مسألة التقدير مذهب الشافعي فإن الشارع أثبت [للحر] بدلا حتى لا يحبط إذا قتل خطأ ثم قاسموا أطرافه بجملة بمعان لا تنتهي أفهام المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن ألا [تتقدر] أروش أطراف الحر فإنا ألفينا في جراح الأحرار حكومات غير مقدرة فلئن اقتضى شرف الحر تقدير دينه فهذا لا يطرد في أطرافه فلما تأصل في الطرف تقدير وطرف العبد في العبد كطرف الحر في الحر فلا التفات إلى خروج قيمة العبد عن التقدير.
١٣٠١- فإن قيل: [فقدروا] أطراف البهائم.
قلنا: لم يتحقق فيها أنها تقع موقع أطراف الأحرار في الأحرار فهذا الشبه أولى من المعنى الكلي من جهة أنه أجلى وأليق بالغرض وأميز للمقصود هذا والمضمون من الحر والعبد الدمية.
١٣٠٢- أما القول في تحمل العقل والقيمة فالأظهر عندنا التمسك بالمعنى لعبد تحمل العاقلة العقول عن مدارك العقول وقد يظن أن العبيد لا يخالفون الأحرار في تعاطيهم الأسلحة وإن ذكر فيهم ذلك فقد يتعدى إلى الدواب في تجاول الفرسان فكان تقدير أروش أطراف الأحرار معللا بمعان اعتقدناها ولم ندرك حقيقتها وضرب العقل [يشبه] تحكم المالك على المملوكين [فالأحزم] أن [لا] يضطرب فيها [بالخطى] الوساع.
١٣٠٣- ومما يعده الفطن قريبا مما نحن فيه إلحاق القليل من الدية بالكثير في الضرب على العاقلة.
ونحن نرى ذلك المسلك الأعلى من الشبه من جهة أن أصل الضرب ثابت وهو جاز في القليل عند كثرة الشركاء جريانه في الكثير وليس هو مبينا على الإجحاف بالمحمول عنه فإن الدية محمولة على الموسرين فكأن الضرب ثبت في الشرع مسترسلا [على الأقدار] من غير اعتبار مقدار وهذا من جملة الأمثلة التي ذكرناها تكاد أن تلتحق بالمرتبة المعلومة أو تدانيها.
١٣٠٤- فهذه قواعد الأشباه المعتبرة ونحن نجدد فيها ترتيبا بعد ما وضحت.
[ ٢ / ٢١٩ ]
الأصول ونبني الغرض على سؤال وجواب وهو السر وكشف الغطاء.
١٣٠٥- فإن قيل: إن تعلق الناظر بوجه من الشبه فما وجه تقريره إذا نوقش فيه؟.
فإن قال المشبه: ما ذكرته يغلب على الظن.
فقال له المعترض: ليس كذلك فما سبيل درئه وكيف الجواب عن سؤاله؟
ولا شك أن غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى شبه يقتضيها ولا بد من ذكره وبه يتميز الشبه عن الطرد وكل شبه يقتضي الظن فلا بد أن تنتظم عبارة وعربة عنه ثم أن تأتي وانتظم ذلك سالما عن القوادح فهو معنى إذا فترجع الأشباه إلى معان خفية ويبطل تقسيم الأقيسة إلى المعنوي والشبهي.
١٣٠٦- قلنا: هذا السؤال بحث عن لباب الفصل وحقيقته فلا يتصور استقلال [شبه] دون ما ذكره السائل ولكن سبيل القول فيه أن الشبه يستند إلى مأخذين هما الأصل وبعدهما أمر ثالث ينبه [عليه] .
أحدهما: الأمثلة وجريانها على مقتضى الشبه.
وهذا كإلحاقنا اليسير بالكثير في الضرب على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة آحاد الشركاء مع تناهيها في القلة وينضم إليه بطلان اعتبار المواساة المشروعة بسبب خيفة الإجحاف.
فيخرج [مما] ذكرناه وأمثاله أن ضرب العقل لا ينتهي إلى موقف في قلة [ولا كثرة] وليس هذا معنى مخيلا [مناسبا] وإنما هو متلقى من أصل الوضع بالمسلك الذي ذكرناه فهذا إذا ظهر قليلا التحق [بالقسم] الذي يسمى قياسا في معنى الأصل كما سنذكره في آخر هذا الفصل فهذا وجه.
١٣٠٧- والوجه الثاني: وهو الذي يدور عليه معظم الأشباه إن ثبت معنى على الجملة في قصد الشارع ولا يدخل في الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا أن الشارع قدر أرش يد الحر بنصف الدية لنسبة لها مخصوصة إلى الجملة لا يضبطها والإصبع دونها في [الغناء] وهذا لا شك فيه ولكنا إذا أردنا أن نطلع عليه وعلى الوجه الذي لأجله يقتضي التشطير لم يكن ذلك ممكنا وهذا يناظر علمنا بأن الشارع فرق بين التافه والنفيس من المسروق ثم قدر النفيس بدينار أو ربع دينار.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
فالأصل معلوم ولا اطلاع على المعنى الذي يقتضي هذا المقدار ويناسبه.
فإذا تمهد ذلك وكان اعتبار يد العبد بيد الحر شبها فإنا نعلم أن غناء يد العبد من جملته كغناء يد الحر من جملته فهذا إذا يستند إلى معنى معتقد [على الجملة] من قصد الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه.
ومهما اتجه هذا النوع كان بالغا جدا مقدما على المعاني الكلية المناسبة.
١٣٠٨- فأما الأمر الثالث الموعود: فالتشبيه بالمقصود وهذا لا استقلال له إلا أن يضطر إلى التمسك بتقدير علم الحكم المنصوص عليه.
ومثال ذلك الأشياء الستة المنصوص عليها في الربا فلو هجم الناظر عليها ولم يتقدم عنده وجوب طلب علم لم يعثر على فقه قط ولا شبه فإن الفقه مناسب جار مطرد سليم على السبر والشبه متلقي من أمثلة أو مخيل معنى جملي والرأي لا يقضي بواحد منهما في نصب الطعم علما ولكن إذا ثبت طلب العلم وانحسم المعنى المسبور والجملي فلا وجه إلا أن يقال: إذا لم يثبت الحكم لأعيان هذه الأشياء ثبت لمعانيها هي المقصودة منها.
١٣٠٩- ثم ينتصب على ذلك شاهدان:
أحدهما: من قبيل التخصيص وهو اختلاف الحكم باتحاد الجنس واختلافه.
والثاني: عموم قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" ١ [إلا مثل بمثل] فهذه معاقد الأشباه ثم لا حاجة إلى تكلف الميز بينها وبين الطرد.
١٣١٠- فإن قيل: المعلوم الذي يسمى قياسا في معنى الأصل ما مستند العلم فيه؟.
قلنا: اكتفى بعض الضعفة بادعاء العلم وانتهى إلى دعوى البديهة وزعم أن جاحده في حكم جاحد الضرورات.
ونحن نوضح الحق في ذلك ونقول: كون العتق في العبد بمثابة كونه في الأمة والرق فيهما أيضا على وتيرة واحدة وهذا معلوم قطعا ولا يمتنع أن ينص الفصيح على واحد من الأمثال ويرغب عن التعلق بالألفاظ العامة ويجعل ما ذكره مثالا
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٢١ ]
لحكم يؤسسه [كالواحد] منا إذا أراد أن يبين حكم البيع فقد يقول: من باع [ثوبا] فقد زال ملكه عنه فيؤثر ضرب مثل لخفته عليه في مجارى الكلام وهذا أن ساغ لا استكراه فيه ولا يمتنع في تحكمات الشرع تخصيص سريان العتق بالعبد.
لكن لو كان كذلك لتعين في حكم البيان التنصيص على التخصيص [فإذا] لم يجر ذلك انتظم من مجموعة القطع بثبوت القياس في معنى الأصل.
١٣١١- ولو نص الشارع على موصوف وذكر فيه حكما تقتضيه تلك الصفة اقتضاء اختصاص فهذا النوع من التخصيص بتضمن نفي ما عدا المنصوص وهو المفهوم وقاعدته كقوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة" ١ فأما لو قدر مقدر من الشارع أن يقول في عفر الغنم زكاة فهذا ليس في مرتبة المفهوم ولا يصلح [أيضا] لإجراء مثالا بخلاف العبد الذي يجرى مثالا في المملوكين.
فإذا لا يقول الشارع مثل هذا فإنه من التخصيص العرى عن الفائدة.
فليفهم الناظر هذه المنازل والترتيب بعد ذلك كله.
١٣١٢- فالمرتبة الأولى: للمعلوم وقد بينا مأخذه.
١٣١٣- والمرتبة الثانية: لما يتلقى من الأمثلة كإلحاق القليل من العقل [في الضرب] على العاقلة بالكثير فإن ذلك قريب جدا من الرتبة المعلومة.
١٣١٤- والمرتبة الثالثة: ما يستند إلى معنى كلى لا تحيط الأفهام والعبارات بتفصيله كما ذكرناه في تقدير أروش الأطراف وافتقار طهارة الحدث إلى النية.
١٣١٥- وأنا أرى الطهارة تنحط في الرتبة عن تقدير الأروش فإن تقدير الأروش يستند إلى أغراض ناجزة نعتقد أصولها ونقصر عن درك تفصيلها وأمر الثواب خفي في الطهارة لا يتأتى فيه من الاطلاع ما يتأتى في مستند تقدير الأروش فلا بأس إذا لو قدر افتقار الطهارة إلى النية كرتبة متأخرة عن تقدير أروش أطراف العبيد.
وأما نصب المقاصد فمسترسل كما سبق تقديره في الربويات فهذا لا يستقل بنفسه دون الإرهاق إلى نصب العلم وهو دون المرتبة الثالثة.
١٣١٦- ونحن نختم هذا الأصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول:
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
اختلف العلماء في أن العبد هل يملك؟.
ومأخذ الكلام من طريق التشبيه ما نصفه أما من يقول يملك فشبهه بالحر من جهة أن الحر فطن مؤثر مختار طلوب لما يصلحه دافع لما يضره لبيب فطن أريب والعبد في هذا كالحر فهذا شبه فطري غير عائد إلى [الصورة] وإنما راجع إلى المعاني التي بها يتهيأ الإنسان لمطالبة ومآربه.
١٣١٧- ومن منع كونه مالكا شبهه بالبهائم من حيث إنه مسلوب القصد والاختيار مستوعب المنافع باختيار مالكه حتى كأنه لا اختيار له والتعلق بهذه الأشياء أقرب فإن القائل الأول تمسك بالأمور الخلقية ومن منع الملك تمسك بمأخذ الأحكام فكان ما قاله أقرب فإن الرق حكم غير راجع إلى صفات حقيقية خلقية وحاصلة سقوط استبداد شخص وتهيؤه لتصرف غيره وهذا يناقض صفات المالكين فإن حكم الملك الاستقلال ثم أقام الشارع المالك طالبا للمملوك فيما يسد حاجته ويكفي مؤنته والحاجة [التي] لا يتصور فيها الكفاية أثبتها الشارع للمملوك بإذن مالكه وهو حق المستمتع في النكاح.
١٣١٨- فإن قيل: السيد إذا ملك عبده فالحق لا يعدوهما فإن كان استغراق السيد إياه يمنعه من صفات المالكين فإذا ملكه المولى وجب أن يملك.
قلنا: هذا يلزم الخصم في تصوير إلزام الملك [له] ثم التمليك لم يخرجه عن كونه مملوكا متحكما عليه فلم يجامعه التمليك كما لم يجامعه إلزام الملك فإذا زال الرق عنه ملك حينئذ وإذا ثبت له حق [الاستقلال] بأن كاتبه فيتصور له ملك على ضعف على حسب ما يليق به.
فهذا المعتبر في النظر إلى [أقرب] الأشباه [وأدنى المآخذ] فيها.
وما تعلق به الأولون موجبة أن لا فرق لأن خلقه وصفاته كصفات الحر فإذا تصور كونه مملوكا سقط هذا الاعتبار وجلى الشرع حكمه.
فصل
١٣١٩- المرتبة الأولى: من قياس المعنى: هو النتيجة الأولى لما صح من معنى القاعدة ويناظرها في مأخذ الأشباه ما يقال إنه في معنى الأصل.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وما يستأخر من أقيسة المعاني عن رتبة العلم ويقع في أعلى مراتب الظنون كاعتبار الإطراف بالنفس يناظر من الأشباه ما ثبت بظواهر الأمثلة كاعتبار القليل من ضرب العقل على العاقلة بالكثير.
وما يبعد عن المرتبة الأولى في المعاني المظنونة يناظر ما يتعلق بتقدير الأروش في أطراف العبيد ثم ما يتعلق بالأمور المغيبة كتقدير الثواب في الطهارة وما ثبت معللا من جهة الشارع ولم يعقل وجه المناسبة فيه كقوله ﵇: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " ١ يناظر ما يضطر إليه من اعتبار المقاصد في الربويات.
١٣٢٠- فأما رتبة العلم فلا يترجح فيها مطلوب على مطلوب فإن العلوم لا تفاوت فيها.
وإن انحططنا عن رتبة العلم فآخر مراتب المعاني مقدم على أعلى مراتب الأشباه إلا أن يسترسل المعنى ويختص بالشبه كاعتبار نقصان القيمة في أطراف العبيد أخذا من المعاني الكلية مع التقدير أخذا من التشبيه بالأحرار.
وهذا لا يتطرق إليه قطع إذ لو كان مقطوعا به لما عد من خفيات المظنونات.
وإلحاق القليل بالكثير في ضرب العقل [على العاقلة] أظهر من المعنى الكلي فيه فإن من تمسك بالمعنى الكلي ينقطع طرد كلامه بمحل الوفاق في ضرب العقل على العاقلة ويضطر أن يقف موقف الطالبين [ويقول] الأصل تخصيص الغرم بالجاني فأقيموا دليلا في محل النزاع.
وإذا طالب ذكرنا مسلكا من ضرب الأمثلة فكان في حكم شبه لا يعارضه معنى غير أن الشبه ينبغي أن يكون على نهاية القوة في محاولة النقل من أصل كلي إلى الإلحاق بما هو عن قياس المعنى.
ولا مزيد في القوة على ما ذكرناه والمسألة مع ذلك مظنونة وليس هذا كتقدير ارش طرف العبد فإن من يوجب ما ينقص بطرد معنى فلا ينتقض عليه فيبغي اعتبار صاحب الشبه بالأخص فلينظر الناظر إلى جولان الحقائق في هذه المضايق.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٢٤ ]