١٤٤٤- ومدارها على تحقيق تصويرها فإذا ورد نص في شيء [واقتضى] وروده الاقتصار على المنصوص عليه والحكم بالإجزاء فكان ذلك مقطوعا تلقيا من اللفظ والفحوى ولو فرضنا زيادة مشروطة لتضمن ثبوتها نسخ الإجزاء في المقدار الأول لا محالة ولا [يسوغ] تقدير الخلاف في ذلك.
١٤٤٥- وإن اقتضى ما ورد به أولا الإجزاء وجواز الاقتصار اقتضاء ظاهرا وكان يتطرق التأويل إليه في منع الإجزاء فلو فرضت زيادة كانت في معنى إزالة الظاهر الأول ولم يتضمن نسخا اعتبارا بكل ظاهر يزال بحكم التأويل.
وهذا مما لا أرى فيه للخلاف مساغا.
١٤٤٦- وإذا ثبت هذان الطرفان وهما حظ الأصول فالكلام بعدهما في
[ ٢ / ٢٥٤ ]
ألفاظ ظنها الظانون نصوصا وهي ظواهر ثم القول في تفاصيلها مستقصى في "الأساليب" ولكنا نضرب للتمثيل صورا:
منها: أن أصحاب أبي حنيفة ظنوا أن من أثبت النية في الطهارة فقد زاد على النص والكلام في ذلك مشهور.
وأقرب مسلك فيه: أنا لا نبعد أن يكون غرض الآية مقصورا على بيان [أفعال الطهارة] وتقدير هذا لا يخالف نصا ولا فحوى وليس مع تجويز هذا لإدعاء النص وجه.
ومنها: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١ قال أصحاب أبي حنيفة: زيادة الإيمان نسخ الأجزاء في الرقبة المطلقة وقد أوضحنا أن هذا تخصيص عموم.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ٢.
قالوا إثبات الشاهد واليمين يخالف هذا الحصر وهذا لا وجه له مع أن هذا الاحتياط مندوب إليه ونحن لا ننكر الندب [إلى بينة] كاملة مغنية عن الحلف.
ومنها قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٣ الآية مع استدلال الخصم بها في معنى التغريب.
وهذا من أظهر ما يتمسكون به وليس نصا فإنه لا يمتنع اشتمال الآية على بعض العقوبة وإحالة تمامها إلى بيان الرسول ﵇ إذ ليس في الآية للرجم في حق المحصن ذكر.
فهذا بيان حقيقة القول في المسألة.
مسألة:
١٤٤٧- أجمع العلماء على أن الثابت قطعا لا ينسخه مظنون فالقرآن لا ينسخه الخبر المنقول آحادا والسنة المتواترة لا ينسخها ما نقله غير مقطوع به ووراء ما ذكرناه حقيقة هي كشف الغطاء.
_________________
(١) ١ آية "٣" سورة المجادلة. ٢ آية "٢٨٢" سورة البقرة. ٣ آية "٢" سورة النور.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
ونحن نبينها بسؤال وجواب عنه:
فإن قيل ما المانع من انتصاب دليل قاطع على أن الخبر إذا نقله العدول يجب ترك حكم القرآن عند نقلهم؟.
قلنا هذا غير ممتنع لو ورد ولكن لم يرد ثم لو قدر وروده فالنسخ يتلقى من الدليل القاطع والخبر المنقول آحادا في حكم العلم الذي يقع العمل عنده لا به وقد تكرر هذا الفن مرارا في مسائل هذا المجموع.
وهذا الذي ذكرناه في الخبر يطرد في القياس أيضا.
مسألة:
١٤٤٨- يجوز نسخ رسم آية من القرآن في التلاوة مع بقاء حكمها ويجوز تقدير نسخ حكمها مع بقاء رسمها في آي القرآن.
وقد منع مانعون من المعتزلة الأمرين وصار إلى منع أحدهما دون الآخر [على البدل] صائرون.
وما ذكرنا في طريق إثبات الجواز في مسالك هذا الكتاب يجري على المنكر للجواز في هذه المسألة.
ثم الأمر بالتلاوة على نظم القرآن حكم غير القرآن فيؤل القول في الحقيقة إلى نسخ حكم فأما عين القرآن فلا يرد عليه نسخ [أصلا] .
مسألة:
١٤٤٩- إذا ثبت النسخ ولم يبلغ خبره قوما فهل يثبت النسخ في حقهم قبل بلوغ الخبر إياهم؟.
هذا ما أختلف فيه الأصوليون.
وعندنا أن المسالة إذا حقق تصويرها لم يبق فيها خلاف فإن قيل على من لم يبلغه الخبر الأخذ بحكم الناسخ قبل العلم به فهذا ممتنع عندنا وهو من فن تكليف ما لا يطاق وهو مستحيل في تكليف الطلب وإن أريد بثبوت النسخ في حق من لم يبلغه الخبر أن الخبر إذا بلغه لزمه تدارك أمر فيما مضى فهذا لا امتناع فيه وإذا ردت المذاهب المطلقة في النفي والإثبات إلى هذا التفصيل لم يبق للخلاف تحصيل.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
مسألة:
- ١٤٥٠لا يمتنع نسخ الحكم من غير بدل عنه ومنع ذلك جماهير المعتزلة وهذا تحكم منهم والدليل على جوازه ما تمهد في مسألة التجويز في أصل النسخ فلا معنى للإعادة بعد وضوح المقصد.
مسألة:
١٤٥١- إذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط [منه] .
وقال أبو حنيفة: لا يبطل القياس وإن نسخ النص وقد جرى له هذا المسلك في الأخذ من صوم [يوم] عاشوراء [في ترك حكم التبييت] لما اعتقد وجوبه ثم ثبت نسخ وجوبه.
١٤٥٢- والقول الواقع في ذلك عندنا أن المعنى المستنبط من الأصل الأول إذا نسخ أصله [بقي] معنى لا أصل له فإن صح استدلالا نظرنا فيه وإن لم يصح أبطلناه.
[ ٢ / ٢٥٧ ]