وَقَالَ بعض أهل الظَّاهِر توجب الْعلم
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث فِيهَا مَا يُوجب الْعلم كَحَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَمَا أشبهه
وَقَالَ النظام فِيهَا مَا يُوجب الْعلم وَهُوَ مَا قارنه سَبَب
[ ٢٩٨ ]
لنا هُوَ أَنه لَو كَانَ خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم لأوجب خبر كل وَاحِد وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يَقع الْعلم بِخَبَر من يَدعِي النُّبُوَّة وَمن يَدعِي مَالا على غَيره وَلما لم يقل هَذَا أحد دلّ على أَنه لَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الْعلم
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم لما اعْتبر فِيهِ صِفَات الْمخبر من الْعَدَالَة وَالْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَغير ذَلِك كَمَا لم يعْتَبر ذَلِك فِي أَخْبَار التَّوَاتُر
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يُوجب الْعلم لوَجَبَ أَن يَقع التبري بَين الْعلمَاء فِيمَا فِيهِ خبر وَاحِد كَمَا يَقع التبري فِيمَا فِيهِ خبر متواتر
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يُوجب الْعلم لوَجَبَ إِذا عَارضه خبر متواتر أَن يتعارضا وَلما ثَبت أَنه يقدم عَلَيْهِ الْمُتَوَاتر دلّ على أَنه غير مُوجب للْعلم
وَأَيْضًا هُوَ أَنه يجوز السَّهْو وَالْخَطَأ وَالْكذب على الْوَاحِد فِيمَا نَقله فَلَا يجوز أَن يَقع الْعلم بخبرهم
وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِأَنَّهُ لَو لم يُوجب الْعلم لما وَجب الْعَمَل بِهِ إِذْ لَا يجوز الْعَمَل بِمَا لَا يُعلمهُ وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل بِمَا لَا يُوجب الْعلم كَمَا يَقُولُونَ فِي شَهَادَة الشُّهُود وَخبر الْمُفْتى وترتيب الْأَدِلَّة بَعْضهَا على بعض فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك كُله وَإِن لم يُوجب الْعلم
[ ٢٩٩ ]
وَأما قَوْله ﷿ ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِهِ مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم من طَرِيق الْقطع وَلَا من طَرِيق الظَّاهِر وَمَا يخبر بِهِ الْوَاحِد وَإِن لم يقطع بِهِ فَهُوَ مَعْلُوم من طَرِيق الظَّاهِر وَالْعَمَل بِهِ عمل بِالْعلمِ
وَاحْتج أَصْحَاب الحَدِيث بِأَن أَصْحَاب هَذِه الْأَخْبَار على كثرتها لَا يجوز أَن تكون كلهَا كذبا وَإِذا وَجب أَن يكون فِيهَا صَحِيح وَجب أَن يكون ذَلِك مَا اشْتهر طَرِيقه وَعرفت عَدَالَة رُوَاته
قُلْنَا يبطل بِهِ إِذا اخْتلف عُلَمَاء الْعَصْر فِي حَادِثَة على أَقْوَال لَا يحْتَمل غَيرهَا فَإنَّا نعلم أَنه لَا يجوز أَن تكون كلهَا بَاطِلا ثمَّ لَا يُمكن أَن نقطع بِصِحَّة وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَاحْتج النظام بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم وَهُوَ إِذا أقرّ على نَفسه بِمَا يُوجب الْقَتْل وَالْقطع فَيَقَع الْعلم بِهِ لكل من سمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذا خرج الرجل من دَاره مخرق الثِّيَاب وَذكر أَن أَبَاهُ مَاتَ وَقع الْعلم لكل من سمع ذَلِك مِنْهُ فَدلَّ على أَن فِيهِ مَا يُوجب الْعلم
وَالْجَوَاب هُوَ أَن لَا نسلم أَن الْعلم يَقع بِسَمَاعِهِ لِأَنَّهُ يجوز أَن يظْهر ذَلِك لغَرَض وَجَهل يحمل عَلَيْهِ وَقد شوهد من قتل نَفسه بِيَدِهِ وصلب نَفسه وَأخْبر بِمَوْت أَبِيه لغَرَض يصل إِلَيْهِ وَأمر يلتمسه فَإِذا احْتمل مَا ذَكرْنَاهُ لم يجز أَن يَقع الْعلم بِهِ
[ ٣٠٠ ]
مَسْأَلَة ٧