وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ الْفِعْل أولى
وَذهب بعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى أَنَّهُمَا سَوَاء
لنا هُوَ أَن القَوْل يدل على الحكم بِنَفسِهِ وَالْفِعْل لَا يدل بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يسْتَدلّ بِهِ على الحكم بِوَاسِطَة وَهُوَ أَن يُقَال لَو لم يجز ذَلِك لما فعل لِأَنَّهُ ﷺ لَا يجوز أَن يفعل مَالا يجوز فَكَانَ مَا دلّ على الحكم بِنَفسِهِ أولى مِمَّا دلّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَة
وَأَيْضًا فَإِن القوى يتَعَدَّى وَالْفِعْل مُخْتَلف فِيهِ فَمن النَّاس من قَالَ لَا يتَعَدَّى حكمه إِلَى غَيره إِلَّا بِدَلِيل فَكَانَ مَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ بِإِجْمَاع أولى
وَلِأَن الْبَيَان بالْقَوْل يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ عَن الْفِعْل وَالْبَيَان بِالْفِعْلِ لَا يَسْتَغْنِي عَن الْبَيَان بالْقَوْل أَلا ترى أَنه ﵇ لما حج وَبَين الْمَنَاسِك للنَّاس قَالَ لَهُم خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَلما صلى وَبَين أَفعَال الصَّلَاة قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلما صلى جِبْرِيل ﵇ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبَين لَهُ الْمَوَاقِيت قَالَ
[ ٢٤٩ ]
الْوَقْت مَا بَين هذَيْن فَلم يكتف فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِالْفِعْلِ حَتَّى ضم إِلَيْهِ القَوْل فَكَانَ تَقْدِيم القَوْل أولى
وَاحْتج من قَالَ إِن الْبَيَان بِالْفِعْلِ أولى بِأَن النَّبِي ﵇ سُئِلَ عَن مَوَاقِيت الصَّلَاة فَلم يبين قولا بل قَالَ للسَّائِل اجْعَل صَلَاتك مَعنا وَبَين لَهُ ذَلِك بِالْفِعْلِ وَكَذَلِكَ بَين الْمَنَاسِك وَالصَّلَاة بِالْفِعْلِ فَدلَّ على أَن الْفِعْل آكِد
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يدل على جَوَاز الْبَيَان بِالْفِعْلِ وَنحن نقُول بذلك وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي تَقْدِيم أقوى البيانين وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يدل على أَن الْفِعْل أقوى
قَالُوا وَلِأَن مُشَاهدَة الْفِعْل آكِد فِي الْبَيَان من القَوْل لِأَن فِي الْفِعْل من الهيئات مَالا يُمكن الْخَبَر عَنْهَا بالْقَوْل وَلَا يُوقف مِنْهُ على الْغَرَض إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْوَصْف فَدلَّ على أَن الْفِعْل آكِد وأبلغ فِي الْبَيَان
قُلْنَا هَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ مَا من فعل إِلَّا وَيُمكن الْعبارَة عَن وَصفه بالْقَوْل حَتَّى يصير كالمشاهد وَلِهَذَا علم النَّبِي ﷺ الْمُسِيء صلَاته بالْقَوْل وَعبر عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَفْعَال
وَأما من قَالَ إنَّهُمَا سَوَاء فاحتج بِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع بِهِ الْبَيَان كَمَا يَقع بِالْآخرِ وَقد بَين النَّبِي ﵇ مرّة بالْقَوْل وَمرَّة بِالْفِعْلِ فَدلَّ على أَنَّهُمَا سَوَاء
وَالْجَوَاب هُوَ أَنَّهُمَا وَإِن اسْتَويَا فِي الْبَيَان إِلَّا أَن القَوْل هُوَ الأَصْل فِي الْبَيَان وَالْفِعْل إِنَّمَا يصير بَيَانا بِغَيْرِهِ وَالْقَوْل مجمع على وُقُوع الْبَيَان بِهِ وَالْفِعْل مُخْتَلف فِيهِ فَكَانَ القَوْل أولى بالتقديم
[ ٢٥٠ ]