أصَحهمَا لَا يَقْتَضِي التّكْرَار
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يَقْتَضِيهِ
[ ٤٧ ]
لنا هُوَ أَن كل أَمر اقْتضى مرّة وَاحِدَة إِذا كَانَ مُطلقًا اقْتضى مرّة وَاحِدَة وَإِن كَانَ مُعَلّقا هُوَ شَرط كَمَا لَو قَالَ صل وصم
وَلِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمُطلق لَا يَقْتَضِي التّكْرَار فالمعلق بِشَرْط مثله لِأَن الشَّرْط إِنَّمَا يُفِيد تعلق الْمُطلق عَلَيْهِ فَقَط فَإِذا لم يقتض الْمُطلق التّكْرَار وَجب أَن لَا يَقْتَضِي الْمُعَلق بِشَرْط
وَلِأَن أهل اللِّسَان فرقوا بَين قَوْلهم افْعَل كَذَا إِذا طلعت الشَّمْس وَبَين قَوْلهم افْعَل كَذَا كلما طلعت الشَّمْس وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء فِيمَن قَالَ لزوجته أَنْت طَالِق إِذا طلعت الشَّمْس فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق عَلَيْهِ مرّة وَاحِدَة وَلَا يعود وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق كلما طلعت الشَّمْس تكَرر وُقُوع الطَّلَاق لتكرر الشَّرْط وَلم يفرقُوا بَين اللَّفْظَيْنِ إِلَّا لاختلافهما فِي مُوجب اللُّغَة
وَأَيْضًا فَإِن تَعْلِيق الْأَمر بِالشّرطِ يَقْتَضِي تَخْصِيصه فَإِذا كَانَ مطلقه فِي الْأَحْوَال كلهَا لَا يَقْتَضِي التّكْرَار فالمخصوص بِبَعْض الْأَحْوَال أولى بذلك
وَاحْتج الْقَائِل الآخر بِأَن تعلق الحكم بِالشّرطِ كتعلقه بِالْعِلَّةِ إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا سَبَب فِيهِ فَإِذا كَانَ تكْرَار الْعلَّة يُوجب تكْرَار الحكم فَكَذَلِك تكْرَار الشَّرْط
قيل لَا نسلم هَذَا بل بَينهمَا فرق ظَاهر وَهُوَ أَن الْعلَّة دلَالَة تَقْتَضِي الحكم فتكرر الحكم بتكررها وَالشّرط لَيْسَ بِدلَالَة على الحكم أَلا ترى أَنه لَا يَقْتَضِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مصحح لَهُ فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
[ ٤٨ ]
وَاحْتج بِأَن أوَامِر الله تَعَالَى الْمُعَلقَة بِالشُّرُوطِ كلهَا على التّكْرَار كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ وَكَقَوْلِه ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَنَحْو ذَلِك فَدلَّ على أَن ذَلِك مُقْتَضَاهُ
وَالْجَوَاب أَن فِي أوامره الْمُعَلقَة على الشَّرْط مَا لَا يَقْتَضِي التّكْرَار كالأمر بِالْحَجِّ
وَلِأَن أوَامِر الشَّرْع اقترنت بهَا أَدِلَّة تَقْتَضِي التّكْرَار من الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَغَيرهمَا وَلَيْسَ فِيمَا اخْتلفَا فِيهِ دلَالَة تَقْتَضِي التّكْرَار فَبَقيَ على ظَاهره
وَاحْتج أَيْضا بِأَن النَّهْي الْمُعَلق بِالشّرطِ يَقْتَضِي التّكْرَار فَكَذَلِك الْأَمر
وَالْجَوَاب هُوَ أَن من أَصْحَابنَا من سوى بَين الْأَمر وَالنَّهْي إِذا تعلق بِالشّرطِ
وَإِن سلمنَا فَإِن الْأَمر مُخَالف للنَّهْي أَلا ترى أَن الْأَمر الْمُطلق لَا يَقْتَضِي التّكْرَار وَالنَّهْي الْمُطلق يَقْتَضِيهِ
ولأنا بَينا الْفرق بَينهمَا فِيمَا مضى بِمَا يُغني عَن الْإِعَادَة
[ ٤٩ ]
مَسْأَلَة ٨