[ ١٤٤ ]
على عُمُومه وَلم يقْتَصر على سَببه
وَقَالَ مَالك يقْتَصر على السَّبَب وَهُوَ قَول الْمُزنِيّ وَأبي ثَوْر وَأبي بكر الْقفال والدقاق
لنا هُوَ أَن الدَّلِيل قَول صَاحب الشَّرِيعَة فَاعْتبر عُمُومه كَمَا لَو تجرد عَن السَّبَب
[ ١٤٥ ]
وَلِأَن كل لفظ لَو تجرد عَن سُؤال خَاص حمل على عُمُومه فَكَذَلِك إِذا تقدمه سُؤال خَاص
الدَّلِيل عَلَيْهِ إِذا قَالَت الْمَرْأَة لزَوجهَا طَلقنِي فَقَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الحكم يتَعَلَّق بِجَوَاب النَّبِي ﵇ كَمَا أَن الطَّلَاق يتَعَلَّق بقول الزَّوْج ثمَّ الِاعْتِبَار بِعُمُوم كَلَام الزَّوْج دون خُصُوص السُّؤَال فَكَذَلِك يجب أَن يكون الِاعْتِبَار بِعُمُوم كَلَام النَّبِي ﷺ لَا بِخُصُوص السُّؤَال
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ السُّؤَال عَاما وَالْجَوَاب خَاصّا اعْتبر خُصُوص الْجَواب دون عُمُوم السُّؤَال فَكَذَلِك إِذا كَانَ السُّؤَال خَاصّا وَالْجَوَاب عَاما وَجب أَن يعْتَبر عُمُوم الْجَواب
وَلِأَنَّهُ لَو وَقع السُّؤَال عَن جَوَاز شَيْء فَخرج الْجَواب بإيجابه اعْتبر الْجَواب فَكَذَلِك إِذا كَانَ السُّؤَال خَاصّا وَالْجَوَاب عَاما وَجب أَن يعْتَبر عُمُوم الْجَواب
وَلِأَن قَول السَّائِل لَيْسَ بِحجَّة فَلَا يجوز أَن يخص بِهِ عُمُوم السّنة كَقَوْل غَيره
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الِاعْتِبَار بِخُصُوص السُّؤَال لوَجَبَ أَن يخْتَص السَّائِل بِالْجَوَابِ حَتَّى لَا يدْخل غَيره فِيهِ وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على عُمُوم آيَة الْقَذْف وَإِن كَانَت نزلت فِي شَأْن عَائِشَة ﵂ خَاصَّة وَعُمُوم آيَة اللّعان وَإِن كَانَت نزلت فِي شان هِلَال بن أُميَّة وَامْرَأَته وَعُمُوم آيَة الظِّهَار وَإِن كَانَت نزلت فِي شَأْن رجل بِعَيْنِه فَدلَّ على أَنه لَا اعْتِبَار بِالسَّبَبِ
وَاحْتَجُّوا بِأَن السُّؤَال مَعَ الْجَواب كالجملة الْوَاحِدَة بِدَلِيل أَن السُّؤَال هُوَ الْمُقْتَضِي للجواب وبدليل أَن الْجَواب إِذا كَانَ مُبْهما أُحِيل فِي بَيَانه على السُّؤَال فَإِذا ثَبت أَنَّهُمَا كالجملة الْوَاحِدَة وَجب أَن يصير السُّؤَال مُقَدرا فِي الْجَواب فيخص الحكم
[ ١٤٦ ]
قُلْنَا لَا نسلم أَنَّهُمَا كالجملة الْوَاحِدَة بل هما جملتان متفرقتان واستدلالهم عَلَيْهِ بِأَن الْجَواب مُقْتَضى السُّؤَال لَا يسلم فَكيف يكون الْجَواب مُقْتَضى السُّؤَال وَهُوَ أَعم مِنْهُ
وَإِن سلمنَا لَهُم فَالْجَوَاب عَنهُ وَإِن كَانَ مُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون زَائِدا عَلَيْهِ فيجيب بِمَا هُوَ أَعم مِنْهُ وَرُبمَا اشْتَمَل الْجَواب عَمَّا لم يَقع السُّؤَال عَنهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾ فَأجَاب عَمَّا سُئِلَ وَزَاد كَمَا قَالَ ﵇ وَقد سُئِلَ عَن مَاء فَقَالَ هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته
وَقَوْلهمْ إِنَّه يجوز أَن يكون الْجَواب محالا على السَّبَب فِي الْبَيَان يبطل بِالْكتاب مَعَ السّنة فَإِنَّهُ يجوز أَن يُحَال بِأَحَدِهِمَا على الآخر فِي الْبَيَان ثمَّ هما جملتان مُخْتَلِفَتَانِ وعَلى أَن خلافنا فِي جَوَاب مُسْتَقل بِنَفسِهِ غير مفتقر إِلَى السُّؤَال فِي الْبَيَان فَلَا يجوز أَن يَجْعَل ذَلِك مَعَ السُّؤَال جملَة وَاحِدَة ثمَّ هَذَا يبطل بِمَا ذَكرْنَاهُ من مَسْأَلَة الطَّلَاق فَإِن السُّؤَال هُوَ الْمُقْتَضِي للطَّلَاق وَيجوز أَن يكون الْجَواب محالا على السُّؤَال فِي الْبَيَان ثمَّ لَا يَجْعَل السُّؤَال مَعَ الْجَواب كالجملة الْوَاحِدَة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ جَوَاب خرج على سُؤال خَاص فَكَانَ مَقْصُورا عَلَيْهِ كَمَا لَو لم يسْتَقلّ إِلَّا بِالسَّبَبِ
قُلْنَا الْمَعْنى هُنَاكَ أَن اللَّفْظ لم يتَنَاوَل غير مَا وَقع عَنهُ السُّؤَال وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن اللَّفْظ عَام مِمَّا وَقع عَنهُ السُّؤَال وَغَيره فَحمل على عُمُومه
قَالُوا وَلما ورد الْخطاب فِيهِ على السَّبَب دلّ على انه بَيَان لحكمه خَاصّا إِذْ لَو كَانَ بَيَانا لغيره لبينه قبل السُّؤَال
[ ١٤٧ ]
قُلْنَا يجوز أَن يرد السُّؤَال عَلَيْهِ وَيبين حكمه وَحكم غَيره كَمَا سُئِلَ عَن مَاء الْبَحْر خَاصَّة فَبين حكمه وَحكم ميتَته ثمَّ هَذَا يُعَارضهُ أَنه لَو كَانَ بَيَانا لحكم السَّبَب خَاصَّة لخصه بِالْجَوَابِ وَلما أطلق وَعم دلّ على أَنه قصد بَيَانه وَبَيَان غَيره
قَالُوا السَّبَب هُوَ الَّذِي أثار الحكم فيعلق بِهِ كالعلة
قُلْنَا الْعلَّة مقتضية للْحكم فوزانها من السَّبَب أَن يكون مقتضيا للْحكم فَيتَعَلَّق بِهِ الحكم وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَن السَّبَب غير مُقْتَض لَهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مقتضيا لَهُ وَهُوَ أَعم مِنْهُ فَلم يجز تَعْلِيقه عَلَيْهِ
[ ١٤٨ ]
مَسْأَلَة ١٣