[ ٤١ ]
لنا أَن قَوْله صل أَمر كَمَا أَن قَوْله صلى خبر عَنهُ ثمَّ ثَبت أَن قَوْله صلى لَا يَقْتَضِي التّكْرَار فكذالك قَوْله صل
وَأَيْضًا أَن قَوْله صل وصم لَا يَقْتَضِي أَكثر من إِيجَاد مَا يُسمى صَلَاة وصوما
يدل عَلَيْهِ أَنه إِذا فعل صوما وَصَلَاة حسن أَن يَقُول صمت وَصليت فَإِذا فعل مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ لم تلْزمهُ زِيَادَة إِلَّا بِدَلِيل
وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَو حلف ليفعلن كَذَا بر بِفعل مرّة وَاحِدَة وَلَو كَانَ اللَّفْظ يَقْتَضِي التّكْرَار لما بر بِفعل مرّة وَاحِدَة كَمَا لَو حلف ليفعلن كَذَا على الدَّوَام
وَأَيْضًا أَنه لَو قَالَ لوَكِيله طلق امْرَأَتي لم يجز أَن يُطلق أَكثر من طَلْقَة فَلَو كَانَ الْأَمر يَقْتَضِي التّكْرَار لملك الْوَكِيل إِيقَاع ثَلَاث تَطْلِيقَات كَمَا لَو قَالَ طلق مَا شِئْت أَو كل مَا أملكهُ
فَإِن قيل مُقْتَضى اللَّفْظ فِي اللُّغَة فِي مَا ذكرْتُمْ من الْيَمين وَالتَّوْكِيل التّكْرَار وَإِنَّمَا تركنَا مُقْتَضى اللَّفْظ بِالشَّرْعِ وَيجوز أَن يكون اللَّفْظ فِي اللُّغَة يَقْتَضِي أمرا ثمَّ يُقرر الشَّرْع فِيهِ على غير مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَة فَيحمل على ذَلِك وَلَا يدل على أَن مَا فِي لم يُقرر الشَّرْع فِيهِ شَيْئا لَا يحمل على مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَة كَمَا لَو حلف لَا يَأْكُل الرؤوس فَإنَّا نحمل ذَلِك بِالشَّرْعِ على رُؤُوس النعم خَاصَّة ثمَّ لَا يدل على أَن الرؤوس فِي اللُّغَة لَا يَقْتَضِي سَائِر الرؤوس
وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الْأَمر فِي الْيَمين وَالْوكَالَة مَحْمُول على مُوجب اللُّغَة وَالشَّرْع ورد فيهمَا بمراعاة مُوجب اللُّغَة وَلِهَذَا لَو قيد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يَقْتَضِي التّكْرَار لحمل على التّكْرَار وَهُوَ أَن يَقُول وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أبدا أَو يَقُول لوَكِيله طلق امْرَأَتي كل مَا أملكهُ من الطَّلَاق فَلَو لم يكن مُقْتَضى اللَّفْظ فِي اللُّغَة مَا ذَكرْنَاهُ لم يحمل عَلَيْهِ
[ ٤٢ ]
وَأما إِذا حلف على أكل الرؤوس فَإِنَّمَا حملناه على رُؤُوس النعم لِأَن فِي عرف أهل اللُّغَة لَا يُطلق اسْم الرؤوس إِلَّا على هَذِه الرؤوس فراعينا فِي ذَلِك أَيْضا مُوجب اللُّغَة وَعرف أهل اللِّسَان فَيجب أَن يكون هَاهُنَا أَيْضا يُرَاعى مُوجب اللُّغَة وَعرف اللِّسَان
وَاحْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي شَارِب الْخمر اضْرِبُوهُ فكرروا عَلَيْهِ الضَّرْب وَلَو لم يكن مُقْتَضى الْأَمر التّكْرَار لما كرروا عَلَيْهِ الضَّرْب
وَالْجَوَاب أَنهم إِنَّمَا حملُوا اللَّفْظ على التّكْرَار لقَرِينَة اقترنت بِاللَّفْظِ وَهُوَ شَاهد الْحَال وَذَلِكَ أَنهم علمُوا أَن قَصده الردع والزجر وَأَن ذَلِك لَا يحصل إِلَّا بتكرار الضَّرْب وخلافنا فِي الْأَمر المتجرد عَن الْقَرَائِن
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَن الْأَقْرَع بن حَابِس قَالَ للنَّبِي ﷺ أحجنا هَذَا فِي كل سنة أم فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة
فَلَو كَانَ الْأَمر يَقْتَضِي مرّة وَاحِدَة لم يكن لهَذَا السُّؤَال معنى
قُلْنَا هَذَا مُشْتَرك الدَّلِيل فَإِنَّهُ لَو كَانَ مُقْتَضَاهُ التّكْرَار لم يكن لهَذَا السُّؤَال معنى
فَكل جَوَاب لَهُم عَن سُؤَاله عَن التّكْرَار وَاللَّفْظ مَوْضُوع لَهُ فَهُوَ جَوَابنَا عَن سُؤَاله مرّة وَاحِدَة وَاللَّفْظ مَوْضُوع لَهُ
[ ٤٣ ]
وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا حسن السُّؤَال لِأَن اللَّفْظ يحْتَمل التّكْرَار وَمَعَ الِاحْتِمَال يحسن السُّؤَال فَبَطل تعلقهم بِهِ
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم
وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا أَمر بِأَن يُؤْتى من الْأَمر مَا اسْتَطَاعَ مِنْهُ وَعِنْدنَا الدفعة الثَّانِيَة لَيست من الْأَمر وَإِنَّمَا الْأَمر من الدفعة الأولى فَيجب أَن نأتي مِنْهَا بِمَا نستطيع
وَاحْتَجُّوا بِأَن أَكثر أوَامِر الشَّرْع على التّكْرَار فَدلَّ على أَن ذَلِك مُقْتَضى الْأَمر
قُلْنَا هَذَا يبطل بِأَلْفَاظ الْعُمُوم فَإِن أَكْثَرهَا على التَّخْصِيص وَلَا يدل على أَن ذَلِك مقتضاها
وعَلى أَنا إِنَّمَا حملنَا تِلْكَ الْأَوَامِر على التّكْرَار لقِيَام الدّلَالَة عَلَيْهَا وخلافنا فِي الْأَمر المتجرد عَن الدَّلِيل
وعَلى أَن مَا ذَكرُوهُ دَلِيل لنا فَإِن الْأَوَامِر الَّتِي ذكروها لم نحملها على التّكْرَار على الدَّوَام وَإِنَّمَا حملناها على التّكْرَار فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة وَعِنْدهم أَن الْأَمر يَقْتَضِي التّكْرَار على الدَّوَام فَبَطل مَا قَالُوهُ
قَالُوا لَا خلاف أَن النَّهْي يَقْتَضِي التّكْرَار فَكَذَلِك الْأَمر
قُلْنَا فرق بَين اللَّفْظ الْمَوْضُوع للنَّفْي وَبَين اللَّفْظ الْمَوْضُوع للإثبات
أَلا ترى أَنه لَو قَالَ وَالله لَا فعلت كَذَا لم يبر إِلَّا بالتكرار والدوام وَلَو قَالَ وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا بر بِمرَّة وَاحِدَة فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
[ ٤٤ ]
وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ النَّفْي فِي الْخَبَر بِأَن قَالَ مَا فعلت كَذَا اقْتضى التّكْرَار وَلَو كَانَ للإثبات فِي الْخَبَر بِأَن قَالَ فعلت كَذَا اقْتضى مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم
وَلِأَن النَّهْي لَو قَيده بِمرَّة وَاحِدَة اقْتضى التّكْرَار وَلَو قيد الْأَمر بِمرَّة وَاحِدَة لم يقتض التّكْرَار فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن قَوْله صل يحْتَمل صَلَاة وَأكْثر من صَلَاة على طَرِيق الْحَقِيقَة أَلا ترى أَنه يجوز أَن يُفَسر بِالْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَن يحمل اللَّفْظ على الْكل
وَالْجَوَاب أَنه يبطل بقوله صليت لِأَنَّهُ يحْتَمل صَلَاة وَأكْثر على مَا ذَكرُوهُ ثمَّ لَا يحمل إِطْلَاقه إِلَّا على أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو قَالَ احفظ هَذَا فحفظه سَاعَة ثمَّ ترك حفظه اسْتحق التوبيخ والعقوبة وَلَو لم يقتض الدَّوَام لما حسن توبيخه وعقوبته
وَالْجَوَاب أَن معنى الْحِفْظ أَن لَا يضيع فَإِذا حفظه سَاعَة ثمَّ تَركه صَار مضيعا فَلم يَجْعَل ممتثلا لِلْأَمْرِ فَلهَذَا أوجب عَلَيْهِ على الدَّوَام وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قَالَ صل فَإِن ذَلِك يَقْتَضِي تَحْصِيل مَا يُسمى صَلَاة وَذَلِكَ يحصل بِفعل صَلَاة وَاحِدَة فَافْتَرقَا
وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَو حفظ سَاعَة ثمَّ خلاه لم يحسن مِنْهُ أَن يَقُول حفظت وَلَو صلى صَلَاة وَاحِدَة حسن أَن يَقُول صليت فَافْتَرقَا
وَلِأَن الْبر فِي الْيَمين على الْحِفْظ لَا يحصل إِلَّا بالمداومة وَالْبر فِي الْيَمين على الصَّلَاة وَسَائِر الْأَفْعَال يحصل بِأَدْنَى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَمر يَقْتَضِي وجوب الْفِعْل وَوُجُوب الِاعْتِقَاد ثمَّ اعْتِقَاد الْفِعْل يجب تكراره فَكَذَلِك الْفِعْل
قُلْنَا لَا يمْنَع أَن يجب تكْرَار الِاعْتِقَاد دون الْفِعْل كَمَا لَو قَالَ صل مرّة فَإِن الِاعْتِقَاد يتَكَرَّر وُجُوبه وَالْفِعْل لَا يتَكَرَّر وُجُوبه
[ ٤٥ ]
وَلِأَن الِاعْتِقَاد لَيْسَ يجب بِالْأَمر وَإِنَّمَا يجب بِمَعْنى آخر وَهُوَ أَن الْأَمر يتَضَمَّن الْخَبَر بِوُجُوبِهِ فَإِذا ذكر الْمُكَلف الْأَمر وَلم يعْتَقد وُجُوبه صَار مُكَذبا لَهُ فِي خَبره فَيصير كَافِرًا بذلك فَوَجَبَ عَلَيْهِ اعْتِقَاد الْوُجُوب كلما ذكر الْأَمر وَلَيْسَ كَذَلِك الْفِعْل فَإِنَّهُ يجب بِالْأَمر وَقد بَينا أَن اللَّفْظ لَا يَقْتَضِي إِلَّا أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم فَافْتَرقَا
قَالُوا الْأَمر بِالصَّلَاةِ عَام فِي جَمِيع الزَّمَان كَمَا أَن لفظ الْعُمُوم عَام فِي الْأَعْيَان
وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَنه يَصح اسْتثِْنَاء مَا شَاءَ من الْأَوْقَات كَمَا يَصح فِي الْعُمُوم اسْتثِْنَاء مَا شَاءَ من الْأَعْيَان ثمَّ ثَبت أَن الْعُمُوم فِي الْأَعْيَان يَقْتَضِي استغراق جَمِيعهم فَكَذَلِك الْأَمر فِي الْأَزْمَان وَجب أَن يَقْتَضِي استغراق جَمِيعهَا وَفِي إِثْبَات هَذَا إِثْبَات التّكْرَار
وَالْجَوَاب أَن لفظ الْأَمر لَا يتَنَاوَل الزَّمَان وَإِنَّمَا يتَنَاوَل الْفِعْل غير أَن الْفِعْل لَا يَقع إِلَّا فِي زمَان فَلم يجب حمله على الْعُمُوم فِيمَا لم يتَنَاوَلهُ وَيُخَالف فِي هَذَا الْعُمُوم فِي الْأَعْيَان بِأَن اللَّفْظ يتَنَاوَل الْأَعْيَان فَحمل على عُمُومه
يدل عَلَيْهِ أَنه لَو قَالَ وَالله لأقتلن الْمُشْركين حمل ذَلِك على عامتهم وَلَو قَالَ وَالله لأقتلن لم يحمل ذَلِك على جَمِيع الْأَعْيَان بل إِذا قتل وَاحِدًا بر فَافْتَرقَا
[ ٤٦ ]
مَسْأَلَة ٧