وَقَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي وَالْقَاضِي أَبُو حَامِد
[ ٥٢ ]
إِنَّه يَقْتَضِي الْفَوْر وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَاب أبي حنيفَة
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين يتَوَقَّف فِيهِ إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل على مَا أُرِيد بِهِ من الْفَوْر أَو التَّرَاخِي
لنا أَن الْأَمر يَقْتَضِي استدعاء الْفِعْل وَلَيْسَ للزمان فِيهِ ذكر فَفِي أَي وَقت فعله وَجب أَن يصير ممتثلا
يدل عَلَيْهِ أَنه لما اقْتضى الْفِعْل وَلم يكن لحَال الدُّخُول فِيهِ ذكر جَازَ فعله فِي كل حَال من أَحْوَاله فَيصير ممتثلا كَذَلِك فِي الزَّمَان مثله
وَيدل عَلَيْهِ أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي زَمَانا وَلَا مَكَانا وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى زمَان وَمَكَان لِأَن أَفعَال المخلوقين لَا تقع إِلَّا فِي زمَان وَمَكَان ثمَّ ثَبت أَنه فِي أَي مَكَان فعل صَار ممتثلا وَكَذَلِكَ فِي أَي زمَان فعل وَجب أَن يصير ممتثلا
وَيدل عَلَيْهِ أَن الِامْتِثَال فِي الْأَمر كالبر فِي الْيَمين ثمَّ لَو قَالَ وَالله
[ ٥٣ ]
لَأَفْعَلَنَّ كَذَا صَار بارا فِي الْيَمين وَإِن أخر الْفِعْل عَن حَال الْيَمين فَكَذَلِك يجب أَن يصير ممتثلا فِي الْأَمر وَإِن أَخّرهُ عَن حَال الْأَمر
وَيدل عَلَيْهِ أَن قَوْله اقْتُل مُطلق فِي الْأَزْمَان كَمَا أَنه مُطلق فِي الْأَعْيَان ثمَّ إِنَّه لَا خلاف أَنه يصير ممتثلا بقتل من شَاءَ فَوَجَبَ أَن يصير متمثلا بِالْقَتْلِ فِي أَي وَقت شَاءَ وَلِهَذَا قَالَ عمر بن الْخطاب لأبي بكر الصّديق ﵄ وَقد صدوا عَن الْبَيْت يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَلَيْسَ قد وعدنا الله بِالدُّخُولِ فَكيف صدونا فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر الصّديق إِن الله تَعَالَى وعد بذلك وَلَكِن لم يقل فِي أَي وَقت فَدلَّ على أَن اللَّفْظ لَا يَقْتَضِي الْوَقْت الأول
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ وَفِي فعل الطَّاعَة مغْفرَة فَوَجَبت المسارعة إِلَيْهَا
الْجَواب أَن المُرَاد بِالْآيَةِ التَّوْبَة من الذُّنُوب والإنابة إِلَى الله تَعَالَى
وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ هُوَ أَن التَّوْبَة هِيَ الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الْمَغْفِرَة فِي الْحَقِيقَة فَوَجَبَ حمل الْآيَة عَلَيْهَا
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ أحد نَوْعي خطاب التَّكْلِيف فَكَانَ على الْفَوْر كالنهي
قُلْنَا النَّهْي يتَنَاوَل الِانْتِهَاء فِي جَمِيع الْأَوْقَات على الدَّوَام والاتصال فيعلق
[ ٥٤ ]
بِالْوَقْتِ الأول كَمَا يعلق بِجَمِيعِ الْأَوْقَات وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَمر فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَكثر من وَقت وَاحِد وَلَيْسَ الْوَقْت الأول بِأولى من الْوَقْت الثَّانِي فَكَانَ جَمِيع الْأَوْقَات فِيهِ وَاحِدًا
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه وَلَا يصير منتهيا عَن ضِدّه إِلَّا بِفعل الْمَأْمُور بِهِ على الْفَوْر
وَالْجَوَاب أَنه يبطل بِهِ إِذا قَالَ لَهُ افْعَل فِي أَي وَقت شِئْت فَإِنَّهُ يجوز لَهُ التَّأْخِير وَإِن أدّى إِلَى مَا ذَكرُوهُ
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لوَجَبَ أَن يحمل الْأَمر على التّكْرَار لِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه فَيجب أَن يداوم على الْفِعْل ليصير منتهيا على الدَّوَام
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن الْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ بنهي عَن ضِدّه من طَرِيق اللَّفْظ فيراعى فِيهِ مُوجب لفظ النَّهْي وَإِنَّمَا هُوَ نهي من طَرِيق الْمَعْنى فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بالشَّيْء إِلَّا وضده محرم عَلَيْهِ فَلم يتَعَلَّق ذَلِك إِلَّا بِمَا يفوت بِهِ الْمَأْمُور فَإِذا كَانَ الْأَمر بِفعل وَاحِد اقْتضى ذَلِك تَحْرِيم مَا يفوت بِهِ الْفِعْل وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي المسارعة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَمر يَقْتَضِي ثَلَاثَة أَشْيَاء الْفِعْل والعزم عَلَيْهِ واعتقاد الْوُجُوب ثمَّ الْعَزْم والاعتقاد على الْفَوْر فَكَذَلِك الْفِعْل
وَالْجَوَاب عَن الِاعْتِقَاد مَا قضي فِي مَسْأَلَة الْأَمر هَل يَقْتَضِي التّكْرَار وَأما الْعَزْم فَلم يكن على الْفَوْر بِمُوجب اللَّفْظ بل كَانَ على الْفَوْر لِأَن الْمُكَلف لَا يَنْفَكّ من الْعَزْم على الْفِعْل وَالتّرْك فالعزم على التّرْك مَعْصِيّة وعناد لصَاحب
[ ٥٥ ]
الشَّرْع فَتعين الْعَزْم على الْفِعْل وَأما الْفِعْل فَهُوَ مُوجب اللَّفْظ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يُوجب التَّعْجِيل فَافْتَرقَا
وَلِأَنَّهُ لَو قيد الْأَمر بالتراخي لوَجَبَ الْعَزْم على الْفَوْر وَالْفِعْل على التَّرَاخِي فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن قَوْله افْعَل يَقْتَضِي إِيجَاد الْفِعْل فَلَو قُلْنَا أَنه على التَّرَاخِي لأثبتنا تخييرا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ
وَالْجَوَاب أَنه يبطل بِهِ إِذا قَالَ اقْتُل فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ تَخْيِير ثمَّ يتَخَيَّر فِي أَعْيَان المقتولين
وَلِأَن هَذَا يُعَارضهُ أَن اللَّفْظ يَقْتَضِي إِيجَاد الْفِعْل فَمن جعله على الْفَوْر فقد زَاد فِي اللَّفْظ زِيَادَة وَأثبت تَخْصِيصًا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَهَذَا لَا يجوز
وَاحْتَجُّوا بِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاء فَلم يسقه على الْفَوْر اسْتحق التوبيخ فَدلَّ على أَن مُقْتَضَاهُ الْفَوْر
وَالْجَوَاب أَنه إِن لم تكن هُنَاكَ قرينَة تَقْتَضِي الْفَوْر لم يسْتَحق التوبيخ وَإِنَّمَا يسْتَحق ذَلِك إِذا اقْترن بِالْأَمر قرينَة يعلم بهَا الْفَوْر فَيسْتَحق التوبيخ على ذَلِك لمَكَان الدّلَالَة
وَاحْتَجُّوا بِأَنا أجمعنا على كَون الْفِعْل قربَة فِي أول الْوَقْت فَمن أثبت الْقرْبَة فِي الْوَقْت الثَّانِي احْتَاجَ إِلَى دَلِيل
وَالْجَوَاب أَن الَّذِي اقْتضى كَون الْفِعْل قربَة فِي الْوَقْت الأول تنَاول الْأَمر وَقد بَينا أَن تنَاوله للْوَقْت الثَّانِي وَالْأول وَاحِد فَوَجَبَ أَن يكون قربَة فِي الْجَمِيع
[ ٥٦ ]
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو قَالَ لَهُ افْعَل وَعجل صَحَّ وَكَانَ ذَلِك حَقِيقَة فِيهِ وَلَو لم يكن ذَلِك حَقِيقَة فِي الْأَمر لوَجَبَ أَن يكون مجَازًا
وَالْجَوَاب أَن هَذَا حجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر يفوت بترك التَّعْجِيل لما حسن أَن يَقُول لَهُ افْعَل وَعجل أَلا ترى أَن الصَّوْم لما فَاتَ بِفَوَات الْوَقْت لم يحسن أَن يَقُول صم وَعجل وَلما حسن أَن يَقُول لَهُ افْعَل كَذَا وَعجل دلّ على أَنه لَا يفوت بِالتَّأْخِيرِ
ثمَّ هَذَا يبطل بِهِ إِذا قَالَ اقْتُل زيدا فَإِنَّهُ يَصح وَيكون حَقِيقَة ثمَّ لَا يُقَال إِن مُقْتَضى اللَّفْظ الْمُطلق مِنْهُ قتل زيد خَاصَّة لِأَنَّهُ لَو لم يكن ذَلِك مُقْتَضَاهُ لوَجَبَ أَن يصير مجَازًا
وعَلى أَن اللَّفْظ إِنَّمَا يصير مجَازًا إِذا وضع لشَيْء بِعَيْنِه ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره كالحمار مَوْضُوع للبهيمة الْمَخْصُوصَة فَإِذا اسْتعْمل فِي الرجل البليد كَانَ مجَازًا
وَأما لفظ الْأَمر فَإِنَّهُ غير مَوْضُوع لزمان وَلَا متناولا لَهُ من حَيْثُ اللَّفْظ وَإِنَّمَا يتَنَاوَل الْفِعْل فَحسب وَالزَّمَان إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لضَرُورَة فعل الْمُكَلف فَفِي أَي وَقت اسْتعْمل لم يصر مجَازًا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ استدعاء فعل بقول مُطلق فَاقْتضى التَّعْجِيل كالإيجاب فِي البيع
قُلْنَا الْإِيجَاب لم يقتض الْقبُول على الْفَوْر من جِهَة اللُّغَة وَإِنَّمَا اقْتضى ذَلِك من جِهَة الشَّرْع وَلِهَذَا لَو رَضِي البَائِع أَن يقبل على التَّرَاخِي لم يجز وكلامنا فِي مُقْتَضى اللَّفْظ فِي اللُّغَة فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالشرعيات
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ إِذا لم يفعل الْمَأْمُور بِهِ حَتَّى مَاتَ لم يخل إِمَّا أَن لَا يَعْصِي بذلك فَيخرج الْفِعْل عَن أَن يكون وَاجِبا وَيلْحق بالنوافل أَو يَعْصِي فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَعْصِي بعد الْمَوْت وَهَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا طَرِيق لَهُ إِلَى فعل
[ ٥٧ ]
الْمَأْمُور بِهِ بعد الْمَوْت فَلَا يجوز أَن يلْحقهُ الْعِصْيَان أَو يَعْصِي إِذا غلب على ظَنّه أَنه إِذا أَخّرهُ فَاتَهُ الْأَمر وَهَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ قد يَمُوت بَغْتَة ويخترم فَجْأَة وَلَا يجوز أَن يكون عَاصِيا فَثَبت أَنه عصى من أول حَال الْإِمْكَان وَهَذَا يدل على أَنه وَجب على الْفَوْر
وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بِقَضَاء رَمَضَان وَالْكَفَّارَات وَمَا أخبرنَا خَبره من الْعِبَادَات فَإِن هَذَا التَّقْسِيم مَوْجُود فِيهِ ثمَّ وُجُوبهَا على التَّرَاخِي
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن أَبَا عَليّ بن أبي هُرَيْرَة قَالَ لَا يَعْصِي إِذا مَاتَ وَلَا يلْحق بالنوافل لأَنا نوجب عَلَيْهِ الْعَزْم على الْفِعْل فِي الْفَرَائِض وَفِي النَّوَافِل لَا يجب ذَلِك
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِنَّه يَعْصِي إِذا غلب على ظَنّه فَوَاته فَإِن اخترم بَغْتَة لم يعْص وَهَذَا لَا يمْنَع أَلا ترى أَن الْوَصِيَّة كَانَت وَاجِبَة قبل النّسخ وَكَانَ وُجُوبهَا مُتَعَلقا بِهَذَا الْمَعْنى فَلَو اخترم فَجْأَة لم يعْص بِتَرْكِهَا وَلم يدل ذَلِك أَنَّهَا غير وَاجِبَة
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو لم يتَعَلَّق الْأَمر بِالْوَقْتِ الأول لتَعلق بِوَقْت مَجْهُول وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا لَا يجوز تَعْلِيقه بِوَقْت معِين مَجْهُول
وَالْجَوَاب هُوَ أَن فِيمَا ذَكرُوهُ لَا يُمكن امْتِثَال الْأَمر فَلم يجز وَهَهُنَا يُمكن امْتِثَال الْأَمر لِأَنَّهُ مُخَيّر فِي الْأَوْقَات كلهَا فَجَاز
يدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَا يجوز أَن يعلق الْأَمر على قتل رجل بِعَيْنِه غير مَعْلُوم وَإِن علقه على رجل من الْمُشْركين غير معِين جَازَ فَافْتَرقَا
[ ٥٨ ]
وَمن قَالَ بِالْوَقْفِ اسْتدلَّ بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يجوز أَرَادَ بِهِ الْإِيجَاب فِي الْوَقْت الأول وَيحْتَمل الْوَقْت الآخر وَيحْتَمل مَا بَينهمَا وَلَا مزية لبعضهما على بعض فَوَجَبَ الْوَقْف كَمَا وَجب فِي أَلْفَاظ الْعُمُوم
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْوَقْف لَا ذكر لَهُ فِي اللَّفْظ وَمَا لَيْسَ لَهُ ذكر وَجب إِسْقَاطه وَلَا يجوز الْوَقْف بِسَبَبِهِ أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ صل لم يجز أَن يقف على معرفَة أَحْوَال الْمُكَلف من كَونه صَائِما أَو مُفطرا حَاضرا أَو مُسَافِرًا وَإِن لم يكن لبَعض هَذِه الْأَحْوَال مزية على بعض وَاحْتمل الْأَمر الْجَمِيع احْتِمَالا وَاحِدًا
وَأما الْعُمُوم فعندنا لَا يتَوَقَّف فِيهِ ثمَّ الْوَقْف فِي الْعُمُوم أقرب من الْوَقْف فِي الْأَمر وَذَلِكَ أَن هُنَالك لفظ يحْتَمل الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَجَاز أَن يتَوَقَّف فِيهِ إِلَى أَن نعلم المُرَاد وَلَيْسَ للزمان لفظ يَقْتَضِيهِ وَالْأَصْل عَدمه فَسقط الْوَقْف لأَجله كَمَا سقط الْوَقْف لأجل الْمَكَان
[ ٥٩ ]
مَسْأَلَة ١٠