وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يكون حَقِيقَة وَهُوَ قَول بعض الْمُتَكَلِّمين
لنا هُوَ أَنه أحد مَا يخْتَص بِهِ اللَّفْظ الْعَام فَلم يَصح فِيمَا لم يدْخل فِي الْعُمُوم كالتخصيص بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء
وَلِأَنَّهُ قيل إِن الِاسْتِثْنَاء مَأْخُوذ من قَوْلهم ثنيت فلَانا عَن رَأْيه وثنيت عنان الدَّابَّة إِذا صرفتها
وَقيل إِنَّه مَأْخُوذ من تَثْنِيَة الْخَبَر بعد الْخَبَر وَهَذَا لَا يُوجد إِلَّا فِيمَا دخل فِي الْكَلَام حَتَّى يثنيه على القَوْل الأول ويثني فِيهِ الْخَبَر على القَوْل الثَّانِي
[ ١٦٥ ]
وَلِأَن أَلْفَاظ الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِه إِلَّا وَغير وَسوى لَا تستقل بأنفسها وَلَا يَصح الِابْتِدَاء بهَا فَدلَّ على أَنه يتَعَلَّق بالمستثنى مِنْهُ وَلَيْسَ لتَعَلُّقه بِهِ وَجه أَكثر من أَنَّهَا تخرج بعض مَا اقْتَضَاهُ
وَلِأَنَّهُ يقبح فِي الْكَلَام أَن يُقَال خرج النَّاس إِلَّا الْحمير وَرَأَيْت النَّاس إِلَّا الْكلاب فَدلَّ على أَنه لَيْسَ بِحَقِيقَة
وَاحْتَجُّوا بِأَن الِاسْتِثْنَاء من غير جنسه لُغَة الْعَرَب وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ وَهَذَا كُله اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس
وَقَالَ الشَّاعِر
وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس
فاستثنى اليعافير والعيس من الأنيس
وَقَالَ الآخر
وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب
[ ١٦٦ ]
والفلول من قراع الْكَتَائِب لَيْسَ بِعَيْب وَقد اسْتَثْنَاهُ من الْعَيْب
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ اسْتثِْنَاء من جنسه لِأَن إِبْلِيس من جنس الْمَلَائِكَة
فَإِن قيل فَكيف يكون من جُمْلَتهمْ وَقد قَالَ إِنَّه من الْجِنّ
قيل رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ هُوَ من جملَة الْمَلَائِكَة
وَقيل إِنَّه كَانَ من خزان الْجنَّة وَكَانَ رئيسهم وَإِنَّمَا سمي بذلك اشتقاقا من الْجنَّة فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَأما قَوْله ﴿إِلَّا رب الْعَالمين﴾ فَالْمُرَاد بِهِ لَكِن رب الْعَالمين
وَأما قَول الشَّاعِر: إِلَّا اليعافير وَلَا العيس
فَهُوَ اسْتثِْنَاء من جنسه لِأَن ذَلِك كُله مِمَّا يسْتَأْنس بِهِ
وَأما قَوْله وَلَا عيب فيهم فَهُوَ أَيْضا اسْتثِْنَاء من جنسه لِأَن الفلول عيب فِي نَفسه وَإِن كَانَ قد جعل ذَلِك نسيبا يمدح بِهِ قراع الْكَتَائِب
[ ١٦٧ ]
مَسْأَلَة ٣