وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هُوَ للْعهد وَهُوَ قَول أبي يحيى الحباني
[ ١١٥ ]
لنا أَن الْألف وَاللَّام لَا يدْخل على الِاسْم إِلَّا للْجِنْس وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره﴾ وَقَالَ ﴿وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كلا إِن الْإِنْسَان ليطْغى﴾ وَأَرَادَ فِي هَذَا كُله الْجِنْس وَيُقَال أهلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَملك الشَّاء وَالْبَعِير وَيُرَاد بِهِ الْجِنْس فَدلَّ على أَنه مَوْضُوع لَهُ
وَلِأَنَّهُ يحسن فِيهِ الِاسْتِثْنَاء بِلَفْظ الْجمع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ فَاقْتضى الْجِنْس كأسماء الجموع
وَلِأَنَّهُ لَو دخل الْألف وَاللَّام على أَسمَاء الجموع كالمسلمين وَالْمُشْرِكين اقْتضى الْجِنْس فَكَذَلِك إِذا دخل على الِاسْم الْمُفْرد
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقْتَضِي الْعَهْد لوَجَبَ أَن لَا يَصح الِابْتِدَاء بِهِ حَتَّى يتَقَدَّم بَين الْمُخَاطب والمخاطب مَعْهُود يرجع اللَّفْظ إِلَيْهِ وَلما رَأينَا ذَلِك مُسْتَعْملا فِي خطاب الله تَعَالَى وَلَيْسَ بَيْننَا وَبَينه عهد مُتَقَدم يرجع اللَّفْظ إِلَيْهِ دلّ على أَنه لَا يَقْتَضِي الْمَعْهُود
[ ١١٦ ]
وَلِأَن الْألف وَاللَّام يدخلَانِ للتعريف وَلَيْسَ هَاهُنَا معرفَة يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ غير الْجِنْس فَوَجَبَ أَن يحمل عَلَيْهِ
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْألف وَاللَّام لَا يدخلَانِ إِلَّا للْعهد وَلِهَذَا قَالَ الله ﷿ ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ وَأَرَادَ بِهِ الْعَهْد وَقَالَ ﷿ ﴿فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ وَأَرَادَ بِهِ الْعَهْد وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ وَلنْ يغلب عسر وَاحِد يسرين أبدا وَتقول دخلت السُّوق فَرَأَيْت رجلا ثمَّ عدت إِلَى السُّوق فَرَأَيْت الرجل وتريد بِهِ الْعَهْد فَدلَّ على أَن مُقْتَضَاهُ الْعَهْد
قُلْنَا إِنَّمَا حملناه فِيمَا ذَكرُوهُ على الْعَهْد لِأَنَّهُ قد تقدمه نكرَة فَرجع التَّعْرِيف إِلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ لم تتقدمه نكرَة فَحمل على تَعْرِيف الْجِنْس لِأَن الْألف وَاللَّام يدخلَانِ للتعريف وَلَيْسَ هَاهُنَا معرفَة يحمل اللَّفْظ عَلَيْهَا غير الْجِنْس فَوَجَبَ أَن يحمل عَلَيْهِ
قَالُوا وَلِأَن الْألف وَاللَّام لَا تفِيد أَكثر من تَعْرِيف النكرَة فَإِذا كَانَت النكرَة من الِاسْم الْمُفْرد لَا تَقْتَضِي إِلَّا وَاحِدًا من الْجِنْس فَإِذا دخلت عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام وَجب أَن لَا تَقْتَضِي إِلَّا وَاحِدًا من الْجِنْس
قُلْنَا هَذَا يبطل بِهِ إِذا دخلت على اسْم الْجمع فَإِنَّهَا لَا تفِيد أَكثر من تَعْرِيف النكرَة ثمَّ إِذا دخلت على اسْم الْجمع اقْتَضَت الْجِنْس وعَلى أَنه إِنَّمَا يَقْتَضِي تَعْرِيف النكرَة إِذا تقدمه نكرَة فَأَما إِذا لم يتقدمه نكرَة اقْتضى تَعْرِيف الْجِنْس وَهَاهُنَا لم يتقدمه نكرَة فَوَجَبَ أَن يكون تعريفا للْجِنْس
[ ١١٧ ]
مَسْأَلَة ٣