وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن كَانَت الزِّيَادَة توجب تَغْيِير الحكم الْمَزِيد عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبل كَانَ نسخا وَإِن لم تقتض ذَلِك لم يكن نسخا وَمنعُوا بذلك زِيَادَة التَّغْرِيب فِي آيَة الْجلد وَزِيَادَة الْغرم فِي آيَة السّرقَة وَزِيَادَة النِّيَّة وَالتَّرْتِيب فِي آيَة الْوضُوء بأخبار الْآحَاد وَالْقِيَاس
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِن كَانَت الزِّيَادَة شرطا فِي الْمَزِيد حَتَّى لَا يجزىء مَا كَانَ مجزئا إِلَّا بِالزِّيَادَةِ وَإِذا لم تنضم إِلَيْهِ وَجب
[ ٢٧٦ ]
الِاسْتِئْنَاف كزيادة رَكْعَتَيْنِ على رَكْعَتَيْنِ كَانَ نسخا وَإِن لم تكن الزِّيَادَة شرطا فِي المز لم تكن نسخا
لنا هُوَ أَن النّسخ فِي اللُّغَة هُوَ الرّفْع والإزالة ثمَّ خص فِي الشَّرْع بِبَعْض مَا تنَاوله الِاسْم فَقيل هُوَ رفع الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وَهَذِه الْحَقِيقَة لَا تُوجد فِيمَا زيد فِيهِ لِأَن الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ بَاقٍ كَمَا كَانَ لم يزل وَلم يرْتَفع وَإِنَّمَا لزمَه زِيَادَة فَلم يكن ذَلِك نسخا يدلك عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ فِي الْكيس مئة دِرْهَم فزيد عَلَيْهِ شَيْء آخر لم يكن ذَلِك رفعا لما فِي الْكيس كَذَلِك هَاهُنَا
وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَو كَانَت الزِّيَادَة فِي الحكم نسخا لحكم الْمَزِيد عَلَيْهِ لوَجَبَ إِذا أوجب الله تَعَالَى الْخمس صلوَات ثمَّ أوجب صَوْم شهر رَمَضَان أَن يكون ذَلِك نسخا للصلوات وَلما لم يكن ذَلِك نسخا بِالْإِجْمَاع وَجب أَن لَا تكون هَذِه الزِّيَادَة نسخا لِأَن النّسخ مَا لم يُمكن الْجمع بَينه وَبَين الْمَنْسُوخ فِي اللَّفْظ كَمَا لَو قَالَ صل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَلَا تصل لم يكن كلَاما وَهنا لَو جمع بَين الزِّيَادَة والمزيد عَلَيْهِ صَحَّ وَوَجَب الْجمع بَينهمَا فَدلَّ على أَن ذَلِك لَيْسَ بنسخ
وَلِأَن النّسخ أَن يتَنَاوَل النَّاسِخ مَا تنَاوله الْمَنْسُوخ وَإِيجَاب الزَّكَاة لَا يتَنَاوَل حكم الْمَنْسُوخ فَلَا يجوز أَن يكون ذَلِك نسخا لَهُ
وَلِأَن الْغَرَض فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِثْبَات الزِّيَادَة فِي الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس
[ ٢٧٧ ]
وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك هُوَ أَن مَا جَازَ تَخْصِيص الْقُرْآن بِهِ جَازَت الزِّيَادَة بِهِ فِيهِ كالقرآن وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ التَّخْصِيص بِهِ وَهُوَ إِسْقَاط بعض مَا تنَاوله فَالزِّيَادَة بذلك أولى
وَلِأَن الزِّيَادَة على النَّص لَا يَتَنَاوَلهَا لفظ النَّص فَكَانَ حكمهَا حكم مَا قبل وُرُود النَّص فَجَاز إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس
وَاحْتج أَصْحَاب أبي حنيفَة بِأَن النّسخ تَغْيِير الحكم عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَقد وجد التَّغْيِير بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ إِذا زَاد فِي حد الْقَذْف عشْرين فقد صَار الثَّمَانُونَ بعض الْوَاجِب وَكَانَ يتَعَلَّق بِهِ رد الشَّهَادَة وَصَارَ لَا يتَعَلَّق بِهِ رد الشَّهَادَة فَصَارَ كَسَائِر أَنْوَاع النّسخ
وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نسلم أَن النّسخ هُوَ التَّغْيِير بل النّسخ هُوَ الْإِزَالَة وَالرَّفْع من قَوْلهم نسخت الشَّمْس الظل إِذا أزالته وَنسخت الرِّيَاح الْآثَار إِذا ذهبت بهَا وَهَذَا لَا يُوجد إِلَّا فِي إِسْقَاط مَا كَانَ بتاتا
وَلَو سلمنَا أَن النّسخ هُوَ التَّغْيِير لم نسلم أَن الْوَاجِب تغير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ بل هُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ
وَأما قَوْله إِذا صَار الْوَاجِب بعض الْوَاجِب وَكَانَ ترد بِهِ الشَّهَادَة وَصَارَ لَا ترد بِهِ الشَّهَادَة يبطل بِهِ إِذا أَمر بِالصَّلَاةِ ثمَّ أَمر بِالصَّوْمِ لِأَن الأول كَانَ جَمِيع الْوَاجِب وَصَارَ بعض الْوَاجِب وَكَانَ تقبل الشَّهَادَة بِفِعْلِهَا فَصَارَ لَا تقبل الشَّهَادَة إِلَّا بِفِعْلِهَا مَعَ غَيرهَا ثمَّ لَا يكون ذَلِك نسخا
[ ٢٧٨ ]
وَيبْطل بِهِ إِذا سقط بعض الثَّمَانِينَ من الْحَد فَإِنَّهُ قد صَار الْبَاقِي كل الْوَاجِب وَكَانَ بعض الْوَاجِب فَترد بِهِ الشَّهَادَة وَقد كَانَ لَا ترد بِهِ ثمَّ لَا يكون ذَلِك نسخا للْبَاقِي
قَالُوا إِذا ثبتَتْ الزِّيَادَة صَار جُزْءا من الْمَزِيد عَلَيْهِ وَحكمه حكمه فَيجب أَن لَا يثبت إِلَّا بِمَا ثَبت بِهِ الْمَزِيد عَلَيْهِ
قُلْنَا لعمري إِنَّه يصير جَزَاء مِنْهُ على معنى أَنه يجب ضمه إِلَيْهِ وَلَكِن لَا يجب أَن يثبت بِالطَّرِيقِ الَّذِي ثَبت بِهِ الْمَزِيد عَلَيْهِ
يدلك عَلَيْهِ أَن كَونه جُزْءا مِنْهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ من إِثْبَات صفة الْمَزِيد عَلَيْهِ وَيجوز أَن تكون الصّفة تخَالف الْمَوْصُوف فِي طَرِيقه فَيثبت الشَّيْء بطرِيق مَقْطُوع بِهِ وَصفته من الْإِيجَاب وَغَيره يثبت بطرِيق غير مَقْطُوع بِهِ
قَالُوا وَلِأَن التَّقْدِير بِالْعدَدِ مَوْضُوع للْمَنْع من الزِّيَادَة فَإِذا وَردت الزِّيَادَة أفادت إِيجَاب مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَهَذَا حَقِيقَة النّسخ وَهُوَ أَن يَجْعَل مَا كَانَ مَحْظُورًا مُبَاحا أَو وَاجِبا
قُلْنَا هَذَا على أصلكم لَا يَصح لِأَن التَّقْدِير بِالْعدَدِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْع من الزِّيَادَة وَإِنَّمَا يَصح هَذَا على أصلنَا فَلَا جرم إِذا ورد على ذَلِك زِيَادَة جعلنَا ذَلِك نسخا للْمَنْع من الزِّيَادَة وَنحن لَا ننكر نسخ الزِّيَادَة فِيمَا أَفَادَ الْخطاب حكما فِي الزِّيَادَة وَإِنَّمَا ننكر أَن نجْعَل الزِّيَادَة ناسخة للمزيد عَلَيْهِ وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ
قَالُوا لَا خلاف أَن النُّقْصَان من النُّصُوص عَلَيْهِ يُوجب النّسخ فَكَذَلِك الزِّيَادَة
قُلْنَا قد جعل النُّقْصَان حجَّة لنا لِأَنَّهُ لَا يُوجب حكم الْبَاقِي من الْحَد
[ ٢٧٩ ]
فَيجب أَن تكون الزِّيَادَة مثله وَإِنَّمَا جعلنَا النُّقْصَان نسخا لما نقص لِأَنَّهُ إِسْقَاط حكم ثَابت بِاللَّفْظِ وَهَاهُنَا زِيَادَة على الحكم الثَّابِت فَلم يكن نسخا
يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو أوجب الصَّلَاة ثمَّ رَفعهَا كَانَ ذَلِك نسخا لَهَا وَلَو زَاد على الصَّلَاة الصَّوْم لم يكن ذَلِك نسخا للصَّلَاة
واحتجت الطَّائِفَة الْأُخْرَى أَنه إِذا كَانَت الزِّيَادَة شرطا كَانَت مُغيرَة لحكم الْمَزِيد أَلا ترى أَنه إِذا زَاد فِي الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صلى بعد الزِّيَادَة رَكْعَتَيْنِ لم يجزه وَقد كَانَ يَجْزِي وَلَا يجوز أَن يسلم من رَكْعَتَيْنِ وَقد كَانَ يجوز ذَلِك وَهَذَا حَقِيقَة النّسخ
وَالْجَوَاب أَن الْمَزِيد عَلَيْهِ بَاقٍ كَمَا كَانَ لم يتَغَيَّر وَمَا تعلق بِالزِّيَادَةِ من الْإِجْزَاء وَعدم الْإِجْزَاء وَالصِّحَّة وَعدم الصِّحَّة لَا يُوجب النّسخ مَعَ بَقَاء الْمَزِيد عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه إِذا زيد فِي عدد الْحَد فقد تغير بِهَذِهِ الزِّيَادَة حكم وَهُوَ أَنه مَا كَانَ مطهرا صَار غير مطهر وَمَا كَانَ مكفر صَار غير مكفر ثمَّ لَا يُوجب ذَلِك نسخ الْمَزِيد عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ إِذا زيد فِي الْعدة صَار مَا كَانَ مبيحا غير مُبِيح ثمَّ لَا يعد ذَلِك نسخا فَبَطل مَا قَالُوهُ
وعَلى أَنه يبطل بِزِيَادَة شَرط فِي الصَّلَاة مُنْفَصِل عَنْهَا أَو نُقْصَان شَرط كالطهارة فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ سلم هَذَا الْقَائِل أَنه لَيْسَ نسخ للصَّلَاة وَمَعْلُوم أَنه قد صَار مَا كَانَ مجزئا غير مجزىء وَمَا كَانَ صَحِيحا غير صَحِيح فَسقط مَا قَالُوهُ
[ ٢٨٠ ]
مَسْأَلَة ١١